السلطة الفلسطينية في "وضع حرج" مع تزايد إحكام إسرائيل سيطرتها على الضفة الغربية

السلطة الفلسطينية في "وضع حرج" مع تزايد إحكام إسرائيل سيطرتها على الضفة الغربية
EPA
Sat, 21 Feb 2026 19:28:37 GMT
bbc news arabic header storypage
رجل فلسطيني يرفع العلم الفلسطيني بيده بينما يشير بيده نحو مجموعة من الجنود الإسرائيليين على بعد أمتار قليلة.
EPA
لم تُحقق السلطة الفلسطينية سوى تحسن طفيف في حياة الفلسطينيين.

مع تصاعد أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون الإسرائيليون في الضفة الغربية المحتلة، وجدت قرية المُغيير، الواقعة شمال شرق رام الله، نفسها على خط المواجهة.

وتواجه هجمات منتظمة من قبل الجيش الإسرائيلي، وشهدت استيلاء المستوطنين على الأراضي الزراعية وبناء بؤر استيطانية جديدة.

يقول مرزوق أبو نعيم، من المجلس المحلي للقرية، إن المستوطنين يهدفون إلى تهجير الفلسطينيين.

ويضيف: "إنهم يفعلون ذلك سراً، وليس علناً، هذا صحيح. لكن هذا ضمٌّ للأراضي. لا نستطيع الوصول إلى أراضينا".

وتقع معظم منازل المُغير وسط تلال خضراء متموجة تتخللها بساتين الزيتون، في منطقة يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، بينما يُفترض أن توفر السلطة الفلسطينية، المدعومة دولياً، الخدمات الأساسية. إلا أنها باتت عاجزة عن ذلك بشكل متزايد، إذ تعاني من أزمة اقتصادية حادة.

ويقول أبو نعيم: "عندما أذهب إليهم، لا يستطيعون تقديم الدعم الذي أحتاجه. السلطة لا تملك المال!"

وبعد الهجمات المُميتة التي قادتها حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، فقد نحو 100 ألف فلسطيني تصاريح عملهم في إسرائيل.

علاوة على ذلك، تمنع إسرائيل تحويلات الضرائب التي تجمعها للسلطة الفلسطينية بسبب النزاع المستمر حول النصوص التي تدرس في المدارس الفلسطينية والرواتب المخصصة لعائلات المسجونين أو القتلى على يد إسرائيل، بمن فيهم الأشخاص الذين شنوا هجمات.

وتقول السلطة الفلسطينية إن إسرائيل مدينة لها بأكثر من أربعة مليارات دولار (أي ما يعادل ثلاثة مليارات جنيه إسترليني و 3.4 مليار يورو).

وتدفع السلطة لمعظم موظفي القطاع العام - بمن فيهم الأطباء وضباط الشرطة والمعلمون - 60% فقط من رواتبهم. وتفتح مدارسها - التي يدرس فيها أكثر من 600 ألف طفل - أبوابها ثلاثة أيام فقط في الأسبوع.

"الأمر صعب حقاً"، هكذا قالت لي أم لثمانية أطفال في قرية المغيير، موضحةً أن المدارس هناك تُغلق أيضاً عندما يكون المستوطنون أو الجنود في الجوار بسبب المخاوف على الأطفال.

وتضيف قائلة: "هناك اضطراب كبير، لدرجة أن بعض الأطفال وصلوا إلى الصف الرابع وما زالوا لا يستطيعون القراءة. لقد قمنا بإعطاء الأطفال دروساً خصوصية مع معلمة في القرية. تبدأ المعلمة بتعليمهم الأبجدية حتى يتمكنوا من تعلم القراءة من الصفر".

يقف مرزوق أبو نعيم مرتدياً قميصاً أزرق وسترة سوداء وقبعة رمادية مربعة أمام حقول خضراء.
BBC
يقول مرزوق أبو نعيم إن السلطة الفلسطينية لا تقدم له الدعم الذي يحتاجه.

وأثناء القيادة بعيداً عن قرية المُغيير، توجد بوابات عسكرية إسرائيلية تستخدم لعزل القرى الفلسطينية عن بعضها البعض، وتقييد الحركة.

أرى أيضاً الجرافات الإسرائيلية وهي تُغير معالم الأرض، وتوسع الطرق لربط المستوطنات ومنح المستوطنين وصولاً أسرع إلى القدس.

وتتزايد أعداد المستوطنات، غير القانونية بموجب القانون الدولي، بمعدل قياسي.، وكل هذا يزيد الضغط على السلطة الفلسطينية.

عند تأسيس السلطة الفلسطينية، قبل أكثر من 30 عاماً، في أعقاب اتفاق أوسلو للسلام التاريخي مع إسرائيل، كان الفلسطينيون يأملون أن تصبح السلطة بسرعة، حكومة كاملة لدولة فلسطينية، في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعاصمتها القدس الشرقية.

وكانت السلطة الفلسطينية مُلتزمة بالمفاوضات، وبالوسائل السلمية، لتحقيق هدف الاتفاق.

انهارت نهائياً المحادثات المباشرة، التي كانت أساس عملية السلام، مع إسرائيل منذ أكثر من عقد من الزمان.

إن فشل السلطة الفلسطينية في منع توسع إسرائيل في الضفة الغربية، ناهيك عن تحقيق قيام الدولة، يؤكد ضعفها ويزيد من تراجع شعبيتها بين الفلسطينيين الذين يعانون بالفعل من فضائح الفساد ومن الركود السياسي واستمرار التنسيق الأمني مع إسرائيل.

استدرت للانضمام إلى صف من السيارات المنتظرة، لتجاوز نقطة تفتيش تابعة للجيش الإسرائيلي والدخول إلى رام الله، العاصمة الإدارية المترامية الأطراف للسلطة الفلسطينية.

وفي شوارع رام الله، تنتشر الشرطة الفلسطينية في هذا الجيب بالضفة الغربية، الذي تسيطر السلطة الفلسطينية عليه سيطرة كاملة.

لكن تتزايد هنا التحذيرات من أن السلطة على وشك الانهيار.

ويقول صبري صيدام، الوزير السابق في السلطة الفلسطينية ونائب رئيس الحزب السياسي للرئيس عباس،"إنها نقطة تحول في حياتنا".

ويضيف قائلا: "إن قيام دولة فلسطينية والهوية الفلسطينية وكذلك الوجود الفلسطيني على هذه الأرض بالذات التي سكنها أجدادهم، كلها أمور تتعرض الآن للخطر من قبل إسرائيل. كما أن وجود السلطة الفلسطينية ككل أصبح موضع شك أيضاً".

منظر لقرية المغيير، به عشرات المنازل البيضاء المبنية من الطوب الخفيف تنتشر على سفح تل مغطى بصخور بنية وعرة وعشب أخضر.
BBC
تم الاستيلاء على أراضٍ في المُغاير من قبل المستوطنين اليهود.

وستتتخذ الحكومة الإسرائيلية، هذا الشهر، خطوات جديدة لتعزيز سيطرتها على الضفة الغربية. وقد حذر مسؤول رفيع المستوى في الأمم المتحدة من أن هذه الخطوات ترقى إلى "ضم تدريجي بحكم الأمر الواقع".

وقد تسمح عملية تسجيل الأراضي الجديدة، المثيرة للجدل، لإسرائيل بالمطالبة بمساحات شاسعة من الأراضي كأراضٍ تابعة للدولة الإسرائيلية، ومفتوحة للتطوير الإسرائيلي في المستقبل.

وتوسع إسرائيل نطاق تطبيق اللوائح البيئية والأثرية، ليشمل أجزاءً من الضفة الغربية الخاضعة للسيطرة المدنية للسلطة الفلسطينية.

وقد صرح وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، المسؤول عن سياسات الاستيطان، بأن هدفه هو "القضاء" على فكرة قيام دولة فلسطينية، وهو نفسه مستوطن، ويدّعي أحقيته الأيديولوجية والدينية في الأرض.

الصراع العربي الإسرائيلي: ما هي حدود 1967؟ وما هو حل الدولتين؟

وتعهّد سموتريتش، الثلاثاء، خلال مؤتمر عُقد في مستوطنة قرب رام الله، بالمضيّ قُدماً إذا ما بقي في الحكومة الإسرائيلية بعد الانتخابات المُقررة هذا العام، قائلاً إنه سيُلغي "اتفاقيات أوسلو اللعينة رسمياً وعملياً"، وبالتالي سيُفكّك السلطة الفلسطينية.، واصفاً الفلسطينيين بـ"العدو"، ووعد بتشجيع هجرتهم.

وقد أدانت بشدة أكثر من 80 دولةً عضو في الأمم المتحدة، إلى جانب الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، "القرارات والإجراءات الإسرائيلية أحادية الجانب" ودعت إلى التراجع عنها.

غير أن الولايات المتحدة كررت فقط معارضتها لضم الضفة الغربية.

ويشعر العديد من الفلسطينيين بالإحباط والقلق.

ويدعو غسان الخطيب، أستاذ الدراسات الدولية، إلى ممارسة ضغط دولي على إسرائيل، وتقديم مساعدات مالية لضمان بقاء السلطة الفلسطينية.

ويقول لي الخطيب: "يجب أن يكون هذا بمثابة جرس إنذار".

ويضيف: "لقد استثمر العالم الخارجي، كثيراً، سياسياً ومالياً في فكرة حل الدولتين، لكن هذه الإجراءات الإسرائيلية الجديدة تهدف إلى قتل مستقبل حل الدولتين".

منظر لساحة المنارة في قلب رام الله، ويظهر الناس والسيارات في شوارع المدينة المُزدحمة.
BBC
رام الله هي العاصمة الإدارية للسلطة الفلسطينية، لكن السلطة تُعتبر ضعيفة منذ سنوات.

وقد أدت الحرب المُدمرة في غزة إلى تراجع دور السلطة الفلسطينية.

لقد فقدت بالفعل السيطرة على قطاع غزة عام 2007، بعد عام من فوز حماس في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

لكنها كانت بطيئة في إدانة هجمات حماس المُميتة على إسرائيل التي أشعلت فتيل الصراع، وهي الآن مُستبعدة إلى حد كبير من الحكم الفوري لما بعد الحرب، تماشياً مع مطالب إسرائيل.

وعلى عكس إسرائيل، لا تشارك السلطة الفلسطينية في مجلس السلام الذي تقوده الولايات المتحدة، ومع ذلك، فمن المتوقع أن تشرف على نحو 5000 شرطي في غزة.

من المتوقع أنه بموجب خطة السلام التي وضعها الرئيس ترامب، ستُسيطر السلطة الفلسطينية في نهاية المطاف على الأراضي الفلسطينية بعد إكمال "برنامج إصلاح" غير محدد، وتشير إلى مستقبل قد "تكون فيه الظروف أخيراً مهيأة لمسار موثوق نحو حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم".

ورفض القادة الإسرائيليون، التلميحات بأن السلطة الفلسطينية قد تنهار قريباً، مما يجبر إسرائيل، بصفتها القوة المُحتلة، على تحمل المسؤولية المباشرة عن حوالي 2.7 مليون فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية.

وقال مسؤول حكومي إسرائيلي لبي بي سي: "إن السلطة الفلسطينية كيان فاسد ومفلس أخلاقياً، وقد تم اختلاس موارد كبيرة منها بدلاً من أن تذهب بشكل صحيح إلى شعبها".

في قرية المغيير، طرد المستوطنون بالفعل الرعاة البدو من أراضيهم المجاورة، وهم يرعون قطعانهم بالقرب من مخيمات جديدة أقاموها على أطراف القرية.

وقد شاهدنا، عبر الوادي، جنوداً إسرائيليين يركنون سيارتهم الجيب العسكرية وينطلقون في دورية. وسرعان ما أطلقوا الغاز المسيل للدموع.

مر شهر على مقتل فتى فلسطيني يبلغ من العمر 14 عاماً برصاص جندي إسرائيلي هنا.

ويقول الجيش إن الطفل المقتول ألقى حجراً. وفي هذه الحالة، يقول الجيش إن الحجارة أُلقيت على قواته وإنه احتجز المشتبه بهم.

وبينما لا يحظى الواقع اليومي في الضفة الغربية باهتمام عالمي يُذكر، يقول السكان المحليون إن خطر الاضطرابات، واسعة النطاق، يتزايد.

ويكمن الخطر في أن عجز السلطة الفلسطينية المتزايد، سيشجع الفلسطينيين على البحث عن أولئك الذين يقدمون نهجاً أقل اعتدالاً.

bbc footer storypage
Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon