السعودية تؤجّل مواسمَها وفعالياتها الدولية، فما أثر ذلك على رؤية 2030؟
على وقع التصعيد العسكري بين السعودية وحركة أنصار الله الحوثية في اليمن، اضطرّت المملكة إلى تأجيل أو إلغاء سلسلة من الفعاليات السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية التي كانت تشكّل جزءاً أساسياً من أجندتها الدولية خلال الأشهر الأخيرة من عام 2026.
- "رؤية 2030": كيف اصطدمت مشاريع السعودية العملاقة بحدود الواقع؟
- بعد دعوة السيسي لتفويض برلماني، ما حدود الدور العسكري المصري المحتمل دعماً للسعودية؟
- إعدام بنغاليَيْن في السعودية يثير تساؤلات بشأن ملابسات القضية
من قمم الاستثمار إلى المهرجانات الثقافية
وشملت قائمة الفعاليات المتأثّرة: القمّة الخليجية الأوروبية في الرياض، ومبادرة مستقبل الاستثمار المعروفة باسم "دافوس الصحراء"، ومنتدى مسك العالمي، ومعرض إنترسك Intersec المتخصّص في الأمن والسلامة، إلى جانب فعاليات رياضية وثقافية بارزة مثل بطولة السعودية الدولية للغولف، ومهرجان البحر الأحمر السينمائي، ومهرجان "ساوند ستورم" الموسيقي، وحفل "جوي أواردز" لصنّاع الترفيه.
ورغم أنّ الجهات المنظّمة قدّمت تبريرات مختلفة لكل حالة، إلّا أنّ ثلاثة عوامل بدت مشتركة في معظم القرارات: المخاوف الأمنية، واستمرار اضطرابات حركة الطيران، وصعوبة ضمان مشاركة الضيوف والزوّار الدوليين.
تأثير يتجاوز مجرّد تغيير المواعيد
غير أنّ أثر التأجيلات لا يقتصر على خسارة فعاليات بعينها، بل يمتد إلى إحدى الركائز الأساسية التي عملت السعودية على بنائها خلال السنوات الأخيرة، والمتمثّلة في تقديم نفسها بوصفها وجهة مستقرّة للأعمال والاستثمار والسياحة والفعاليات الدولية.
فمنذ إطلاق رؤية 2030، استثمرت المملكة مليارات الدولارات في استقطاب المؤتمرات العالمية والبطولات الرياضية والمهرجانات الثقافية، باعتبارها أدوات لتعزيز مكانتها الدولية وتنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد التقليدي على النفط.
لكنّ إرجاء عدد من أبرز هذه الفعاليات خلال فترة زمنية قصيرة يثير تساؤلات عن مدى تأثّر تلك الجهود بالتطوّرات الأمنية الأخيرة، خاصّة في ظلّ استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، وإغلاق مطار الملك خالد الدولي في الرياض لفترات متقطّعة، وما تبع ذلك من اضطرابات لوجستية أثّرت على حركة السفر والوصول إلى العاصمة السعودية.
رئيس مركز الخليج للأبحاث د. عبد العزيز بن صقر اعتبر أنّ الأمن والاستقرار يمثّلان أولوية مطلقة للمملكة والشرط الأساسي لاستمرار الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية والسياحية والدينية. وأشار في مقابلة مع بي بي سي عربي إلى أنّ استقبال المملكة ملايين المعتمرين سنوياً يجعل الحفاظ على الأمن عاملاً حاسماً لضمان استمرار تدفّق الزوّار وعدم تأثّر حركة السفر، معتبراً أنّ إجراءات الإلغاء أو التأجيل الحالية مؤقّتة وتهدف بالدرجة الأولى إلى حماية الناس وضمان سلامتهم، إذ قال: " عندما شعرت المملكة بوجود تهديد، وأنّ هذه الضربات استهدفت منشآت حيوية مثل مطار الرياض وبعض المنشآت الحيوية الأخرى، أوقفت الرحلات لأنّ اهتمامها الأول هو قضية الأمن والسلامة بالدرجة الأولى، ولا شيء يوازي هذا الأمر أيّاً كان" بحسب تعبيره.
هل يتردّد المستثمرون؟
يرى مراقبون أنّ تأجيل فعاليات بحجم "دافوس الصحراء" يحمل أبعاداً تتجاوز الجانب التنظيمي. فالمؤتمر الذي تحوّل خلال السنوات الماضية إلى منصّة رئيسية لاستقطاب المستثمرين العالميين والشركات الكبرى، يمثّل واجهة اقتصادية وسياسية تعكس طموحات المملكة الاقتصادية.
ومن هنا، قد يُنظر إلى تأجيله باعتباره إشارة سلبية مؤقّتة بشأن مستوى المخاطر، خصوصاً بالنسبة إلى الشركات العالمية التي تخضع لسياسات أمنية وتأمينية صارمة تحدّد وجهات السفر المسموح بها لرؤسائها التنفيذيين.
وفي هذا السياق، رأى عبد العزيز بن صقر أنّ المملكة تمتلك مقوّمات قويّة تدعم استمرار وجذب الاستثمارات، تشمل موقعها الجغرافي، ومواردها الطبيعية، وقاعدة اقتصادية وصناعية واسعة. وأكّد أنّ عودة الاستثمار لا تمثّل مشكلة بسبب توافر هذه المقوّمات، مشيراً إلى أنّ المملكة تعزّز أمنها عبر بناء قدرات دفاعية وتطوير شراكات وتحالفات إقليمية ودولية.
وأضاف لبي بي سي: " تسعى المملكة إلى إقامة أفضل العلاقات مع دول الجوار، ولم تعتدِ يوماً على أي دولة مجاورة. كما بنت قدرات دفاعية وأنظمة قادرة على الدفاع عن أراضيها، وأقامت شراكات وتحالفات إقليمية ودولية تعزّز مفهوم الدفاع الوطني".
مايكل راتني، السفير الأمريكي السابق لدى الرياض والمستشار الأول حالياً في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، قال من جهته لبي بي سي عربي إنّ جزءاً كبيراً من النموذج الاقتصادي السعودي يقوم على تحييد تداعيات النزاعات الإقليمية وإبعادها قدر الإمكان عن المملكة. وأوضح أنّ الحفاظ على صورة المملكة باعتبارها دولة آمنة ومستقرة يشكّل عاملاً أساسياً في استقطاب المستثمرين والسيّاح وغيرهم من الزوّار الذين يسهمون في مسيرة التحوّل الاقتصادي. وأضاف: "من الواضح أنّ الحرب تركت آثارها بالفعل، ويكفي الاستشهاد بتأجيل مبادرة مستقبل الاستثمار وغيرها من الفعاليات الكبرى".
واعتبر راتني أنّ المملكة تجد نفسها أمام معضلة حقيقية في ظلّ استمرار الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي تنفذها حركة أنصار الله الحوثية ضدّ مطارات المملكة، وما يترتّب عليها، بحسب قوله، من سقوط ضحايا مدنيين وأضرار في البنية التحتية للطاقة. وأضاف: "لذلك لا بد للسعودية من الردّ عسكرياً. لكنّ السعوديين يدركون أيضاً أنّ الحوثيين يمتلكون القدرة على الردّ بوسائل غير تقليدية وإلحاق أضرار كبيرة. لذا، وبينما أعتقد أنّ السعودية ستواصل ممارسة الضغط العسكري على الحوثيين، فإنّها ستحتاج في نهاية المطاف إلى إيجاد مخرج وتهدئة الصراع".
تجربة 2018.. هل تتكرّر؟
مع ذلك، لا يعني تأجيل الفعاليات بالضرورة تراجع الاهتمام الدولي بالسوق السعودية.
ففي عام 2018، واجهت مبادرة مستقبل الاستثمار مقاطعة واسعة من شخصيات سياسية واقتصادية غربية عقب قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول. ورغم الضغوط الإعلامية والسياسية التي أحاطت بالمؤتمر آنذاك، نجحت المملكة لاحقاً في استعادة الزخم وجذب استثمارات وصفقات بنحو خمسين مليار دولار أمريكي.
وتشير تلك التجربة إلى أنّ الاعتبارات الاقتصادية كثيراً ما تدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مواقفهم عندما تتوافر فرص استثمارية ضخمة. إلّا أنّ الفارق هذه المرة يتمثّل في أنّ التحدي يرتبط بالوضع الأمني الميداني أكثر من ارتباطه بصورة المملكة الإعلامية أو السياسية أو بملفها في مجال حقوق الإنسان.
وبالتالي، يمكن القول إنّ التهديدات الأمنية تختلف عن الأزمات الإعلامية أو السياسية. فبينما يمكن للمستثمرين التغاضي عن بعض الاعتبارات السياسية إذا كانت الفرص الاقتصادية مجزية، تصبح المخاطر المباشرة المرتبطة بسلامة الأفراد والبنية التحتية عاملاً أكثر حساسية في حسابات الشركات والمؤسّسات الدولية.
اختبار لرؤية 2030
مايكل راتني، السفير الأمريكي السابق لدى الرياض والمستشار الأول في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ومقره واشنطن، رجّح أن تؤثّر تأجيلات الفعاليات والأنشطة المختلفة على جهود المملكة على المدى القريب، لكنّه شدّد على أنّ هذه التداعيات لن تغيّر من متانة النموذج السعودي على المدى البعيد. وأوضح أنّ المملكة تواصل العمل على إعادة تشكيل اقتصادها ومجتمعها استعداداً لعصر ما بعد الوقود الأحفوري، معتبراً أنّ مسار التحوّل الاقتصادي يبقى قائماً رغم التحديات الراهنة. وأضاف: "لا شك أنّ الصراع الحالي يبعث على الإحباط الشديد، لكنّ الواقع أنّ السعوديين لا يملكون خياراً سوى الاستمرار في مسارهم نحو التنويع الاقتصادي والتحوّل المجتمعي".
بالتالي، يمكن القول إنّ هذه التطوّرات تمثّل اختباراً عملياً لقدرة السعودية على الموازنة بين طموحاتها الاقتصادية والتحدّيات الأمنية المحيطة بها. فالعديد من الفعاليات المؤجّلة لا تقتصر أهميتها على العائد الاقتصادي المباشر، بل تدخل أيضاً ضمن أدوات القوّة الناعمة التي اعتمدتها المملكة خلال العقد الماضي لإعادة صياغة صورتها الدولية، سواء عبر المؤتمرات الاستثمارية أو الفعاليات الثقافية والرياضية أو حتى تخفيفها لبعض القيود الاجتماعية كعدم فرض الحجاب على النساء والسماح بقيادة المرأة وغيرها.
وفي نهاية المطاف، قد لا تكون المشكلة في تأجيل فعالية أو مؤتمر بعينه، بل في قدرة المملكة على المحافظة على الصورة التي سعت إلى ترسيخها خلال السنوات الأخيرة: دولة آمنة ومستقرة وقادرة على جذب المستثمرين والزوّار حتى في ظلّ بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. فمتى ما عادت الثقة بقدرة البلاد على ضمان الاستقرار والاستمرارية، قد تعود معها أيضاً المؤتمرات والاستثمارات والزخم الدولي الذي تراهن عليه رؤية 2030.
- حلف مكة: وزير الخارجية التركي يعلن عن "خارطة طريق" لانضمام دول أخرى للتكتل الدفاعي
- التحالف بقيادة السعودية يُعلن اعتراض وتدمير طائرات مسيّرة في المدينة المنورة والمنطقة الشرقية
- ما هي الأسلحة المستخدمة في المواجهات بين السعودية وأنصار الله؟