ما هي الخيارات المحتملة على طاولة ترامب لحسم الأوضاع في إيران؟
حان الوقت لكي يتخذ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قراراً حاسماً بشأن إيران.
كانت الولايات المتحدة قد أعلنت، قبل عشرة أيام، استعدادها للتدخل و"إنقاذ" المحتجين الإيرانيين في حال لجوء النظام الحاكم في طهران إلى استخدام العنف ضدهم.
وأكد ترامب أن بلاده "مؤهلة بالكامل، ومسلحة، وعلى أهبة الاستعداد".
وكان ترامب قد أدلى بهذا التصريح قبل بداية القمع العنيف في إيران على نطاق واسع، أما الآن، وبعد أن انكشفت أبعاد الصورة كاملة بطريقة صادمة، يترقب العالم طبيعة الرد الذي سيتخذه ترامب.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت: "لا أحد يعلم ما الذي سيفعله الرئيس ترامب سوى الرئيس ترامب نفسه. وليس أمام العالم سوى الانتظار والتكهن".
والسؤال إلى متى سيستمر هذا الانتظار؟
كان منشور الرئيس المعتاد، المكتوب بالأحرف الكبيرة صباح الثلاثاء على وسائل التواصل الاجتماعي، قد أدى إلى تصعيد حاد في اللهجة.
إذ بدا وكأنه يشجع المحتجين ويدعوهم إلى السيطرة على مؤسسات الدولة الإيرانية وتدوين أسماء "القتلة والمعتدين"، في تعبير يوحي بقناعة رئاسية بإمكانية سقوط النظام الإيراني قريباً.
ثم جاء أوضح مؤشر حتى الآن على نية ترامب المضي نحو شكل من أشكال التدخل المباشر، عندما قال: "المساعدة قادمة إليكم".
ومن المتوقع أن يناقش كبار المسؤولين الخيارات المحتملة للتحرك خلال اجتماع يعقد في البيت الأبيض.
- هل وصلت الأزمة الاقتصادية في إيران إلى نقطة اللاعودة؟
- لماذا تُعدّ الاحتجاجات الحالية في إيران غير مسبوقة؟
وقال ترامب، في تصريح للصحفيين على متن طائرة الرئاسة يوم الأحد، إنه يدرس "خيارات قوية للغاية".
ومع شعوره بنشوة النجاح في فنزويلا، ووصفه اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو بأنه من أنجح العمليات في التاريخ الأمريكي، فإن إغراء لجوء ترامب إلى القوة العسكرية يبدو كبيراً.
كما أثبتت أحداث الصيف الماضي، أن الولايات المتحدة تمتلك قدرة كاملة على تنفيذ هجمات بعيدة المدى، لا سيما بعد أن نفذت قاذفات الشبح من طراز"بي-2 " طلعات استغرقت ثلاثين ساعة ذهاباً وإياباً، انطلقت من قاعدة وايتمان الجوية في ولاية ميزوري الأمريكية، وأسفرت عن إسقاط قنابل خارقة للتحصينات على منشأتين من أهم المنشآت النووية الإيرانية.
وسواء اختارت الولايات المتحدة تكرار تنفيذ هذا النمط من العمليات، أو اللجوء إلى ضربات دقيقة تستهدف عناصر في النظام تتحمل مسؤولية القمع الجاري، فمن المعقول الافتراض بأن واشنطن تمتلك قائمة مطوّلة من الأهداف المحتملة.
وقال مسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية، نقلاً عن شبكة "سي بي إس نيوز" الإخبارية، الشريك الأمريكي لبي بي سي، إن الرد قد يتضمن مجموعةً واسعة من الوسائل الأخرى الأكثر سرّية، بما في ذلك عمليات إلكترونية وحملات نفسية سرّية تهدف إلى تعطيل وإرباك منظومات القيادة والسيطرة الإيرانية.
وعلى الرغم من ذلك، فإن أحد السيناريوهات التي يمكن استبعادها بدرجة كبيرة هو أي تحرك يشبه ما جرى في كراكاس في الثالث من يناير/كانون الثاني الجاري.
فإيران، حتى وهي في أضعف حالاتها، وبعد تعرضها لضربات أمريكية وإسرائيلية مؤخراً، لا يمكن مقارنتها بفنزويلا، فالجمهورية الإسلامية نظام متمرّس في المواجهات، ومن غير المرجح أن تؤدي إزاحة شخصية واحدة من المشهد إلى إخضاع الدولة بأكملها لإرادة واشنطن.
كما أن إشارة ترامب الأخيرة إلى محاولة الرئيس الأمريكي السابق، جيمي كارتر، الفاشلة عام 1980 لإنقاذ الرهائن الأمريكيين المحتجزين في إيران تعكس وعيه بالمخاطر التي قد ترافق أي خطوة لنشر قوات أمريكية على الأرض.
وكان ثمانية عسكريين أمريكيين قد لقوا حتفهم عندما اصطدمت مروحية بطائرة نقل من طراز "إي سي-130" أثناء وجودهما على الأرض في صحراء شرق إيران.
وكانت تلك العملية الفاشلة، إلى جانب مشاهد الإذلال المتمثلة في عرض الرهائن الأمريكيين معصوبي الأعين أمام عدسات الكاميرات في طهران، من العوامل البارزة التي أسهمت في هزيمة كارتر في الانتخابات لاحقاً في العام نفسه.
وقال ترامب لصحفيي "نيويورك تايمز" الأسبوع الماضي: "لا أعلم إن كان سيفوز بالانتخابات، لكنه بالتأكيد لم تكن لديه أي فرصة بعد تلك الكارثة".
وبعد مرور ستة وأربعين عاماً، يُطرح سؤال كبير على طاولة الحسابات العسكرية في واشنطن: ما الذي تسعى إدارة ترامب إلى تحقيقه فعلياً في إيران؟
يقول ويل تودمان، الأستاذ في برنامج الشرق الأوسط بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: "من الصعب الجزم بالمسار الذي قد يتخذه ترامب، في ظل غياب الوضوح بشأن هدفه النهائي".
وأضاف أن الرئيس الأمريكي يسعى، على الأرجح، إلى تعديل سلوك النظام الإيراني، لا إلى الإطاحة به.
وقال تودمان: "أعتقد أن أخطار تغيير النظام ستكون جسيمة إلى حد يجعلني لا أعتقد حتى الآن أن هذا هو الهدف الرئيسي للرئيس ترامب".
- اسم رضا بهلوي نجل آخر شاه لإيران يعود للواجهة، فمن هو؟
- ما موقف إيران من تهديدات ترامب بالتدخل عسكرياً في البلاد في حال مقتل متظاهرين؟
وأضاف: "قد يتمثل الهدف في انتزاع تنازلات إضافية خلال المفاوضات النووية، أو وضع حد لعمليات القمع، أو السعي إلى تنفيذ إصلاحات تقود إلى شكل من أشكال تخفيف العقوبات".
وكان ترامب قد صرّح بأن عناصر داخل النظام الإيراني تواصلت مع الولايات المتحدة، مدفوعة بالقلق والرغبة في التفاوض، على الأرجح بهدف الإبقاء على مسار الحوار بشأن البرنامج النووي الإيراني.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، يوم الإثنين: "ما يُقال علناً من جانب النظام الإيراني يختلف اختلافاً كبيراً عن الرسائل التي تتلقاها الإدارة من خلال القنوات الخاصة"، مؤكدة أن الدبلوماسية "كانت ولا تزال الخيار الأول".
وفي السياق نفسه، أفاد مسؤولون لم يُكشف عن هويتهم لصحيفة "وول ستريت جورنال" بأن نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، يُعد واحداً من أبرز المساعدين لترامب الذين يدفعون باتجاه إعطاء الدبلوماسية أولوية في التعامل مع إيران.
وقال فانس للصحفيين يوم الخميس الماضي: "أذكى خطوة كان ينبغي عليهم اتخاذها هي الدخول في مفاوضات حقيقية مع الولايات المتحدة بشأن ما نحتاج إلى التأكد من تحقيقه في ما يتعلق ببرنامجهم النووي".
بيد أن استمرار حملة القمع الدموية في مختلف أنحاء إيران قد يجعل الدبلوماسية تبدو وكأنها مظهر من مظاهر الضعف.
وقال تودمان: "إن لم تكن الدبلوماسية كافية، فإنها تؤدي إلى إحباط المتظاهرين".
وربما يأخذ ترامب هذا الأمر في الحسبان، ففي ظل تصاعد الروايات الصادمة الواردة من إيران، رغم التعتيم الإعلامي وانقطاع الإنترنت، قال إنه قد يضطر إلى التحرك حتى قبل استنفاد المسار الدبلوماسي.
وقد عكس منشور ترامب حاد اللهجة، الذي نُشر صباح الثلاثاء على منصة "تروث سوشيال"، بوضوح أن الدبلوماسية معلّقة في الوقت الراهن.
وكتب الرئيس: "ألغيت جميع الاجتماعات مع المسؤولين الإيرانيين إلى أن يتوقف القتل العبثي للمتظاهرين".
ويعتقد بعض المراقبين أن توجيه ضربة عسكرية محدودة قد يسهم في تشجيع المحتجين، وفي الوقت ذاته يبعث برسالة تحذير إلى النظام مفادها أن تصعيداً أكبر قد يكون قادماً.
وقال بلال صعب، الأستاذ في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمعهد تشاتام هاوس: "كل ما يتعين على ترامب أن يفعله هو توجيه ضربة واحدة لإحداث حالة من الرعب داخل النظام".
وأضاف: "الضربة الأمريكية قد تعزز ثقة المحتجين بأنفسهم، وتشتت تركيز النظام".
بيد أن صعب لفت إلى أن الخيار العسكري قد يحقق نتائج عكسية.
وفسّر ذلك قائلاً: "قد يؤدي ذلك إلى تصلب موقف النظام وتعزيز تماسك قاعدته الداعمة، التي لا تزال واسعة الانتشار في مختلف أنحاء البلاد. ولن يكون الالتفاف حول العلم أمراً مفاجئاً".
وأضاف: "هذا السيناريو أكثر ترجيحاً إذا كانت الضربة رمزية أو لمرة واحدة".
ويمثل هذا المشهد مجموعة معقدة من الحسابات أمام الرئيس ترامب، تزداد تعقيداً في ضوء تهديدات إيران بالرد على أي هجوم أمريكي.
وعلى الرغم من الأضرار التي لحقت بإيران جرّاء الضربات الإسرائيلية والأمريكية، فإنها لا تزال تحتفظ بترسانة كبيرة من الصواريخ الباليستية.
وعلى امتداد الشرق الأوسط، قد يكون بعض حلفاء إيران ووكلائها قد سقطوا، مثل الرئيس السوري السابق بشار الأسد، أو تعرضوا لانتكاسات، كما في حالة حزب الله في لبنان، إلا أن "محور المقاومة" لم يفقد قدرته بالكامل بعد.
فالحوثيون في اليمن، والميليشيات الشيعية في العراق، قادرون حتى الآن على تنفيذ عمليات.
ومن بين الأصوات التي تدعو ترامب إلى التحرك بحزم، يبرز رضا بهلوي، الذي يطرح نفسه قائداً لمرحلة انتقالية في إيران بعيداً عن حكم رجال الدين.
وقال بهلوي، نجل آخر شاه لإيران والمقيم في المنفى، في حديثه لشبكة "سي بي إس نيوز" الأمريكية: "يتعين على الرئيس (ترامب) أن يتخذ قراراً في وقت قريب نسبياً".
وأضاف: "أفضل وسيلة لضمان تقليل عدد القتلى في إيران هي التدخل مبكراً، بما يؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار هذا النظام ووضع حد للمشكلات التي نواجهها".
ويشير منشور لترامب على وسائل التواصل الاجتماعي، نُشر صباح الثلاثاء قبل زيارة كانت مقررة سلفاً لمدينة ديترويت، إلى أن الرئيس الأمريكي ربما يكون قد توصل إلى الشيء نفسه.
فالتهديدات التي تُكتب بالأحرف الكبيرة عبر الإنترنت تُعد سمة معروفة في أسلوب قيادة هذا الرئيس، ولم يكن دائماً حريصاً على ترجمتها إلى أفعال.
إلا أنه، بعد أن تعهد بالتدخل لإنقاذ المحتجين الإيرانيين، وفي ظل سقوط مئات وربما آلاف الضحايا، يبدو أن ترامب قد حسم قراره، ويصعب تصور تراجعه في هذه المرحلة.
- كيف تُحكَم إيران؟
- "أفضل طريقة لمساعدة الثورة الإيرانية هي بثّ الخوف والانقسام داخل النظام"- مقال في التايمز
- حكام إيران يواجهون أكبر تحدٍ منذ ثورة عام 1979