ما الذي ينتظر شركات التكنولوجيا الكبرى بعد حكم تاريخي حول دورها في تعزيز الإدمان؟

ما الذي ينتظر شركات التكنولوجيا الكبرى بعد حكم تاريخي حول دورها في تعزيز الإدمان؟
AFP via Getty Images
Thu, 26 Mar 2026 15:23:00 GMT
bbc news arabic header storypage
محامية تمثل المدّعين من "مركز ضحايا وسائل التواصل الاجتماعي" تعانق أفراداً من عائلات الضحايا على درج محكمة لوس أنجلوس العليا، يوم الأربعاء.
AFP via Getty Images
محامية تمثل المدّعين من "مركز ضحايا وسائل التواصل الاجتماعي" تعانق أفراداً من عائلات الضحايا على درج محكمة لوس أنجلوس العليا، يوم الأربعاء.

أصدرت هيئة محلفين في لوس أنجلوس حكماً قاسياً بحق منصتين من الأكثر انتشاراً في العالم، هما إنستغرام ويوتيوب.

ورأت الهيئة أن هاتين المنصتين مصممتان بطريقة تعزّز الإدمان عمداً، وأن الشركتين المالكتين لهما قصّرتا في حماية الأطفال المستخدمين لهما.

ويعد هذا الحكم لحظة ثقيلة الوطأة على وادي السيليكون، كما أن تداعياته لا تقتصر على الولايات المتحدة.

وبموجبه، يتعين على شركتي "ميتا" و"غوغل" دفع ستة ملايين دولار تعويضاً لشابة تدعى كايلي، وهي محور القضية، بعدما قالت إن استخدام هذه المنصات تسبب لها باضطراب تشوّه صورة الجسد، والاكتئاب، وأفكار انتحارية.

وأعلنت الشركتان عزمهما استئناف الحكم، إذ ترى "ميتا" أنه لا يمكن تحميل تطبيق واحد مسؤولية أزمة نفسية لدى المراهقين، بينما تقول "غوغل" إن يوتيوب ليس شبكة تواصل اجتماعي بالمعنى التقليدي.

لكن في الوقت الراهن، يعتبر بعض الخبراء أن هذا الحكم يضع حداً لمرحلة طويلة من غياب المساءلة.

ومن الصعب المبالغة في تقدير تأثير هذا القرار، الذي قد يعيد رسم ملامح قطاع التواصل الاجتماعي، وربما يمهّد لبداية مرحلة جديدة تختلف عما اعتاده المستخدمون حتى الآن.

اتهامات لميتا وتيك توك بـ"السماح بزيادة المحتوى الضار لتعزيز التفاعل على المنصات"

مصير شركات التبغ؟

قد لا يكون الحكم مفاجئاً لكثير من المستخدمين الذين يقضون وقتاً طويلاً في التصفح، لكن يبدو أنه فاجأ شركات التكنولوجيا نفسها.

فقد أنفقت "ميتا" و"غوغل" مبالغ طائلة على أتعاب المحامين للدفاع عن نفسيهما، ما يعكس أهمية هذه القضية وغيرها بالنسبة لهما.

أما الشركتان الأخريان في القضية، "تيك توك" و"سناب" المالكة لتطبيق سناب شات، فقد توصلتا إلى تسوية قبل وصولهما إلى المحكمة، وسط أحاديث في الأوساط التقنية عن صعوبة تحمّلهما كلفة المعركة القانونية.

وكانت شركات التواصل الاجتماعي قد عرضت مراراً أدوات قالت إنها تساعد الأهل، على حماية الأطفال، لكن المحكمة رأت أن هذه الإجراءات غير كافية.

وقال أرتورو بيخار، وهو موظف سابق في إنستغرام، إنه حذّر مارك زوكربيرغ قبل سنوات من مخاطر المنصة على الأطفال، مضيفاً: "تحوّل من منتج تستخدمه إلى منتج يستخدمك". وقد نفت "ميتا" هذه المزاعم.

ووصف بعض الخبراء الحكم بأنه لحظة شبيهة بما واجهته شركات التبغ في الماضي، وهو مسار لم ينهِ التدخين تماماً، لكنه غيّر قواعد اللعبة.

ويطرح ذلك تساؤلات حول ما قد يحدث لاحقاً، مثل فرض تحذيرات صحية على الشاشات أو قيود على الإعلانات والرعاية.

وتحظى شركات التكنولوجيا حالياً بحماية قانونية في الولايات المتحدة بموجب مادة تعرف باسم "القسم 230"، تعفيها من المسؤولية عن المحتوى الذي ينشره المستخدمون، وهي ميزة لا تتمتع بها وسائل الإعلام الأخرى، ويقال إن القطاع قد لا يستطيع الاستمرار من دونها.

لكن الشكوك حول هذه الحماية قد تتزايد، إذ عقدت لجنة التجارة في مجلس الشيوخ جلسة لمناقشتها هذا الأسبوع.

ورغم العلاقة الوثيقة التي تربط قادة شركات التكنولوجيا بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لطالما دعم هذا القطاع، فإنه لم يسارع حتى الآن إلى الدفاع عنها.

مزيد من أدوات التحكّم بالخصوصية، لكن خصوصية أقل… لماذا؟

مارك زوكربيرغ، مرتدياً بدلة كحلية وربطة عنق رمادية، أثناء مغادرته المحكمة في لوس أنجلوس في فبراير/شباط، وكان محاطاً بعدد من المرافقين.
Getty Images
مثل رئيس شركة ميتا مارك زوكربيرغ أمام المحكمة في فبراير/شباط للدفاع عن الشركة، لكنها قد تواجه الآن تحديات إضافية تتعلق بكيفية إدارة منصاتها.

خيار آخر يتمثل في إلزام المنصات بإزالة الخصائص المصممة لإبقاء المستخدمين لأطول وقت ممكن.

لكن التفاعل هو أساس عمل شركات التكنولوجيا. فالتخلي عن ميزات مثل التصفّح المستمر بلا نهاية، والمحتوى الذي تقترحه المنصة تلقائياً بحسب اهتمامات المستخدم، والتشغيل التلقائي للفيديوهات، سيجعل تجربة الاستخدام مختلفة كثيراً، وربما أكثر محدودية.

وتقوم هذه المنصات على جذب أعداد كبيرة من المستخدمين وإبقائهم متصلين لأطول فترة ممكنة، وتشجيعهم على العودة باستمرار، لعرض أكبر قدر من الإعلانات عليهم، وهو مصدر دخلها الرئيسي.

وفي بعض الدول، مثل المملكة المتحدة، لا يُستخدم الأطفال ضمن هذا النظام الإعلاني حالياً، لكن ذلك جاء نتيجة تدخل الجهات التنظيمية.

غير أن الأطفال اليوم هم مستخدمو الغد، وتسعى الشركات إلى أن يبلغوا سن الرشد وهم بالفعل جزء من هذه المنصات.

وغالباً ما يُوصف "فيسبوك"، منصة "ميتا" الأصلية، مازحاً بأنه "منصة كبار السن"، إلا أن بيانات عام 2025 تشير إلى أن نحو نصف مستخدميه حول العالم تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً.

نحو المزيد من القضايا

يمثّل انتصار كايلي في المحكمة ثاني خسارة تتكبدها شركات التكنولوجيا الكبرى في سلسلة قضايا مماثلة يُنتظر النظر فيها في الولايات المتحدة هذا العام، مع توقع المزيد منها.

وقال الدكتور روب نيكولز من جامعة سيدني إن هذا الحكم المهم، إلى جانب دعاوى أخرى مشابهة ضد شركات التواصل الاجتماعي، يشير إلى تحول في نظرة المحاكم إلى تصميم المنصات، باعتباره قرارات مدروسة قد تترتب عليها آثار قانونية واجتماعية حقيقية.

وأضاف أن ذلك يفتح الباب أمام طعون أوسع ضد منصات التواصل وغيرها من الأنظمة التقنية المصممة لتعزيز التفاعل، حتى لو جاء ذلك على حساب رفاه المستخدمين.

وفي أستراليا، حيث يعمل نيكولز، اتُّخذت بالفعل خطوة في هذا الاتجاه، إذ مُنع من هم دون 16 عاماً من استخدام أبرز منصات التواصل الاجتماعي في ديسمبر/كانون الأول.

تدرس المملكة المتحدة ودول أخرى اتخاذ خطوات مماثلة، ويعزّز هذا الحكم الحجج الداعية إلى ذلك.

وبالنسبة لبعض الأهالي الذين عانوا من هذه المشكلة، فإن حظر المنصات على الأطفال يبدو خياراً بديهياً.

مجموعة مراهقين يمسكون هواتف
Getty Images

تفاصيل القضية

قررت هيئة المحلفين منح كايلي تعويضاً قدره 3 ملايين دولار عن الأضرار، إضافة إلى 3 ملايين دولار كتعويض عقابي، بعدما خلصت إلى أن "ميتا" و"غوغل" تصرفتا بسوء نية أو استهتار أو خداع في إدارة منصاتهما.

ومن المقرر أن تتحمّل "ميتا" 70 في المئة من قيمة التعويض، فيما تتحمل "غوغل" النسبة المتبقية، أي 30 في المئة.

وخارج المحكمة، تجمّع آباء وأمهات لأطفال يقولون إن أبناءهم تضرروا أيضاً من وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أنهم ليسوا طرفاً في قضية كايلي، كما فعلوا طوال أيام المحاكمة التي استمرت خمسة أسابيع.

وعقب صدور الحكم، شوهد بعض الأهالي يحتفلون ويعانقون آخرين من ذوي الضحايا والداعمين الذين كانوا ينتظرون القرار.

وجاء حكم لوس أنجلوس بعد يوم واحد من قرار هيئة محلفين في ولاية نيو مكسيكو، حمّلت فيه "ميتا" المسؤولية عن تعريض الأطفال لمخاطر عبر منصاتها، بما في ذلك الوصول إلى محتوى جنسي والتواصل مع معتدين جنسيين.

وقال محامو كايلي إن "ميتا" و"يوتيوب" صممتا منصات تُشجّع على الإدمان، ولم تقوما بما يكفي لمنع الأطفال من استخدامها.

وأوضحت كايلي أنها بدأت استخدام إنستغرام في سن التاسعة، ويوتيوب في السادسة، من دون أن تواجه أي قيود مرتبطة بعمرها.

وقالت خلال شهادتها: "توقفت عن التواصل مع عائلتي لأنني كنت أقضي كل وقتي على وسائل التواصل الاجتماعي".

وأضافت أنها بدأت تعاني من القلق والاكتئاب في سن العاشرة، وهما حالتان شُخّصتا لديها لاحقاً على يد معالج نفسي.

كما قالت إنها أصبحت مهووسة بمظهرها الجسدي منذ صغرها، وبدأت تستخدم فلاتر إنستغرام التي تغيّر ملامح الوجه، مثل تصغير الأنف وتكبير العينين، بعد وقت قصير من بدء استخدامها للمنصة.

ومنذ ذلك الحين، شُخّصت باضطراب تشوّه صورة الجسد، وهو اضطراب يدفع الشخص إلى القلق المفرط بشأن مظهره، ويؤثر في نظرته إلى نفسه.

وجادل محاموها بأن بعض خصائص إنستغرام، مثل التصفّح المستمر بلا نهاية، صممت لإبقاء المستخدمين لأطول وقت ممكن.

وأضافوا أن أهداف النمو داخل "ميتا" ركزت على جذب المستخدمين الأصغر سناً، مستندين إلى شهادات خبراء ومسؤولين سابقين في الشركة، معتبرين أن هذه الفئة أكثر ميلاً لاستخدام المنصات لفترات أطول.

وعندما أبلغ محامو كايلي رئيس إنستغرام، آدم موسيري، بأن استخدامها للمنصة في أحد الأيام وصل إلى 16 ساعة، رفض اعتبار ذلك دليلاً على الإدمان، لكنه وصف قضاء مراهق معظم يومه على إنستغرام بأنه أمر مقلق.

وقال محامو كايلي يوم الأربعاء إن حكم هيئة المحلفين "يوجه رسالة واضحة مفادها أنه لا توجد شركة فوق المساءلة عندما يتعلق الأمر بأطفالنا".

------------------------------------------------------

شاركت في التغطية كالي هايز، مراسلة في شؤون التكنولوجيا، وناردين سعد وريغان موريس، في لوس أنجلوس

bbc footer storypage
Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon