التاريخ الخفي وراء "موزة" ثمنها 6 ملايين دولار
حين ألصق ماوريتسيو كاتيلان موزة على جدار بشريط لاصق فضي وسمّاها عملاً فنياً، أشعل واحدة من أكبر السجالات الثقافية في السنوات الأخيرة. لكن القصة الكامنة وراء عمل "كوميديان" تكشف تاريخاً يمتد قروناً من إثارة الجدل واستخدام الصدمات في الفن.
وكان ليوناردو دي كابريو، ومايكل باي، وترافيس سكوت، من بين المشاهير الذين حضروا الافتتاح الخاص لكبار الشخصيات في معرض "آرت بازل ميامي بيتش" في 4 ديسمبر/كانون الأول 2019، وهو اليوم الذي ظهرت فيه ثمرة الموز المسماة "كوميديان" للمرة الأولى.
في ذلك الصباح، أحاطت بطاقات الأسعار الهائلة بالجميع في المعرض الفني الذي كان من بين محتوياته عددُ من الأعمال الفنية باهظة الثمن.
فقد بيعت لوحة لهيلين فرانكنثالر بنحو 1.65 مليون دولار (ما يعادل 2.16 مليون دولار بقيمة اليوم) فيما كانت لوحة لوليام دي كونينغ معروضة مقابل 8 ملايين دولار (ما يعادل اليوم 10.5 مليون دولار).
أما بالنسبة إلى سارة كاسكون، المراسلة في موقع "آرت نت نيوز"، فقد كان عامل الجذب الرئيسي هو أحدث أعمال ماوريتسيو كاتيلان الفنية: موزة مثبتة على الحائط بشريط لاصق.
وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، كتبت كاسكون أول تقرير إخباري مفصل عنه، وأبلغت القراء أن نسختين من هذا العمل الفني الذي تمثل الفاكهة موضوعه الرئيسي بيعت كل منهما مقابل 120 ألف دولار.
وبعد أيام قليلة، بيعت النسخة الثالثة والأخيرة مقابل 150 ألف دولار. وحصل كل مشتري على شهادة تفيد بأنها عمل فني أصلي وتعليمات حول كيفية عرض العمل، بما في ذلك ضرورة استبدال الموزة بانتظام.
وطوال فترة إقامة معرض "آرت بازل ميامي بيتش"، التقط مئات الزوار صوراً للعمل الفني ونشروا ردود فعلهم عبر الإنترنت.
وخلال أيام قليلة من الكشف عنه، تحول عمل "كوميديان" إلى ظاهرة واسعة الانتشار، وكان مثاراً للسخرية والدهشة والضحك، بل ونتج عنه نوع جديد من النكات والصور المقلدة التي تدور حول الشريط اللاصق والموز.
وفي الصحف، وكذلك في المدونات ومقاطع يوتيوب، اندلع جدل حول قيمة العمل الجمالية والفكرية، ومن المفارقات أن أشد كارهي "كوميديان" كانوا الأكثر استمتاعاً بالكتابة عنه.
- "درس القرآن" لعثمان حمدي بك تُباع في لندن بأكثر من 4.5 مليون جنيه استرليني
- كيف رسم الفن الغربي صورة نمطية "غير حقيقية" للعالم العربي؟
وإذا كان هدف كاتيلان جذب الانتباه إلى نفسه، فقد حقق العمل نجاحاً ساحقاً. فهناك عدد قليل من الأعمال الفنية المعاصرة التي تمكنت من تحقيق نجاح مماثل لـ "كوميديان" خلال ساعات قليلة فقط من ظهوره.
فقد كان أكبر إنجاز لهذا العمل هو اكتساب شهرة تجاوز بها أسوار عالم الفن، منطلقاً إلى الشهرة العالمية. وساعدت هذه الشهرة في رفع قيمة العمل السوقية إلى مستويات هائلة.
ففي 2024، أُعيد بيع النسخة الثانية من أصل ثلاث نسخ من "كوميديان" في مزاد علني مقابل 6.24 مليون دولار.
وأثار ذلك مجدداً غضب كتّاب الرأي، الذين هاجموا ما اعتبروه مبالغ طائلة تُهدر على أعمال كاتيلان.
ومع ذلك، فإن المفارقة في عمل "كوميديان" أن كل ما صدم الناس فيه قد حدث من قبل بالفعل.
وعندما تزال طبقات القشرة عن هذا العمل الفني، نكتشف أن وراءها تكتيكات خفية لمثير شغب بارع وتلميذ مخلص لفنون الشهرة السلبية وإثارة الجدل.
- حضرت الثقافة الإسلامية وغابت الجواري العاريات والحريم في المتحف البريطاني
- يسرق لوحة فنية من معرض بموسكو...بهدوء
تقليد ساخر عمره 400 سنة
يُعد الاستفزاز من استراتيجيات الفنان ماوريتسيو كاتيلان.
ويبدو أنه أدرك منذ وقت طويل أن مجرد المهارة أو الذكاء فقط لا يضمن النجاح في الصناعات الإبداعية شديدة التنافس. لكن إثارة الجدل أيضاً تجذب الانتباه، وهو ما يُترجم إلى جمهورٍ أكبر والمزيد من فرص الحصول على تكليفات فنية.
وأثبتت أحداث عدة في تاريخ الفن صحة هذه الفكرة.
فمنذ أكثر من 400 عام، انقسم معاصرو كارافاجيو بشأن المستويات غير المسبوقة من العنف والتوتر الجنسي والقتامة في لوحاته الدينية، وهي عوامل ساهمت في منحه شهرة عالمية.
أما فنانو القرن التاسع عشر، الذين يحظون اليوم بتقدير هائل مثل جيه إم دبليو تيرنر وجون كونستابل ومانيه ومونيه وغوغان وويسلر وسيزان، فقد ابتكروا أساليب جديدة في صناعة الفن، الأمر الذي أثار سخرية النقاد منهم.
وبحلول مطلع القرن العشرين، أخذ الابتكار الفني وازدراء التيار السائد يُنظر إليهما بصورة متزايدة باعتبارهما وجهين لعملة واحدة.
ورأى بعض الفنانين التشكيليين المعاصرين، وبعض الموسيقيين والمؤلفين ومخرجي الأفلام، أن الرفض الشعبي للأعمال الفنية يُعد شريكاً أساسياً في كل الأعمال الفتية التجريبية الأصلية.
أما آخرون فخلطوا بين عدم القبول النقدي والعبقرية، ولم يدركوا أنه قد يكون أيضاً إشارة تحذير إلى انعدام الموهبة.
ومع ذلك، أدرك الفريقان القوة التي لا تضاهى التي يملكها هذا الأمر في الترويج الذاتي.
واستناداً إلى ذلك، لطالما تبنى ماوريتسيو كاتيلان بقوة دور المستفز في عالم الفن، وفعل ما في وسعه لإثارة الضيق والاستفزاز.
لكن نوع الجدل الذي يثيره كاتيلان يختلف عن أسلافه لأنه لا يتعلق بالعملية الفنية أو النظرية الفنية.
فأشهر أعماله إثارة للجدل، مثل (La Nona Ora) من عام 1999، الذي يصور البابا يوحنا بولس الثاني وقد أصابه نيزك، و(Him) من عام 2001، الذي يصور تلميذاً بوجه أدولف هتلر يصلي، تعتمد على موضوعات مألوفة عالمياً يمكن حتى لمن لا يرتادون المعارض الفنية عادة التعرف إليها فوراً.
وليس من بين العملين ما يمكن اعتباره نخبوياً أو صعب الفهم. كما أنهما يوظفان الفكاهة في صناعة الفن، مستخدمين السخرية "لمهاجمة الأقوياء"، ويطرحان أسئلة عن أصحاب النفوذ بروح فكاهية.
ومن خلال ذلك، يسير كاتيلان على خطى تقليد فني تاريخي قائم على السخرية، مقتفياً أثر رواد مثل جيمس غيلراي (1756-1815) وأونوريه دومييه (1808-1878) اللذين استهدفا مؤسسات معروفة للجميع من أجل مساءلة سلطتها والسخرية منها.
ووجه كاتيلان عمله (A Perfect Day) الذي أُنجزعام 1999، إلى سوق الفن نفسه.
وبدلاً من وضع عمل فني على الحائط، ثبّت الفنان الإيطالي وكيل أعماله التجاري، ماسيمو دي كارلو، المسؤول عن بيع أعماله الفنية وتسويقها، على جدار في ميلانو بشريط لاصق قوي.
وأصبح الوكيل التجاري نفسه الموضوع الرئيسي للعمل الفني.
أما "كوميديان"، الذي كُشف عنه بعد ذلك بنحو 20 عاماً، فاستخدم الشريط الفضي نفسه.
وكان هذا الاختيار بمثابة إشارة إلى كل من تابع مسيرة كاتيلان بأن "كوميديان"، مثل (A Perfect Day)، يهدف إلى السخرية من قيم فعاليات عالم الفن مثل (Art Basel Miami Beach)، بروح كوميدي ساخر يلقي نكتة لاذعة موجهة إلى الوسط نفسه.
"صدمة المألوف القديم"
إذاً، لماذا الموزة؟
إلى جانب شكلها الذي يحمل إيحاءات مجازية، وكونها أداة مألوفة في الكوميديا الجسدية، سبق لفنانين كثيرين قبل كاتيلان، من بينهم جورجيو دي كيريكو وآندي وارهول ومجموعة غيريلا غيرلز، أن صوروا الموز في أعمالهم.
فهي شيء مألوف إلى حد يبعث على الطمأنينة، وعلى مستويات عدة.
كما أن فكرة تصوير مادة غذائية بوصفها عملاً فنياً هي بحد ذاتها فكرة مريحة ومألوفة. ولها تاريخها العريق الخاص في قالب الطبيعة الصامتة، الذي ظل منهجاً فنياً راسخاً، وإن كان يُنظر إليه تقليدياً على أنه أدنى مرتبة، منذ القرن السادس عشر.
وكان من المفترض أن تدفع هذه الأنواع من الأعمال الفنية، مثل لوحة (Jacopo de' Barbari's Still-Life with Partridge and Gauntlets) لجاكوبو دي بارباري التي تُعد واحدة من أقدم لوحات الطبيعة الصامتة في مرحلة ما بعد العصر الكلاسيكي، المشاهدين إلى التفكير في قصر عمر الكائنات الطبيعية، وفي كيفية تمكين الفن إيّاها من الاستمرار بعد الموت.
وتكشف أعمال دي بارباري وكاتيلان، على الرغم من أن الفاصل الزمني بينهما أكثر من 500 سنة، عن نفس المنهج الفني جوهرياً: أشياء مثبتة على جدار لتأمل المشاهد، وهو ما يجعلنا نصف الحيلة التي استخدمها كاتيلان بأنها "صدمة المألوف القديم".
لكن الفرق الوحيد هو أن عمل "كوميديان" يعرض موزة حقيقية (يمكن أن تتعفن، بل تتعفن بالفعل في نحو سبعة أيام) بدلاً من رسمها بطريقة فنية.
وسبقت التقاليد كاتيلان هنا أيضاً، ففكرة استخدام "المنتج الجاهز" - أشياء من العالم الحقيقي لم يصنعها فنان لكنها تُعرض بوصفها فناً - كان تاريخها يرجع إلى ما يزيد على مئة سنة عندما ظهر عمل "كوميديان".
وكان أشهر رواد هذه الطريقة مارسيل دوشامب، الذي عرض في العقد الثاني من القرن العشرين أشياء يومية مثل حوامل الزجاجات وعجلات الدراجات ومبولة بوصفها أعمالاً فنية.
لكن حتى هدف دوشامب المتمثل في التشكيك في المبادئ الأساسية للفن بوصفه فئة مستقلة، على الرغم من الطابع الراديكالي لطرحه في أوائل القرن العشرين، كان بدوره جزءاً من نقاش مطروق منذ زمن طويل يعود إلى الفلسفة اليونانية القديمة، وأشهر من تناوله كان أفلاطون (428 - 347 قبل الميلاد).
ويُرجح أن اللجوء إلى مفهوم "المنتج الجاهز" يُعد إشارة تقليدية إلى حد ما من جانب كاتيلان، وأنه منهج تقليدي أصيل في تاريخ الفن.
وكانت الضجة التي أثارها عمل "كوميديان" متوقعة.
فببلوغه سن الحادية والستين، كان ماوريتسيو الماكر قد أصبح مستفزاً متمرساً تماماً، قادراً على توليد الجدل والدهشة باستخدام موزة وجدار وشريط لاصق.
لكن توجد تحت السطح مكونات أساسية أخرى: الجدل، والسخرية، والبساطة، ومحاكاة الطبيعة الصامتة، ومفهوم "المنتج الجاهز".
وبينما تثير الأسعار المبالغ فيها لعمل "كوميديان" غضب البعض، فإنه لم يكن أغلى عمل فني بيع في "ميامي بيتش" عام 2019، كما أنه ليس أغلى عمل من نوع "المنتج الجاهز" بيع في مزاد على الإطلاق.
والحقيقة الواضحة بشأن عمل "كوميديان" هي أنه لا يوجد فيه في الواقع أي شيء راديكالي على الإطلاق.