صناعة كوردية عالمية.. "الكلاش" إرث حيّ بين الهوية الثقافية وتحديات المعيشة
شفق نيوز- ترجمة خاصة
لا يعد "الكلاش" (حذاء مصنوع من القماش) اليوم مجرد فن تقليدي، بل هو رمز للهوية الثقافية الكوردية؛ وإرث حيّ يصارع تحديات جمة، أبرزها محدودية السوق، وتوسع دور الوسطاء، وغياب التصدير الرسمي.
واستناداً لتقرير لوكالة "مهر" الإيرانية وترجمته وكالة شفق نيوز، فإن "الكلاش" (ويُسمى في العراق الـﮔيوة)، هذا الحذاء الأبيض الخفيف المنبثق من جبال زاگروس، استوطن لسنوات طويلة أقدام أهالي كوردستان وذاكرتهم الثقافية.
وشكل تسجيله وطنياً في إيران عام 2015 وعالمياً عام 2017 نقطة تحول في تقديم هذا الفن الصناعي لإيران والعالم، وهو فخر وضع اسم مدينة مريوان كمهد لحياكة "الكلاش" على قمة التراث الثقافي للبلاد.
ومع ذلك، تقبع خلف هذا الاعتبار العالمي حقيقة معقدة؛ فمن جهة، تتجذر هذه الحرفة في عمق المعرفة المحلية والمعنى الثقافي، ومن جهة أخرى، ترتبط بالهواجس المعيشية لآلاف الحائكين الذين يتوقف بقاء هذا الإرث على سواعدهم.
9500 حرفي نشط
وبحسب التقرير صرحت معاونة الصناعات اليدوية في الإدارة العامة للتراث الثقافي والسياحة بمحافظة كوردستان، فرزانة فرج اللهي، بأن أكثر من 9500 حرفي يعملون في هذا المجال بالمحافظة.
وأشارت إلى أن مريوان، بصفتها المدينة العالمية لـ"الكلاش"، تعد أهم مركز لإنتاج هذا الفن، إلا أن ضعف السوق المباشر، والدور البارز للوسطاء، وغياب التصدير الرسمي، تعد من التحديات الجدية التي تواجه هذه الحرفة وصناعات يدوية أخرى.
مريوان القلب النابض
وأوضحت فرج اللهي أن التركيز الأكبر لهذه الحرفة يقع في مدينة مريوان، التي اكتسبت شهرتها كمركز رئيسي للإنتاج، حيث تضم أكبر عدد من الحائكين والورش والمتاجر.
وبسبب مكانتها التاريخية، سجلت مريوان في مجلس الصناعات اليدوية العالمي التابع لليونسكو كـ"المدينة العالمية للكلاش". كما تعد مدينة سرو آباد وقراها مراكز إنتاج هامة، فيما ينتشر هذا الفن بشكل متفرق في مدن مثل سنندج، كامياران، وديواندرة.
وفيما يخص التصدير، ذكرت فرج اللهي أن "الكلاش" لا يمتلك إحصائيات تصدير رسمية واسعة في الوثائق الكلية، إذ يتم معظمه بشكل فردي، محلي، أو غير رسمي.
ويعد العراق، وتحديداً إقليم كوردستان، الوجهة الأهم، حيث يتم تصدير أكثر من 30 ألف زوج من "الكلاش" سنوياً من مريوان إلى الخارج، يذهب جزء كبير منها لأسواق الإقليم، بالإضافة إلى إقبال السياح الأجانب في المناطق الحدودية على شرائه.
الوسطاء العائق الأكبر
وأشارت معاونة الصناعات اليدوية إلى ضعف التواصل المباشر بين الفنان والسوق، حيث يضطر معظم الحائكين، الذين يعملون غالباً في منازلهم أو ورش صغيرة، لبيع منتجاتهم لوسطاء محليين أو أصحاب محال. في هذه العملية، يتضاعف السعر النهائي عدة مرات، ويذهب الربح الأكبر للوسيط لا للمنتج الحقيقي.
وأفادت فرج اللهي بأن الجيل الجديد بدأ يتجه نحو منصات مثل "إنستغرام" والمتاجر الإلكترونية لتقليل الاعتماد على الوسطاء، مما أدى لزيادة أرباحهم. ورغم وجود برامج دعم رسمية تشمل التدريب والتأمين والقروض، إلا أنها لا تزال غير شاملة وتعتمد على توفر الميزانية.
45 فرعاً نشطاً للصناعات اليدوية
وتضم محافظة كوردستان نحو 45 فرعاً نشطاً، منها 18 فرعاً محلياً ذات قيمة هوياتية عالية، مثل: حياكة "الكلاش"، "الكليم"، و"الجاجيم". وأعمال الخشب الدقيقة (نازك كاري). وصناعة الآلات الموسيقية التقليدية والملبوسات والحلي الكوردية المحلية.
من جانبها، أكدت الأستاذة الجامعية والباحثة في الدراسات المحلية، زينب كريمي، أن "الكلاش" ليس مجرد حذاء، بل هو "نص حيّ للثقافة الكوردية" يحمل طبقات عميقة من المعرفة الجمعية.
وأوضحت أن نشأته كانت استجابة عقلانية للبيئة الجبلية الوعرة في مناطق مثل هورامان ومريوان، حيث الحاجة لحذاء خفيف، بارد، ومرن.
وشددت كريمي على أن "الكلاش" يُصنع يدوياً بالكامل دون استخدام مواد كيميائية أو غراء، مما يجعله نموذجاً للاستهلاك المسؤول والاستدامة. كما وصفت حياكته بـ"الاقتصاد الأخلاقي"، حيث تشارك العائلة بمختلف أفرادها في الإنتاج، مما يعزز التضامن الاجتماعي.
وحذرت من "تسليع الكلاش وتقزيمه" إلى مجرد تحفة زينة، مؤكدة أن بقاءه يتطلب الحفاظ على معناه الثقافي بجانب دعمه اقتصادياً.
شكاوى الحائكين
وبحسب التقرير نفسه، أجمع عدد من حائكي "الكلاش" في مريوان، على أن لقب "المدينة العالمية" لم يغير واقعهم المعيشي كثيراً، حيث يشتكي الحرفيون من: المشاكل الصحية مثل ضغط العمل يؤثر على اليدين، العينين، والظهر دون وجود غطاء تأميني يحميهم عند العجز. وكذلك غياب الدعم الفعلي: إذ يرى البعض أن الدعم يقتصر على المهرجانات والصور التذكارية، بينما تظل المواد الأولية غالية والقروض صعبة المنال. بالإضافة إلى التبعية للوسطاء: حيث أن الحذاء الذي يحاك بجهد مضنٍ يباع للوسطاء بأسعار زهيدة، ليعاد بيعه بأسعار مضاعفة.
وخلص التقرير إلى أن "الكلاش" يقف اليوم في نقطة حرجة؛ فمن جهة هو إرث عالمي يحمل هوية وطن، ومن جهة أخرى هو حرفة معيشية مهددة بالاندثار إذا لم يتم ربطها بأسواق مستدامة وسياسات واعية. "الكلاش" ليس مجرد خطوات على صخور الجبال، بل هو مسيرة هوية تأبى النسيان.