لماذا غزت بريطانيا والاتحاد السوفيتي إيران خلال الحرب العالمية الثانية؟

لماذا غزت بريطانيا والاتحاد السوفيتي إيران خلال الحرب العالمية الثانية؟
Getty Images
Tue, 25 Aug 2026 09:36:03 GMT
bbc news arabic header storypage
أراد رضا خان أن يعلن نفسه في البداية رئيساً على غرار الرئيس القومي العلماني لتركيا مصطفى كمال أتاتورك
Getty Images
أراد رضا خان أن يعلن نفسه في البداية رئيساً على غرار الرئيس القومي العلماني لتركيا مصطفى كمال أتاتورك

في فجر 25 أغسطس/آب 1941، دخلت القوات البريطانية والسوفيتية الأراضي الإيرانية من الشمال والجنوب، في واحدة من أكثر حلقات الحرب العالمية الثانية حساسية في الشرق الأوسط.

وكانت إيران قد أعلنت حيادها منذ اندلاع الحرب، وحاول الشاه رضا شاه بهلوي الحفاظ على هذا الموقف، لكن التطورات العسكرية في صيف 1941 غيّرت حسابات بريطانيا والاتحاد السوفيتي بصورة جذرية.

فبعد أن غزت ألمانيا الاتحاد السوفيتي في 22 يونيو/حزيران من عام 1941، أصبح الاتحاد السوفيتي طرفاً رئيسياً في الحرب إلى جانب بريطانيا، وأصبحت إيران ذات أهمية إستراتيجية استثنائية بالنسبة إلى الحلفاء، فقد كانت تقع على الحدود الجنوبية للاتحاد السوفيتي، وتملك منفذاً إلى الخليج، وتحتوي على منشآت نفطية حيوية للمجهود الحربي البريطاني، كما كان يمر بها خط السكك الحديدية العابرة لإيران، والذي أمكن تحويله إلى طريق لنقل المعدات والأسلحة والمواد الغذائية إلى الجيش الأحمر.

صعود رضا خان

لكن جذور الأزمة تعود إلى سنوات طويلة قبل الغزو، فقد كانت إيران، التي كانت تُعرف في معظم اللغات الغربية باسم فارس أو Persia، قد عانت خلال عهد القاجار من ضعف السلطة المركزية وتدخُّل القوى الأجنبية، خصوصاً بريطانيا وروسيا، وذلك بحسب دائرة المعارف البريطانية.

وحتى بداية الحرب العالمية الأولى، كانت روسيا تتمتع بنفوذ واسع إلى حد جعلها تحكم إيران فعلياً، لكن اندلاع الحرب دفع القوات الروسية إلى الانسحاب من شمال البلاد، وعقد الإيرانيون الدورة الثالثة لمجلس الشورى الوطني، وسرعان ما تحولت إيران إلى ساحة قتال بين القوات البريطانية والألمانية والروسية والتركية، فيما كانت النخبة المالكة للأراضي تأمل في أن تكون ألمانيا قوة توازن في مواجهة النفوذ البريطاني والروسي.

وبعد الثورة البلشفية عام 1917، ألغت الحكومة السوفيتية الجديدة من جانب واحد الامتيازات التي كان القياصرة قد حصلوا عليها في إيران، ما أكسبها تعاطفاً واسعاً، قبل أن تصبح بريطانيا القوة العظمى الوحيدة صاحبة النفوذ في البلاد بعد هزيمة دول المركز (ألمانيا وحلفاؤها في الحرب العالمية الأولى).

أحمد شاه آخر ملوك الأسرة القاجارية في إيران
Getty Images
أحمد شاه آخر ملوك الأسرة القاجارية في إيران

وفي عام 1919، رفض مجلس الشورى الوطني عرضاً بريطانياً لتقديم مساعدات عسكرية ومالية كان من شأنها أن تجعل إيران عملياً محمية بريطانية. ومع تصاعد الضغوط الدولية، اضطرت بريطانيا إلى سحب مستشاريها من إيران بحلول عام 1921.

وفي العام نفسه، دعم دبلوماسيون بريطانيون رضا خان، الضابط في لواء القوزاق الفارسي، الذي كان قد لعب دوراً مهماً في العام السابق في قمع تمرد قاده ميرزا كوتشك خان، الساعي إلى إقامة جمهورية مستقلة على الطراز السوفيتي في إقليم جيلان شمالي إيران.

وكان ذلك في عهد أحمد شاه، آخر ملوك الأسرة القاجارية، والذي كان صغيراً في السن وغير كفء، فيما كانت الحكومة ضعيفة وفاسدة، الأمر الذي أثار غضب العناصر الوطنية والقومية التي رأت في البلاد دولة واقعة تحت نفوذ القوى الأجنبية.

وفي 21 فبراير/شباط عام 1921، وبالتعاون مع الكاتب السياسي سيد ضياء الدين طباطبائي، دخل رضا خان طهران على رأس نحو 1200 رجل في انقلاب عسكري، وسيطر على العاصمة، وأصبح طباطبائي رئيساً للوزراء، بينما تولى رضا خان قيادة القوات العسكرية، وعُيّن وزيراً للحربية بعد أسابيع، ومن موقعه هذا، بدأ في بناء قوة عسكرية مركزية قادرة على فرض سلطة الحكومة على مختلف أنحاء البلاد.

وقد واجه في خوزستان نفوذ الشيخ خزعل بن جابر الكعبي، حاكم المحمّرة وهو زعيم عربي كان يتمتع بقدر كبير من الحكم الذاتي في المنطقة المعروفة آنذاك بعربستان، وتصاعد الخلاف بينهما مع سعي رضا خان إلى فرض سلطة مركزية على كامل إيران، وانتهى بتحرك عسكري ضد خزعل وإخضاعه عام 1924، قبل أن تعتقل القوات التابعة لرضا خان الشيخ خزعل في أبريل/نيسان من عام 1925 وتنقله إلى طهران، حيث وُضع قيد الإقامة الجبرية حتى وفاته عام 1936.

وتزامن ذلك مع تحوّل في الموقف البريطاني، إذ تخلّت لندن تدريجياً عن دعم خزعل واختارت التعامل مع رضا خان باعتباره القوة القادرة على توحيد إيران وحماية مصالحها، ولذلك يُشار إلى هذه الأحداث في بعض المصادر باعتبارها قمعاً لتمرد قومي عربي في خوزستان.

وبين عامي 1921 و1925، نجح رضا خان في بناء جيش موالٍ له شخصياً، أولاً بصفته وزيراً للحربية ثم رئيساً للوزراء، كما تمكّن من فرض قدر من الاستقرار السياسي في بلد عانى سنوات طويلة من الاضطرابات، وكان صعوده جزءاً من تحوّل أوسع في إيران، تزامن مع تراجع النفوذ البريطاني المباشر ومحاولات البلاد استعادة قدر أكبر من الاستقلال السياسي في مواجهة القوى الأجنبية.

وفي الوقت نفسه، كان أحمد شاه قد غادر البلاد إلى أوروبا للعلاج، وعلى الرغم من مناشدات رضا خان ورئيس مجلس الشورى الوطني، رفض العودة إلى البلاد، في وقتٍ كان خلاله ضعيفاً ومريضاً.

وفي البداية، أراد رضا خان إعلان نفسه رئيساً للجمهورية على غرار مصطفى كمال أتاتورك، الرئيس القومي العلماني لتركيا، لكن الفكرة واجهت معارضة شديدة من علماء الدين الشيعة وقطاعات واسعة من المجتمع، لذلك اختار طريقاً آخر، ففي عام 1925 خلع مجلس الشورى الوطني أحمد شاه، ثم توّج رضا خان نفسه شاهاً باسم رضا شاه بهلوي، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في تاريخ إيران مع تأسيس الأسرة البهلوية.

ومنذ بداية حكمه، سعى رضا شاه إلى بناء دولة مركزية قوية وتحديث مؤسساتها وتقليص النفوذ الأجنبي، وشملت إصلاحاته التعليم والقضاء، فجرى نقل عدد من الاختصاصات التي كانت خاضعة للمحاكم الدينية الشيعية إلى المحاكم المدنية وأجهزة الدولة، كما توسعت المدارس المدنية للبنين والبنات، وأُسست جامعة طهران عام 1934.

واتخذ رضا شاه كذلك إجراءات واسعة لتغيير وضع المرأة، من بينها حظر ارتداء الحجاب ورفع الحد الأدنى لسن الزواج وإعادة صياغة بعض قوانين الطلاق.

لكن مشروعه التحديثي كان سلطوياً في الوقت نفسه، فقد حظر النقابات والأحزاب السياسية، وفرض رقابة صارمة على الصحافة، وعمل على تركيز السلطة في يد الدولة والجيش.

إيران بدلاً من فارس

التقى الزعيم النازي هتلر رئيس مجلس الشورى الإيراني خلال زيارته لبرلين في عام 1937
Getty Images
التقى الزعيم النازي هتلر رئيس مجلس الشورى الإيراني خلال زيارته لبرلين في عام 1937

في خضم هذا المشروع، حدث تطور رمزي مهم في هوية الدولة نفسها، ففي عام 1935 طلبت الحكومة الإيرانية من الدول الأجنبية استخدام اسم إيران بدلاً من فارس في المراسلات الدولية، وهو الاسم الذي كان الإيرانيون يستخدمونه تاريخياً لبلادهم، وأصبح اسم إيران هو التسمية الرسمية المستخدمة دولياً ابتداءً من مارس/آذار من عام 1935.

وقد ارتبط اسم إيران تاريخياً بتعبير قديم يعني "أرض الآريين"، وهو مفهوم لغوي وحضاري سابق بقرون على النازية، لكن ألمانيا النازية أعادت توظيف مصطلح "الآري" في إطار نظريتها العنصرية، وقد ساهم تقارب إيران مع ألمانيا في عهد رضا شاه في ظهور روايات تربط اعتماد اسم إيران بالرؤية النازية، لكن لا توجد أدلة موثوقة على أن هتلر طلب تغيير اسم البلاد أو أن هذه الخطوة كانت مشروعاً نازياً، إذ ارتبط اعتماد الاسم أساساً بإعادة تأكيد الهوية التاريخية للبلاد.

وفي الوقت نفسه، كانت العلاقات بين طهران وبرلين تتطور بصورة ملحوظة، فقد رأى رضا شاه في ألمانيا قوة أوروبية كبرى لا تملك التاريخ الاستعماري نفسه الذي امتلكته بريطانيا وروسيا في إيران، كما رأى في التعاون معها فرصة للحصول على التكنولوجيا والخبرة الصناعية وتنويع علاقاته التجارية وتقليل الاعتماد على القوتين اللتين كانتا تمثلان مصدر تهديد دائم لاستقلال إيران.

ومن منتصف ثلاثينيات القرن العشرين أصبحت ألمانيا أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لإيران، وازداد حضور الشركات الألمانية في مشاريع صناعية وتعدينية، كما توسعت العلاقات التجارية والنقل الجوي.

وفي عام 1937، زار رئيس مجلس الشورى الإيراني برلين والتقى أدولف هتلر، كما زار مسؤولون ألمان إيران، وتوجد أدلة على أن هتلر أرسل دعوة إلى رضا شاه لزيارة ألمانيا.

لكن العلاقة بين رضا شاه وهتلر لم تكن تحالفاً سياسياً وعسكرياً بالمعنى الذي كانت عليه علاقات ألمانيا مع حلفائها، وتشير الدراسات إلى أن المحرك الأساسي للعلاقات الألمانية الإيرانية في ثلاثينيات القرن العشرين كان اقتصادياً، وأن التعاون ارتبط بمشروع رضا شاه لتحديث الدولة والاقتصاد.

بل إن رضا شاه حاول في بعض المراحل الحفاظ على مسافة متساوية من القوى الأجنبية، فقد ظل يخشى بريطانيا والاتحاد السوفيتي بسبب تاريخهما الطويل في التدخل الإيراني، لكنه لم يكن مستعداً أيضاً لأن تتحول إيران إلى تابع لألمانيا.

الحرب العالمية والحياد

فرانكلين روزفلت
Getty Images
طلبت الحكومة الإيرانية من الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت التدخل لدى بريطانيا والاتحاد السوفيتي لوقف الغزو

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، أعلنت إيران حيادها، وكان رضا شاه يدرك أن الانحياز إلى أي طرف قد يجعل بلاده ساحة للصراع، لكن الحياد أصبح أكثر صعوبة مع اتساع الحرب.

وكانت بريطانيا تعتمد بدرجة كبيرة على النفط الإيراني، وكانت المنشآت النفطية في خوزستان ذات قيمة إستراتيجية ضخمة، وفي الوقت نفسه، أصبح الاتحاد السوفيتي، بعد الغزو الألماني، بحاجة إلى كميات هائلة من المعدات والأسلحة والغذاء، وكانت إيران توفر الطريق الجغرافي الأكثر ملاءمة لنقل هذه الإمدادات.

ولهذا أصبحت العلاقات الإيرانية الألمانية مصدر قلق متزايد بالنسبة إلى لندن وموسكو، فقد كان في إيران عدد كبير من الخبراء ورجال الأعمال الألمان، ورفض رضا شاه المطالب البريطانية والسوفيتية بإبعادهم بصورة ترضي الطرفين، ورغم أن إيران أكدت أنها دولة محايدة ومستعدة لمنع أي نشاط ألماني يهدد حيادها، لم تقتنع بريطانيا والاتحاد السوفيتي بأن الإجراءات الإيرانية كافية.

وبعد الهجوم الألماني على الاتحاد السوفيتي في يونيو/حزيران من عام 1941، أصبحت مخاوف الحلفاء أكبر بكثير، حيث كان هناك احتمال أن تستخدم ألمانيا الأراضي الإيرانية أو شبكاتها الاقتصادية والسياسية كنقطة نفوذ، أو أن تتمكن من التقدم عبر القوقاز والوصول إلى المنطقة، كما كان استمرار حياد إيران يمكن أن يعرقل نقل الإمدادات البريطانية إلى الاتحاد السوفيتي.

وفي 25 أغسطس/آب من عام 1941، بدأت العملية العسكرية، حيث دخل نحو 40 ألف جندي سوفيتي إلى شمال إيران، بينما دخل نحو 19 ألف جندي بريطاني من الجنوب، ولم يكن الجيش الإيراني قادراً على مواجهة القوتين، وعلى الرغم من عملية بناء الجيش التي قام بها رضا شاه، كان التفوق البريطاني والسوفيتي في القوة والتسليح والتنظيم هائلاً، فتفككت المقاومة الإيرانية سريعاً.

واحتج رضا شاه على الغزو، واعتبره انتهاكاً لسيادة دولة محايدة، كما طلبت الحكومة الإيرانية من الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت التدخل لدى بريطانيا والاتحاد السوفيتي لوقف العمليات.

أرسل رضا شاه برقية إلى روزفلت مساء 25 أغسطس/آب، قال فيها إن القوات البريطانية والسوفيتية عبرت الحدود بصورة مفاجئة واحتلت مناطق وقصفت مدناً إيرانية، وطلب من الرئيس الأمريكي التدخل لإنهاء ما وصفه بأعمال العدوان ضد إيران المحايدة، وقد رد روزفلت على رضا شاه في 2 سبتمبر/أيلول من عام 1941 مشيراً إلى أنه يتابع الوضع باهتمام، وأن الولايات المتحدة أعربت لبريطانيا والاتحاد السوفيتي عن اهتمامها بخططهما في إيران، لكنها لم توقف الاحتلال.

وكان الحلفاء ينظرون إلى الأمر من زوايا مختلفة، فبالنسبة إلى بريطانيا، كان النفط الإيراني وأمن الخليج من الأولويات، وبالنسبة إلى الاتحاد السوفيتي، كان أمن حدوده الجنوبية وفتح طريق للإمدادات من أهم الاعتبارات.

التنازل عن العرش

حاول رضا شاه الحفاظ على حياد إيران في الحرب العالمية الثانية
Getty Images
حاول رضا شاه الحفاظ على حياد إيران في الحرب العالمية الثانية

ومع تقدم القوات الأجنبية نحو العاصمة، أصبح بقاء رضا شاه في الحكم شبه مستحيل، وفي 15 سبتمبر/أيلول 1941 دخلت القوات البريطانية والسوفيتية طهران، وفي اليوم التالي تنازل رضا شاه عن العرش لصالح ابنه محمد رضا بهلوي، وغادر البلاد إلى المنفى حيث توفي في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا في 26 يوليو/ تموز من عام 1944.

وهكذا انتهى حكم الرجل الذي كان قد وصل إلى السلطة قبل عقدين تقريباً بهدف بناء دولة إيرانية قوية ومستقلة عن القوى الأجنبية، في حين أصبحت إيران نفسها تحت الاحتلال العسكري البريطاني والسوفيتي.

لكن الهدف الأكبر للحلفاء لم يكن مجرد إسقاط رضا شاه، فقد أرادوا إنشاء طريق إمداد إلى الاتحاد السوفيتي، وهو الطريق الذي أصبح يعرف باسم "الممر الفارسي"، وتحولت السكك الحديدية والموانئ والطرق الإيرانية إلى جزء من شبكة لوجستية ضخمة لنقل المعدات والمواد الغذائية والوقود إلى السوفييت.

وبحلول نهاية الحرب، كانت ملايين الأطنان من الإمدادات قد مرّت عبر إيران، وأصبحت البلاد واحدة من أهم طرق الدعم الخارجي للاتحاد السوفيتي في حربه ضد ألمانيا.

وهنا تظهر المفارقة التاريخية الكبرى حيث حاول رضا شاه الحفاظ على حياد إيران وتجنب الوقوع تحت نفوذ بريطانيا أو الاتحاد السوفيتي، كما وسّع علاقاته مع ألمانيا لتحقيق توازن بين القوى الكبرى، لكن هذه السياسة نفسها ساهمت في زيادة الشكوك حول إيران عندما أصبحت ألمانيا القوة التي تحارب بريطانيا والاتحاد السوفيتي معاً.

ولم تكن علاقة رضا شاه بألمانيا مقتصرة على علاقة شخصية أو اتصالات مع أدولف هتلر، بل تطورت خلال ثلاثينيات القرن العشرين إلى علاقات تجارية وسياسية واسعة، مع تزايد اهتمام إيران بالنموذج الصناعي الألماني وما حققته ألمانيا من تقدم اقتصادي وتصنيعي، وأصبحت ألمانيا شريكاً تجارياً مهماً لإيران، في وقتٍ كان رضا شاه يسعى إلى تنويع علاقات بلاده الخارجية وتقليل اعتمادها على بريطانيا والاتحاد السوفيتي.

وكان رضا شاه يميل إلى التعاطف مع ألمانيا، خصوصاً لأنها لم تكن قد فرضت نفوذاً مباشراً على إيران على غرار بريطانيا وروسيا، اللتين ارتبط اسمهما طويلاً بالتدخل في الشؤون الإيرانية، لكن هذا التقارب لم يكن يعني أن رضا شاه أصبح حليفاً لهتلر أو تبنّى سياسات ألمانيا النازية، إذ أعلنت إيران الحياد منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية ولم تدخل الحرب إلى جانب ألمانيا.

وفي الوقت نفسه، لم يكن رضا شاه ينظر إلى ألمانيا باعتبارها قوة يمكن الوثوق بها بصورة مطلقة، فقد كان يدرك طموحاتها التوسعية ويخشى من أن تتحول إيران إلى ساحة للصراع بين القوى الكبرى، ولذلك حاول الحفاظ على مسافة من الجميع، انطلاقاً من اعتقاده بأن بريطانيا والاتحاد السوفيتي وألمانيا جميعها تتحرك أساساً وفق مصالحها الخاصة، وأن مهمة إيران هي حماية استقلالها ومصالحها في مواجهة هذه القوى.

معاهدة التحالف الثلاثي

محمد رضا بهلوي جلس على عرش إيران بعد أبيه رضا خان بهلوي
Getty Images
محمد رضا بهلوي جلس على عرش إيران بعد أبيه رضا خان بهلوي

بعد تنازل رضا شاه، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ البلاد حيث تولى محمد رضا بهلوي العرش وهو شاب، بينما بقيت إيران تحت وجود عسكري أجنبي، وفي يناير/كانون الثاني من عام 1942، أبرمت إيران مع بريطانيا والاتحاد السوفيتي معاهدة التحالف الثلاثي، التي نظمت وجود القوات الأجنبية واستخدام الأراضي الإيرانية لنقل الإمدادات، مقابل تعهد الحلفاء باحترام استقلال إيران والانسحاب بعد الحرب وفق الشروط المتفق عليها.

لكن آثار الاحتلال لم تتوقف بانتهاء العمليات العسكرية، فقد أضعف الاحتلال السلطة المركزية التي بناها رضا شاه، وأتاح للقوى السياسية والاجتماعية المختلفة مساحة أكبر للعمل، خصوصاً في المناطق الشمالية التي خضعت للنفوذ السوفيتي.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، رفض الاتحاد السوفيتي الانسحاب من بعض المناطق الشمالية في الموعد الذي كان متوقعاً، وظهرت أزمات سياسية في أذربيجان الإيرانية، وأصبحت إيران بذلك واحدة من الساحات المبكرة للصراع بين القوى الكبرى والذي تطور لاحقاً إلى الحرب الباردة.

وهكذا، كان الغزو البريطاني السوفيتي لإيران نتيجة لتقاطع عدة عوامل مجتمعة: الموقع الجغرافي لإيران، ونفطها، وخطوط السكك الحديدية، والحرب الألمانية السوفيتية، والشكوك البريطانية والسوفيتية تجاه العلاقات الألمانية الإيرانية، ومحاولة رضا شاه الحفاظ على استقلال قراره بين القوى الكبرى.

كما كان هذا الغزو بداية مرحلة مفصلية في التاريخ الإيراني، فقد انتهى عهد رضا شاه، وصعد محمد رضا بهلوي، وتحولت إيران إلى ممر رئيسي لإمداد الاتحاد السوفيتي بالسلاح والمواد الغذائية والمعدات خلال الحرب العالمية الثانية، وأصبحت البلاد نفسها جزءاً من الإستراتيجية العسكرية للحلفاء.

وكانت المفارقة أن إيران التي حاولت البقاء خارج الحرب وجدت نفسها في قلبها، فقد جعلها موقعها الجغرافي وثروتها النفطية وشبكة مواصلاتها دولة لا يستطيع الحلفاء تجاهلها، أما التقارب مع ألمانيا، الذي كان في نظر رضا شاه وسيلة لتقليل الاعتماد على بريطانيا والاتحاد السوفيتي، فأصبح أحد العوامل التي استُخدمت لتبرير الضغط عليه.

ولهذا تظل عملية الغزو البريطاني السوفيتي لإيران واحدةً من أهم حلقات الحرب العالمية الثانية في الشرق الأوسط: حرباً خاضتها القوى الكبرى فوق أراضي دولة أعلنت حيادها، وأسقطت حاكماً، وأعادت تشكيل النظام السياسي الإيراني، وحولت إيران إلى شريان لوجستي حاسم في الحرب ضد ألمانيا النازية، ثم تركت آثاراً امتدت من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى السنوات الأولى للحرب الباردة.

bbc footer storypage
Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon