الصراع في إثيوبيا: اتهامات تنفيها مصر والسودان بدعم خصوم أبي أحمد
تعود المواجهات المسلحة إلى شمال إثيوبيا بشكل كثيف، بعد أقل من أربع سنوات على اتفاق أنهى واحدة من أكثر حروب البلاد دموية في تاريخها الحديث، فيما تتسع المواجهات الجديدة وتتداخل معها حسابات دول الجوار والقوى الإقليمية.
وفي تصريحات إعلامية نُشرت هذا الأسبوع، اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي، المشير برهانو جولا، مصر والسودان بدعم تحالف جديد من جماعات مسلحة وسياسية تسعى إلى الإطاحة بحكومة رئيس الوزراء أبي أحمد، قائلاً إن هذه الجماعات لا يمكنها مواجهة الحكومة من دون دعم خارجي. كما اتهم إريتريا بالعمل كحلقة وصل بين قوى خارجية وهذه الجماعات.
ولم يقدم جولا أدلة علنية على هذه الاتهامات. وليست هذه المرة الأولى التي يوجه فيها مسؤولون إثيوبيون اتهامات لمصر والسودان بدعم المعارضة أثناء النزاعات المسلحة. ونفى الجيش السوداني بدوره دعم التحالف، ووصف الاتهامات بأنها "لا أساس لها"، واتهم إثيوبيا بالسماح لقوات الدعم السريع باستخدام أراضيها وتوفير التدريب والإمدادات لها، وهي اتهامات تنفيها أديس أبابا.
وقال الناطق باسم الجيش السوداني في بيان إن الجيش ملتزم بمبادئ القانون الدولي وحسن الجوار ولا يتدخل في شؤون الدول، ولكنه لن يسمح بالمساس بسيادة السودان أو أمنه الوطني.
كما نفى مصدر دبلوماسي مصري لبي بي سي الاتهامات الإثيوبية، وقال إن "القاهرة لا تتدخل في الأزمة الداخلية الإثيوبية، وإن على أديس أبابا معالجة أزماتها الداخلية بدلاً من إلقاء مسؤوليتها على أطراف خارجية".
من حرب تيغراي إلى التحالف الجديد
تيغراي، إقليم يقع في أقصى شمال إثيوبيا، على الحدود مع إريتريا والسودان، وتقطنه غالبية من قومية التيغراي.
كان الإقليم مركزاً للنفوذ السياسي في إثيوبيا لسنوات، إذ هيمنت جبهة تحرير شعب تيغراي على الائتلاف الحاكم في أديس أبابا لعقود، قبل وصول أبي أحمد إلى السلطة عام 2018.
وبعد توليه رئاسة الوزراء، أعاد أبي أحمد تشكيل الائتلاف الحاكم وحلّ الجبهة التي كانت تضم الأحزاب الإثنية الرئيسية، وأسس حزب الازدهار. ورفض قادة تيغراي هذه الخطوة، لتتصاعد الخلافات بين الحكومة الفيدرالية والقيادة الإقليمية.
واندلعت الحرب في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، بعدما اتهمت الحكومة الإثيوبية قوات تيغراي بمهاجمة قاعدة للجيش الفيدرالي في الإقليم، بينما قالت قيادة تيغراي إن تحركها جاء ردّاً على ما اعتبرته تهديداً من الحكومة المركزية.
وانضمت إريتريا إلى جانب الجيش الإثيوبي، كما شاركت قوات من إقليم أمهرة في القتال، بينما خاضت قوات تيغراي الحرب إلى جانب حلفاء محليين.
وبعد نحو عامين من القتال والانتهاكات التي اتُهمت مختلف الأطراف بارتكابها، توصلت الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي إلى اتفاق بريتوريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2022.
أوقف الاتفاق الحرب، لكنه لم يحسم كل الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وقيادة تيغراي، وظلت قضايا سياسية وأمنية وإقليمية عالقة.
وفي سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت سبع جماعات مسلحة تشكيل "تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء"، من بينها جبهة تحرير شعب تيغراي، وجيش تحرير أورومو، وقوات فانو الأمهرية. وقالت الجماعات إنها تسعى إلى إزاحة حكومة أبي أحمد وتشكيل إدارة انتقالية. ويضم التحالف جماعات من مناطق وأعراق مختلفة، بينها أطراف كانت في أوقات سابقة على جبهتَي الصراع.
ويقول خبير شؤون القرن الأفريقي جمال إبراهيم إن التطورات الأخيرة تُنذر بمزيد من التصعيد في تيغراي، مشيراً إلى أن التحالف الجديد يضم جماعات إثنية وعسكرية مختلفة، بينها قوات من إقليم أمهرة.
ويشير إبراهيم إلى امتلاك بعض عناصر التحالف خبرة في القتال، فضلاً عن التدريب والتنظيم والأسلحة، لكنه يقول إنه من الصعب التحقق من الاتهامات الإثيوبية بشأن حصولهم على دعم مصري أو سوداني، في ظل عدم وجود أدلة علنية على ذلك.
لماذا تظهر مصر والسودان في الاتهامات؟
تأتي الاتهامات الإثيوبية لمصر والسودان في سياق تاريخ طويل من التوترات والشكوك المتبادلة، وإن كانت دوافعها مختلفة بالنسبة إلى كل دولة.
فيما يتعلق بمصر، يرتبط الأمر أولاً بالخلاف المستمر حول مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي الذي لم يتم التوصل إلى حل مستدام بشأن تشغيله. فقد تصاعد التوتر بين البلدين منذ بدأت إثيوبيا بناء السد على النيل الأزرق، أحد الروافد الرئيسية لنهر النيل.
وتطالب مصر والسودان باتفاق قانوني مُلزِم ينظم تشغيل السد، خاصة خلال فترات الجفاف، إلى جانب آلية واضحة لتبادل البيانات. وفي المقابل، تعتبر إثيوبيا السد مشروعاً وطنياً أساسياً لإنتاج الكهرباء ودعم التنمية، وتقول إن تشغيله لا يستهدف الإضرار بدولتَي المصب. وتستند الدول الثلاث إلى إعلان مبادئ وقّعته مصر وإثيوبيا والسودان عام 2015 لتنظيم التعاون بشأن السد.
وتعتمد مصر بدرجة كبيرة على مياه النيل، ولذلك تنظر القاهرة إلى قضية السد باعتبارها مرتبطة بأمنها المائي. وفي سبتمبر/أيلول، تصاعد التوتر الكلامي بين القاهرة وأديس أبابا بعد تصريحات لوزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم بشأن السد، وردّ وزارة المياه والطاقة الإثيوبية عليها.
ويرى المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد أن الخلاف حول السد يمثل أحد الأسباب التي تجعل الحكومة الإثيوبية تشك في نوايا القاهرة.
ويقول إن أديس أبابا تنظر منذ عقود إلى مصر باعتبارها دولة قادرة على استخدام علاقاتها مع قوى إثيوبية معارِضة للضغط على الحكومات المتعاقبة، مشيراً إلى علاقات تاريخية يقول إنها ربطت القاهرة، في فترات مختلفة، بحركات أورومية وتيغراوية وإريترية.
لكن عبد الشكور يشير في الوقت نفسه إلى أن طبيعة العلاقات بين مصر وهذه الجماعات تغيرت باختلاف الفترات والظروف السياسية، وأن الحديث عن سوابق تاريخية لا يعني بالضرورة وجود دعم مصري للتحالف الحالي.
أما أسماء الحسيني، مدير تحرير الأهرام والمتخصصة في الشؤون الأفريقية، فتقول إن الاتهامات الإثيوبية لا تستند إلى أدلة، وترى أن القاهرة تتبع سياسة تقوم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
وتضيف أن عدم الاستقرار في إثيوبيا ليس في مصلحة مصر، وأن الخلاف الرئيسي بين البلدين يتعلق بسد النهضة، وليس بدعم جماعات مسلحة لإسقاط الحكومة.
أما السودان، فيختلف سياقه بحكم الحدود الطويلة مع إثيوبيا والخلافات القديمة بين البلدين، ومن بينها النزاع على منطقة الفشقة.
وقد جعلت الحرب في السودان الحدود بين البلدين جزءاً من شبكة جديدة من التحركات العسكرية وطرق الإمداد والاتهامات المتبادلة.
إذ تتهم الخرطوم إثيوبيا بالسماح بتدريب مقاتلين تابعين لقوات الدعم السريع على أراضيها، وهو ما تنفيه أديس أبابا. في المقابل، تتهم إثيوبيا السودان بالسماح لقوى معارضة إثيوبية باستخدام أراضيه، وهي رواية تنفيها الخرطوم. وتبادل الطرفان هذه الاتهامات في الأشهر الأخيرة مع تدهور العلاقات الأمنية بينهما.
ويقول عبد الشكور إن هناك صلات قديمة بين جبهة تحرير شعب تيغراي وأطراف داخل السودان، مشيراً إلى اجتماعات ومؤتمرات مرتبطة بالجبهة عُقدت في الخرطوم وكسلا. كما يشير إلى أن إثيوبيا اتهمت السودان في السابق بالسماح بشن هجمات على الجيش الإثيوبي انطلاقاً من أراضيه.
وتأتي هذه الاتهامات في وقتٍ أصبحت خلاله الحرب السودانية نفسها مصدراً لتدخلات إقليمية متزايدة. ففي فبراير/شباط، نشرت رويترز تحقيقاً قالت فيه إن إثيوبيا تستضيف معسكراً سرّياً قرب حدودها مع السودان لتدريب آلاف من مقاتلي قوات الدعم السريع، وإن ثمانية مصادر، بينها مسؤول إثيوبي رفيع، قالت إن الإمارات موّلت إنشاء المعسكر وقدّمت مدربين عسكريين ودعماً لوجستياً.
وتنفي الإمارات دعم أي طرف في الحرب السودانية.
الإمارات.. شريك وثيق لأديس أبابا
إذا كانت مصر والسودان تظهران في الخطاب الإثيوبي باعتبارهما داعمين محتملين لخصوم الحكومة، فإن الإمارات تظهر في صورة مختلفة: شريك سياسي واقتصادي وعسكري وثيق لأديس أبابا.
وتعمقت العلاقات بين أبوظبي وأديس أبابا بعد وصول أبي أحمد إلى السلطة عام 2018، وشملت الاستثمار والتجارة والتعاون الأمني والدفاعي.
كما لعبت الإمارات دوراً في التقارب بين إثيوبيا وإريتريا. ففي يوليو/تموز 2018، زار أبي أحمد أسمرة والتقى الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، ووقّع الطرفان إعلاناً للسلام والصداقة أنهى حالة الحرب بين البلدين. بعد ذلك بأسابيع، استضافت أبوظبي لقاءً ثلاثياً جمع أبي أحمد وأفورقي والقيادة الإماراتية لدعم الاتفاق والتقارب بين البلدين.
ولم يتوقف التعاون عند السياسة والاقتصاد. فقد وثّقت المؤسسة الدولية للدراسات الإستراتيجية حصول إثيوبيا على عشرات المدرعات الإماراتية الصنع من طراز MCAV-20، أُرسلت من الإمارات إلى جيبوتي ثم نُقلت إلى إثيوبيا عبر خط السكك الحديدية بين جيبوتي وأديس أبابا. كما قالت المؤسسة إن الإمارات قدمت دعماً عسكرياً مهماً للحكومة الإثيوبية خلال حرب تيغراي، شمل نحو 120 رحلة بطائرات شحن من طراز Il-76 في عام 2021، إضافة إلى أسلحة وتدريب لأفراد من الحرس الجمهوري الإثيوبي.
وفي عام 2026، رُصدت دفعات إضافية من مدرعات MCAV-20 وهي تُنقل بالسكك الحديدية من ميناء جيبوتي إلى إثيوبيا، فيما أشارت تحليلات مفتوحة المصدر إلى زيادة الرحلات المرتبطة بشحنات إماراتية إلى إثيوبيا منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
ويرى المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد أن حصول الحكومة الإثيوبية على أسلحة من الإمارات يأتي في إطار سعيها إلى تنويع مصادر تسليحها، مشيراً إلى أن إثيوبيا حصلت كذلك على أسلحة من روسيا والصين وفرنسا.
ويقول عبد الشكور إن حصول الحكومة الإثيوبية على هذا الدعم العسكري "أمر مشروع للحكومة الإثيوبية الشرعية التي يجب عليها أن تحارب من تمردوا على هذه الشرعية من جبهة تحرير تيغراي"، مضيفاً أن الدعم الإماراتي للحكومة الإثيوبية "ليس به غضاضة، ما دام غير موجَّهٍ ضد مصر".
وتقول مجموعة Critical Threats Project إن سبع رحلات على الأقل لطائرات شحن من طراز Il-76 وصلت إلى منطقة أديس أبابا منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وإن بعضها ارتبط بشركات سبق أن ظهرت في عمليات نقل أسلحة في المنطقة. وتشير المجموعة في الوقت نفسه إلى أن بعض الوجهات لم يكن ممكناً تأكيدها بسبب إيقاف أجهزة التتبع أثناء الرحلات.
كما ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع قيل إنها "تُظهر أسلحة ومعدات إماراتية عثرت عليها القوات المناوئة للحكومة في مناطق سيطرت عليها". وتحدثت تقارير صحفية ودوريات عسكرية كذلك عن رحلات وشحنات مرتبطة بالإمارات وإثيوبيا.
لكن بي بي سي لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من صحة هذه المقاطع أو تحديد متى وصلت الأسلحة التي تظهر فيها إلى إثيوبيا، ومدى ارتباطها بالمواجهات الحالية.
وترى أسماء الحسيني أن الصورة الإقليمية أوسع من مجرد علاقات ثنائية بين الدول.
وتقول إن الصراعات في إثيوبيا والسودان والقرن الأفريقي والبحر الأحمر أصبحت "ساحة صراع لجهات عديدة"، وإن القوى الإقليمية والدولية تدعم أطرافاً مختلفة، بينما "تلتقي المصالح المصرية مع طرف وتتقاطع مع آخر بحسب الدولة والملف".
وتضيف أن "هذا التشابك يفرض حسابات معقدة على صانع القرار المصري، ويؤثر على تحركات القاهرة في أفريقيا والسودان والقرن الأفريقي".