في قرية "النور للمكفوفين بسوريا"... كيف يرى فاقدو البصر بالذكاء الاصطناعي؟

في قرية "النور للمكفوفين بسوريا"... كيف يرى فاقدو البصر بالذكاء الاصطناعي؟
BBC
Tue, 27 Oct 2026 09:31:52 GMT
bbc news arabic header storypage
رجلان يجلسان بجوار بعضهما ويمسكان بهاتفين ذكيين.
BBC

في مخيم النور بإدلب في سوريا، لا تبدو التكنولوجيا مجرد وسيلة لتسهيل الحياة، بل نافذة يطل منها فاقدو البصر على عالم لم يتوقفوا عن استكشافه. هذا المخيم صُمم خصيصاً ليحمي فاقدي البصر وأسرهم من أهوال الحرب التي شهدتها البلاد لسنوات طويلة؛ فكُتبت لافتات الشوارع بطريقة برايل، وصارت البيوت مأوى لعائلات تشترك في حكاية واحدة.

لكن لمحمود حمزة حكاية مختلفة؛ فحين فقد بصره في الثامنة عشرة من عمره، لم يفقد شغفه بالتكنولوجيا، بل أعاد توجيهه، ليعلّم أبناء القرية كيف يوظفونها في حياتهم اليومية ليروا بها ما لا تراه أعينهم.

يحكي محمود حمزة لبرنامج يوميات الشرق الأوسط عبر بي بي سي كيف باتت حياة فاقدي البصر أكثر سهولة ويسراً باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة، مستذكراً أحد المواقف الصعبة التي مر بها ولم يكن ليتخطاه لولا مساعدة صديقه الافتراضي "جيميناي":

" بأحد المرات خرجت لشراء الغاز المنزلي، فضللت الطريق، على الفور قمت بتشغيل جيميناي كي أتمكن من استكشاف محيطي وكي يدلني على طريق العودة إلى المنزل، فالذكاء الاصطناعي يخبرني عن الطرق التي يجب أن اسلكها في مساري، ويحذّرني إذا ما كان هناك سيارة قادمة، أو شيء سأصطدم به أثناء مشيي".

وبحسب حمزة، لا تتوقف مساعدة الذكاء الاصطناعي لفاقدي البصر على استكشاف الطرق والمشي فيها آمنين، بل تمتد لمساعدتهم على قراءة أي صورة مرئية أو نص مكتوب، وبهذا يصبح فاقد البصر أكثر استقلالية وغير معتمد على أحد في تفاصيل حياته اليومية.

ويشير محمود إلى أن التطور المطرد في عالم الذكاء الاصطناعي جعل الشخص الكفيف يتعامل مع الأجهزة الذكية مثله مثل الشخص المبصر بل وأكثر من ذلك، موضحاً :صرنا نعتمد على قارئ شاشة صيني يُسمى جي شو (Jishou)، وهو برنامج صيني واسع الآفاق بالنسبة للشخص فاقد البصر، ومن خلاله نستطيع التعامل مع الأجهزة الذكية تماماً كالشخص المبصر لأنه يقرأ لنا كل تفصيلة، ويُمكّننا من التعامل مع كافة تطبيقات السوشيال ميديا مثل فيس بوك وإنستغرام وغيرها.

قبل أن يفقد محمود حمزة بصره كان لديه شغف كبير في استكشاف كل شيء له علاقة بالتكنولوجيا الحديثة، وبعد فقدان البصر صب تركيزه على التكنولوجيا القادرة على مساعدته هو وزملائه في مخيم "النور للمكفوفين" فبات هو المسؤول عن تعليم كل سكان القرية كيفية التعامل مع هذه التكنولوجيا وتطويعها لخدمتهم بالمجان، وامتدت يده بالمساعدة لنساء ورجال وأطفال المخيم على حد سواء.

اثنان من الأشخاص المكفوفين يمشيان بجانب بعضهما ممسكان بالعصا المساعد.
BBC
يشير الطبيب الشاب زميل جامعة واشنطن لطب العيون إلى القفزات النوعية الهائلة التي حققها الذكاء الاصطناعي خلال الأعوام القليلة الماضية.

وفي السياق ذاته، يروي عامر جراد، مدير قرية النور للمكفوفين، كيف تكون ممارسة مهنة الإدارة بالنسبة لنازح فقد بصره؛ إذ يقول إنها مهمة بدت مستحيلة لولا ما يتيحه الذكاء الاصطناعي من أدوات تفتح أمامه أبواباً كانت مغلقة، "لتصير ممارستها توازي حياة الإنسان العادي بفضل المساعدة التي تقدمها التقنيات الحديثة"، مؤكداً أن هذه التكنولوجيا الحديثة هي التي ساعدته في إدارة القرية، حتى إنه يعبّر عن أهمية برامج الذكاء الاصطناعي على هاتفه بالقول: "معي برامج الذكاء الاصطناعي على هاتفي.. كأن معي روحي".

وفي قرية النور، يلتقي من فقدوا بصرهم بسبب الحرب أو غيرها، بمن وُلدوا مكفوفين. وهنا يبرز التساؤل: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي مساعدة الفئتين بالطريقة نفسها؟

يُجيب الدكتور فؤاد الصياد، عضو البورد الأمريكي واستشاري طب وجراحة العيون، موضحاً وجود اختلاف بطبيعة الحال بين الشخص الذي وُلِد لا يبصر، وذاك الذي فقد بصره لاحقاً؛ فالذكاء الاصطناعي يمكنه مساعدة من فقد بصره لاحقاً بأن يشرح له أشياء مألوفة لديه مسبقاً مثل لون البحر، لكونه رآه من قبل ولديه ذاكرة بصرية تتعلق بذلك، بينما الشخص الذي وُلِد فاقداً البصر يعتمد بشكل أساسي على اللمس والسمع لعدم توفر الذاكرة البصرية، غير أن الذكاء الاصطناعي يتعود بمرور الوقت على تقديم الشرح بطرق مختلفة ومُكيَّفة تناسب كلا الشخصين.

ويشير الطبيب الشاب زميل جامعة واشنطن لطب العيون إلى القفزات النوعية الهائلة التي حققها الذكاء الاصطناعي خلال الأعوام القليلة الماضية، ضارباً المثال بتطبيق "بي ماي آيز" (Be My Eyes) الذي يضم اليوم أكثر من أحد عشر مليون متطوع، حيث يتولى شخص مهمة الرد والوصف للمستخدم فاقد البصر، قبل أن يقتحم الذكاء الاصطناعي هذا المجال عبر النظارات الذكية، مستعيناً بالكاميرات والميكروفونات والسماعات المدمجة لرؤية ما هو ماثلٌ أمام المستخدم ووصفه بدقة وسرعة أكبر.

رجل مسن يمسك بعصا وطفل صغير يقف في المقابل.
BBC
يمكن لبعض مناطق المخ المسؤولة عن معالجة البصر أن تشارك أيضاً في معالجة اللمس أو الصوت لدى الأشخاص الذين فقدوا بصرهم.

كما يلفت الطبيب إلى قدرة الدماغ البشري على التكيّف، المعروفة علمياً بـ"المرونة العصبية" (Neuroplasticity) حيث يمكن لبعض مناطق المخ المسؤولة عن معالجة البصر أن تشارك أيضاً في معالجة اللمس أو الصوت لدى الأشخاص الذين فقدوا بصرهم، خصوصاً في سن مبكرة، في محاولة من المخ للتكيف مع حالة فقدان البصر.

اختتم الصياد بالإشارة إلى أمل جديد بالنسبة للملايين من فاقدي البصر، مؤكداً تفاؤله الكبير بمستقبل تكنولوجيا طب العيون في اتجاهين رئيسيين: "الأول هو مساعدة غير المبصرين في حياتهم اليومية عبر النظارات الذكية المستقبلية التي تفهم المكان وتجيد وصفه وشرحه وتقدم معلومات صوتية فائقة الدقة لمستخدميها من فاقدي البصر، والاتجاه الثاني هو العيادة المستقبلية المتمثلة في أجهزة يتم تركيبها على العين لتجري معظم الفحوصات الطبية التي تتطلب الذهاب إلى عيادة الطبيب التقليدية، والتي يمكن نقلها حتى إلى المناطق التي تفتقر لوجود طبيب عيون، وهي تقنيات ستصل قريباً إلى الشرق الأوسط وأفريقيا".

يقول مدير قرية النور، عامر جرادة، إن "هذه التجربة الإنسانية المميّزة تواجه اليوم هاجساً يهدد استمراريتها"، مع التوجه نحو إنهاء واقع المخيمات في سوريا بعد انتهاء الحرب التي اندلعت عام 2011 واستمرت سنوات طويلة، وهو ما يعتبره جرادة وسكان المخيم "حقاً أصيلاً للدولة وحكومتها"، لكن هذا "التفهم لذلك الموقف" لم يخفف من الهاجس الذي أصبح يطارد سكان المخيم من فاقدي البصر المتسائلين عن مصيرهم: إلى أين سنذهب؟ وأين سنعيش؟

رجل مسن مكفوف يمسك بالعصا المساعد ويتلمس الجدار بجانبه.
BBC
قرية النور في إدلب، شمال غربي سوريا، هي مساحة سكنية أُنشئت لتوفير بيئة ملائمة لاحتياجات المكفوفين

هذا التخوف، يدفع الأهالي إلى مناشدة المسئولين من أجل توفير قرية بديلة بالقرب من مركز مدينة إدلب، تحافظ على خصوصية أفراد هذا المجتمع، وتمنحهم فرصة مواصلة حياتهم في بيئة صُممت لتناسب احتياجاتهم الإنسانية المشروعة.

وقرية النور في إدلب، شمال غربي سوريا، مساحة سكنية أُنشئت لتوفير بيئة ملائمة للمكفوفين ولعائلاتهم، ممن اضطروا إلى النزوح بسبب الحرب. وتتميز القرية بتجهيزاتها المتعددة لمراعاة احتياجات المكفوفين في تفاصيل الحياة اليومية، بما في ذلك تهيئة الشوارع والمرافق لتسهيل الحركة وتعزيز الاستقلالية، في مجتمع يضم من فقدوا بصرهم نتيجة الحرب أو ظروف أخرى، إلى جانب من وُلِدوا مكفوفين. ولا تقتصر أهمية القرية على توفير السكن، بل تمتد إلى خلق بيئة اجتماعية داعمة تتيح لسكانها فرصة الاستمرار في حياتهم والتعلّم والعمل، لتجاوز بعض ما يفرضه فقدان البصر من تحديات.

وتقع القرية في منطقة الكمونة شمالي إدلب، قرب سرمدا، وافتُتحت في مارس/آذار 2022 بإشراف جمعيات خيرية. وصُممت شوارعها وممراتها بما يساعد المكفوفين على التنقل باستقلالية أكبر، من خلال استخدام علامات بطريقة برايل على المنازل والمرافق العامة، إلى جانب تجهيزات متنوعة تراعي احتياجاتهم. كما يشمل المشروع مساكن ومرافق خدمية؛ بينها مسجد ومدرسة ومحالّ تجارية ومساحات مخصصة للأطفال.

bbc footer storypage
Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon