وفاة رجل رفض علاجاً منقذاً للحياة بسبب معتقداته الدينية، وبعد أيام تغيّرت القواعد
في أغسطس/ آب من هذا العام، أُصيب إسحاق فالديز، البالغ من العمر 26 عاماً، بنوبة صرع أثناء تصفّحه الكتب في مكتبة محلية، فتشنّج وارتطم رأسه بالأرض.
فقد إسحاق وعيه، وتبيّن لاحقاً في المستشفى أن ارتطام رأسه كان شديداً إلى حدّ تسبّبه بنزيف في الدماغ.
وزاد من تعقيد علاجه أنه، بوصفه من أتباع جماعة "شهود يهوه"، كان يحمل بطاقة كُتب عليها "لا للدم"، تشير إلى رفضه أي علاج يتضمّن نقل الدم، انطلاقاً من معتقداته الدينية.
ونتيجة لذلك، لم يُجرَ له تدخّل طبي لتصريف السوائل من دماغه.
لكن عائلته، المقيمة في واكساهاتشي في ولاية تكساس الأمريكية، استبشرت باستعادته الوعي وبدئه الكلام مجدداً. وتمكّن من تأكيد تمسّكه بمعتقده الرافض لتلقّي الدم.
ولم تدم طويلاً راحة العائلة إزاء ما بدا تحسّناً في حالته، بعد أن دخل إسحاق في غيبوبة، وتدهورت حالته سريعاً.
وأبلغ جرّاح أعصاب عائلته بأن السبيل الوحيد لإنقاذ حياته هو إجراء عملية طارئة تستلزم نقل الدم إليه.
وقرّرت العائلة احترام رغبة إسحاق الذي كان من أتباع شهود يهوه طوال حياته، في رفض مثل هذا الإجراء.
وتوفي إسحاق في 26 أغسطس/ آب 2026، بعدما أوقف الأطباء أجهزة دعم الحياة عنه.
ويصفه شقيقه التوأم، جاكوب فالديز، بأنه كان رجلاً ذكياً يحبّ التطوّع ومساعدة كبار السن.
وبعد 23 يوماً فقط، أعلنت الهيئة الحاكمة لشهود يهوه تغييراً جذرياً في تعاليمها، كان من شأنه أن يمنح إسحاق، عملياً، الإذن الديني بتلقّي العلاج الذي رفضه وكان يمكن أن ينقذ حياته.
ويعني هذا التغيير المفاجئ أن الغالبية العظمى من الإجراءات الطبية التي تستخدم دماً متبرَّعاً به لم تعد محظورة على أتباع الجماعة، إذ بات قرار قبول هذه العلاجات متروكاً لكل فرد.
وأثار ذلك غضب جاكوب، الذي كان لا يزال يحاول استيعاب وفاة توأمه، من قيادة شهود يهوه لعدم توصّلها إلى هذا القرار في وقت أبكر.
وقال لبي بي سي إنه يعتقد أن إسحاق ربما كان سيظلّ على قيد الحياة لو فعلت ذلك.
تعود القاعدة الأصلية بشأن نقل الدم إلى عام 1945، قبيل نهاية حرب شهدت توسّعاً متزايداً في استخدامه. آنذاك، أعلن قادة شهود يهوه أنه لا يجوز لأتباعهم قبول عمليات نقل الدم.
واستند ذلك إلى تفسيرهم لآيات من العهدين القديم والجديد تحظر تناول الدم، من بينها آية في سفر أعمال الرسل تأمر المؤمنين بالامتناع عن استهلاك الدم، وعن الطعام المقدَّم للأصنام، وعن أكل الحيوانات المخنوقة.
فلماذا قرّرت الهيئة الحاكمة لشهود يهوه، ومقرّها ولاية نيويورك، تغيير القواعد الآن، بعد 81 عاماً على إقرارها؟
جاء القرار بعد سنوات من الضغوط من داخل الجماعة وخارجها، لكن قادتها لا يصفونه على هذا النحو.
ويقول المتحدث الدولي باسم شهود يهوه، بول غيليز: "التغيير هو في الأساس تطبيق لمبادئ الكتاب المقدّس على الطب الحديث وأساليبه".
ويصفه بأنه قراءة جديدة للنصوص المقدّسة وللتقدّم الطبي.
تلتقي غيليز مع بي بي سي في المقرّ الرئيسي لشهود يهوه في المملكة المتحدة، المقام على مساحة 85 فداناً في ريف مقاطعة إسيكس. وهو مجمّع حديث وضخم يعيش ويعمل فيه مئات المتطوّعين من أتباع الجماعة من دون أجر.
ويشدّد غيليز على أن التعاليم الأساسية لم تتغيّر، وأن نقل الدم الكامل لا يزال محظوراً. لكن معظم عمليات نقل الدم، منذ عقود، لا تستخدم الدم الكامل، بل المكوّنات المحدّدة التي يحتاج إليها المريض.
ويستند تبرير التغيير إلى السماح باستخدام مكوّنات الدم، مثل البلازما وخلايا الدم الحمراء والصفائح الدموية، في عدد هائل من الإجراءات الطبية التي كانت محظورة سابقاً.
ويقول غيليز إن الكتاب المقدّس يشير إلى "الامتناع عن الدم"، لكنه لا يتحدّث عن "المكوّنات المختلفة التي يمكن استخلاصها من الدم".
ويضيف أن الهيئة الحاكمة رأت أن من واجبها تجنّب "تجاوز" ما تنصّ عليه النصوص المقدّسة، والاكتفاء بتطبيق ما ورد صراحةً في الكتاب المقدّس.
لكن هذا التفسير أذهل كثيرين، ودفعهم إلى التساؤل عمّا إذا كان حظر نقل الدم من الأساس، قبل 81 عاماً، تجاوزاً كبيراً بدوره، ما دام الكتاب المقدّس لا يذكر عمليات نقل الدم صراحةً.
ويتساءل آخرون أيضاً عن سبب استغراق التوصّل إلى هذا القرار المفصلي كل هذا الوقت، فيما أصبحت عمليات نقل مكوّنات الدم، بدلاً من الدم الكامل، هي الممارسة المعتادة منذ عقود.
هذه هي الأسئلة التي طرحها جاكوب فور رفع الحظر، بعد أيام فقط من إقامة مراسم تأبين إسحاق.
وكان جاكوب ترك بالفعل جماعة شهود يهوه التي نشأ فيها. وبعد وفاة إسحاق، أرسل رسائل نصية إلى شخصيات بارزة في الجماعة الدينية المحلية التي كان شقيقه ينتمي إليها في تكساس. وهي رسائل يملؤها الألم ويصعب قراءتها.
وطلب منهم التفكير في "الدور الذي أدّيتموه في تشجيع هذا العدد الكبير من الناس على التضحية بحياتهم من أجل أمر لم يكن يوماً مشيئة الله".
ولم يردّ معظمهم، لكن أحد الكبار أجابه، قائلاً إنه لا يستطيع فهم سبب كل هذا الغضب لدى جاكوب وتركيزه الشديد على تغيير القواعد.
وزاد ذلك كلّه من غضب جاكوب، الذي يريد خصوصاً محاسبة أصحاب القرار في الجماعة على جميع الأرواح التي فُقدت.
ويقول: "أريد أن أسألهم إن كان بإمكانهم تقديم اعتذار مباشر. لا أريد إجابة مراوغة، بل اعتذاراً واضحاً وصريحاً".
من الصعب للغاية تحديد عدد أتباع شهود يهوه الذين توفّوا سنوياً بعدما رفضوا علاجاً يتضمّن نقل الدم، من بين نحو تسعة ملايين شخص يُقدَّر أنهم ينتمون إلى الجماعة حول العالم. لكن بحثاً نُشر عام 2016 في مجلة "أوبستيتريكال أند غاينيكولوجيكال سيرفي" الطبية قدّر العدد بنحو 1100 شخص.
ويقول غيليز: "نتعاطف مع مشاعرهم، وإذا كان هناك أشخاص فقدوا أفراداً من عائلاتهم وتؤرقهم بعض هذه الأسئلة، فهم يستحقّون أن يُستمع إليهم بتعاطف".
لكن أسباب عدم إقرار التغيير في وقت أبكر بقيت غير واضحة إلى حدّ كبير.
ويقول غيليز: "لماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت؟ حسناً، أعتقد أن السبب هو أن الأمور تستغرق وقتاً، ولا يعني ذلك بالضرورة أن تغييراً سحرياً ما قد حدث".
وعندما سُئل عن دعوات قيادة الجماعة إلى الاعتذار، لم يستجب غيليز لهذه الدعوات، قائلاً إن أرواحاً كثيرة أُنقذت بالفعل لأن أتباع شهود يهوه الملتزمين لم يتعرّضوا لفضائح الدم الملوّث.
ويشدّد أيضاً على أن بعض أتباع شهود يهوه قد يقرّرون، حتى بعد صدور التوجيه الجديد، رفض نقل الدم، وأنهم ربما كانوا سيتّخذون القرار نفسه لو صدر التوجيه قبل سنوات.
وبالفعل، تحدّثت بي بي سي مع أليكس بول، البالغ من العمر 58 عاماً، وهو من أتباع شهود يهوه ويقيم في مقاطعة ويست ساسكس. ويقول إن طبيباً أخبره عام 2012 بأنه لن ينجو من العلاج الكيميائي الذي يحتاج إليه لعلاج سرطان الدم، ما لم يخضع أيضاً لنقل دم.
ويقول: "أردت، عندما كنت مريضاً، الالتزام بالنصوص المقدّسة قدر الإمكان، وأعتقد أنني نجحت في ذلك".
وبمساعدة ما تُعرف بـ"لجنة الاتصال بالمستشفيات التابعة لشهود يهوه"، عثر أليكس على طبيب استشاري أمريكي يمكنه تقديم علاج يزيد عدد خلايا دمه، من دون الحاجة إلى أي مشتقّات من دم شخص آخر. ووافق طبيبه الاستشاري في المملكة المتحدة على علاجه بالطريقة الجديدة، وقد نجحت.
وبعد أكثر من عقد، يقول أليكس إنه سيتّخذ القرار نفسه مجدداً، رغم تغيير القواعد بشأن الدم، الذي كان سيسمح له بعمليات نقل الدم التي قيل له إنه يحتاج إليها.
ولم تكن المسألة تقتصر على تلقّي الدم.
فإليشا كامينغز، البالغة من العمر 50 عاماً، وهي من أتباع شهود يهوه في ترينيداد وتوباغو، لم تتمكّن من التبرّع بالدم لخالتها، التي توفيت، بسبب هذه القواعد.
وكلّفتها هذه القواعد زواجها أيضاً، إذ ترك زوجها، بعد عشر سنوات من الزواج، الجماعة وطلّقها، بعدما تبيّن أنه خضع لنقل دم في طفولته، وهو أمر كانت جماعتها المحلية تنظر إليه باستهجان.
وتقول: "منذ تغيير القواعد بشأن الدم، لم أعد على طبيعتي. أدخلني ذلك في حالة أشبه بالاكتئاب".
وتضيف إليشا: "كم منزلاً طرقتُ أبوابه وأنا أحاول إقناع الناس بالعقيدة المتعلّقة بالدم؟ ثم تأتون الآن بشيء مختلف تماماً".
وتقول إليشا إن معتقداتها بمجملها اهتزّت، لكنها تتردّد في ترك الجماعة، جزئياً لأنها توفّر لها محيطها الاجتماعي، ولأنها تخشى العزلة.
في السابق، كان الذين يعارضون "العقيدة المتعلّقة بالدم" يتعرّضون للنبذ، أو يشعرون بأن عليهم ترك الجماعة. فهل سيتمكّنون الآن من العودة؟
يقول غيليز، متحدّثاً عن الذين تركوا الجماعة لأنهم قبلوا نقل الدم لأنفسهم أو لأحد أقاربهم: "نرحّب بحرارة بأي شخص يرغب في العودة إلى الجماعة".
ويضيف: "إذا كانوا يرغبون في أن يصبحوا من شهود يهوه مجدداً ... فنحن نرحّب بذلك كل الترحيب".