"اتبعوا أعمدة الدخان": يوم مع المسعفين تحت القصف في جنوبي لبنان
تتواصل وتيرة التصعيد في الحرب بين إسرائيل وحزب الله، مع مقتل مئات الأشخاص في لبنان ونزوح مئات الآلاف من منازلهم منذ مطلع الشهر.
وقد تركز جانب كبير من العمليات الجوية والبرية الإسرائيلية في جنوبي لبنان. ورافقت بي بي سي يوم الأربعاء فرق الإنقاذ في مدينة النبطية، لتشهد عن قرب كثافة الضربات وحجمها، وذلك قبل يوم واحد من إدراج المدينة ومناطق واسعة من محيطها ضمن أوامر إخلاء إسرائيلية جديدة.
وفي هدوء ما بعد الظهر في النبطية، شق صفير مقذوف السكون، قبل أن يعقبه دوي انفجار في الوادي أسفل مستشفى نبيه بري الحكومي.
اندفع مسعفون ونازحون نحو سفح التلة لمعاينة ما حدث في الأسفل، بينما كانت سيارات الإسعاف تشق طريقها إلى المكان وصفاراتها تعلو.
وقال أحد الرجال: "انظروا إلى حجمه… لقد أضاء السماء." وبعد ثلاث وأربعين ثانية فقط، دوى انفجار آخر في مكان قريب، ثم أعقبه انفجاران إضافيان.
وأرسلت الضربات أعمدة كثيفة من الدخان الرمادي إلى سماء النبطية، حيث ظلت معلقة فوق المباني السكنية والمتاجر، فيما بدأت عمليات البحث والإنقاذ وسط أجواء من الفوضى.
وصرخ أحد عناصر الطوارئ: "اتبعوا الدخان"، بينما كانت سيارات الإسعاف تحاول الوصول إلى مواقع الضربات المتعددة.
- هل يتصدّع التحالف بين حزب الله وحركة أمل في لبنان؟
- "هذه أكثر مرة أرى فيها أشخاصاً ينامون على الطرقات"
ومن بين الذين كانوا يندفعون عبر شوارع المدينة حسين فقيه، المسؤول الإقليمي في "الدفاع المدني" اللبناني التابع للحكومة، وهو الجهاز الرئيسي في البلاد لعمليات الإطفاء والإسعاف والإنقاذ.
وقال إنه يشهد المشاهد نفسها "تقريباً كل يوم" منذ استئناف الحرب في الثاني من مارس/آذار بين إسرائيل وحزب الله المدعوم من إيران.
وأضاف: "سواء كان ذلك إخماد حرائق… أو تنفيذ عمليات إنقاذ، أو البحث تحت الأنقاض، أو انتشال الجثث."
وانجرّ لبنان إلى الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة بعدما أطلق حزب الله صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل، رداً على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني. كما أشار الحزب إلى الضربات الإسرائيلية شبه اليومية التي استهدفته منذ انتهاء وقف إطلاق النار الذي أنهى آخر حرب بين الطرفين عام 2024.
وتقول إسرائيل إن هجوم حزب الله يبرّر إطلاق حملة أوسع ضده، وقد شنّت منذ ذلك الحين مئات الضربات على لبنان. كما تتهم حزب الله باستخدام البنية التحتية المدنية والمناطق السكنية بصورة منهجية لأغراض عسكرية، وهو ما سبق أن نفاه الحزب.
- ضربة إسرائيلية على فندق في بيروت: هل طالت عناصر من "فيلق القدس"؟
- إسرائيل وحزب الله: كيف تؤثر الحرب الدائرة في حياة اللبنانيين؟
رصدت "بي بي سي" يوم الأربعاء سبع ضربات إسرائيلية، إما بسماع دويها أو بالوصول إلى مواقعها. أما الضربات التي عاينا آثارها في النبطية فاستهدفت مناطق لم تكن خاضعة آنذاك لأوامر الإخلاء الإسرائيلية الرسمية، وقال سكان وعناصر من فرق الاستجابة الأولى إنه لم توجه أي تحذيرات مسبقة.
ولم يردّ الجيش الإسرائيلي على طلبات متكررة من "بي بي سي" للتعليق على الأهداف المحددة لهذه الضربات.
وفي موقع أحد الانفجارات، بقيت رائحة حادة عالقة بين أكوام الركام المتناثرة أمام مبنى سكني، فيما قذفت قوة الانفجار الكنبات إلى الخارج.
وبقي حريق صغير مشتعلاً داخل المبنى، لكن المسعفين الموجودين في المكان غادروا مسرعين للاستجابة لضربة أخرى، قائلين إنه لم يسجل قتلى أو مصابون هناك.
وتقدم أحد السكان لتفقد الموقع، وقال إن المبنى كان يضم مدنيين فقط، قبل أن يغادر المكان.
- الضاحية الجنوبية: بيوت "المحرومين" التي بنيت في بساتين الليمون
- "لن أذهب إلى بيروت لأعيش في الشوارع": لبنانيون أمام خيارات الحرب الصعبة
في المبنى المجاور، كانت قطع غسيل منشورة إلى جانب حذاءي طفلين، لكن لم يبد أن أحداً كان في الداخل.
وقبل صدور أوامر الإخلاء يوم الخميس، كانت أجزاء واسعة من النبطية تبدو شبه خالية. فالمدينة، الواقعة على بعد نحو 16 كيلومتراً من الحدود مع إسرائيل، تعد من أكبر مدن جنوب لبنان.
وقد غادرها كثير من السكان خوفاً، آملين العثور على مكان أكثر أمناً في مناطق أبعد شمالاً مع اندلاع الحرب.
وتركزت معظم الضربات الإسرائيلية في جنوب لبنان وشرق سهل البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، وهي مناطق تعد من أبرز مناطق نفوذ حزب الله ومن المناطق ذات الغالبية الشيعية في البلاد. لكن بعض الضربات طالت مناطق أخرى أيضاً، بينها وسط بيروت.
ومع ذلك، بقي بعض سكان النبطية في منازلهم، قائلين إنهم لا يستطيعون تحمل كلفة الانتقال، أو لم يجدوا مكاناً في مراكز الإيواء، أو ببساطة لا يريدون مغادرة بيوتهم.
ومن بينهم عائلة دمر منزلها في إحدى الضربات التي وقعت يوم الأربعاء.
وتقول منى نجم (60 عاماً): "لم نغادر لأننا رأينا على التلفزيون كيف يبقى الناس عالقين على الطرقات والأرصفة، ولم أرد أن يحدث ذلك لحفيدي، فقررت البقاء والتوكل على الله."
وأضافت أن العائلة كانت تتناول الغداء وتشاهد التلفزيون عندما "انهار فجأة نصف المنزل ولم نعد نرى شيئاً، وتحطمت النوافذ والزجاج".
وتقول إنها أمسكت بحفيديها، البالغين سبع سنوات وعشر سنوات، واختبأت معهما في غرفة صغيرة بقيت قائمة، إلى أن وصل المسعفون ونقلوهم إلى مستشفى النجدة المحلي.
وأضافت من سريرها في المستشفى: "نحن ستة أشخاص نعيش في المنزل، وكلنا بخير، الحمد لله. ابني الأكبر داس على قطعة زجاج مكسور لكن إصابته طفيفة. لولا رحمة الله لكان الأمر أسوأ."
- من هو سيمون كرم الذي يرأس الوفد اللبناني التفاوضي مع إسرائيل؟
- هل بدأت الخطوة الأولى من مفاوضات "مباشرة" بين لبنان وإسرائيل؟
في السرير المقابل لمنى، كان ابنها الآخر يضع قناع أكسجين على فمه ولم يكن قادراً على الكلام. وقالت إن ذلك بسبب الصدمة مما حدث.
وأضافت: "لم نغادر في الحرب السابقة وقد اعتدنا الأمر. وحتى في هذه الحرب كان الأطفال أحياناً يلعبون في الخارج تحت الطائرات الحربية. بعد هذه الضربة شعرت بالضيق وخفت عليهم، لكن تبين أنهم أقوى مني"، قالت ذلك بينما كان حفيداها يبتسمان إلى جانبها.
كما تضرر منزل انتصار ياسين (69 عاماً) جراء قوة إحدى الضربات، وكانت داخل شقتها على كرسي متحرك.
وعندما وصلت "بي بي سي" إلى الشقة مع فرق الإنقاذ، بدت انتصار خائفة ومشوشة، وكانت تحاول إزالة بعض الزجاج المتناثر داخل منزلها.
وقالت لاحقاً لـ"بي بي سي" من المستشفى: "كنت خائفة جداً عندما وقع القصف. كنت خائفة أصلاً، وكان قلبي يخفق بشدة من شدة الهلع."
وأضافت أنها كانت تريد المغادرة لكنها لم تكن تعرف إلى أين تذهب. وكانت انتصار قد بترت ساقها قبل عامين بسبب حالة طبية، وكانت تخشى ألا تتوافر في مراكز الإيواء مرافق صحية مهيأة لذوي الإعاقة.
وقالت إنها تأمل الآن أن تنقل إلى مكان تتوافر فيه مرافق مناسبة، أو إلى جهة يمكن أن تقدم لها المساعدة.
وأضافت: "حتى الآن لم تؤثر هذه الحرب علي، لكنها اليوم أثرت."
وفي ضربة أخرى منفصلة وقعت في وقت سابق من يوم الأربعاء، أمضى رجال الإطفاء ساعات وهم يحاولون إخماد حريق كبير اندلع في مبنى سكني يضم متاجر في الطابق الأرضي.
وقال أحد المارة، الذي عرف نفسه باسم أبو محمد: "نحن في سوق وهذه متاجر. يبيعون الأحذية والملابس. كلهم مدنيون."
وفي حين عبر بعض السكان لـ"بي بي سي" عن غضبهم من قرار حزب الله إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل في وقت سابق من هذا الشهر، قال أبو محمد إنه يؤيد الحزب، مشيراً إلى استمرار الضربات الإسرائيلية على لبنان بعد وقف إطلاق النار.
وأضاف: "لم نتمكن من إعادة بناء منازلنا أو العودة إلى قرانا ومدننا بينما كان الإسرائيليون يتحركون هناك بحرية. كان على حزب الله أن يرد. إما أن تقتِل أو تُقتل."
- بعد عام على وقف إطلاق النار، "أم كامل" لا تفارق سماء لبنان
- لبنان: ماذا تحقق من اتفاق وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل؟
تعمل مستشفيات المنطقة حالياً بطواقم محدودة للغاية، إذ يضطر كثير من العاملين إلى الإقامة داخلها.
وفي مستشفى نبيه بري الحكومي، الواقع على تلة في النبطية، يقول العاملون إنهم يسعون إلى نقل المرضى إلى مناطق أبعد شمالاً في أسرع وقت ممكن، حفاظاً على سلامتهم، بعدما لم يعد المستشفى قادراً على العمل بكامل طاقته.
وقال رئيس الممرضين علي أوميس إن التعامل مع حرب جديدة بعد فترة قصيرة فقط أمر مرهق للغاية.
وأضاف: "الوضع عنيف جداً ومكثف كل ليلة. كل ممرضة في هذا المستشفى تشعر بالحزن لما يحدث. نحن متعبون جداً."
ويوم الخميس - بعد يوم واحد من زيارة "بي بي سي" للنبطية - وسّعت إسرائيل أوامر الإخلاء التي كانت قد أصدرتها لجنوب لبنان لتشمل المدينة أيضاً، مطالبة السكان بالتوجه إلى شمال نهر الزهراني. وفي الوقت نفسه، تكثفت الضربات في وسط العاصمة بيروت.
وقالت انتصار إنها ستتجه شمالاً، لكنها تأمل أن تتمكن قريباً من العودة إلى منزلها الذي عاشت فيه طوال 25 عاماً.
وأضافت: "إذا عاد الهدوء، سأرجع."
- إسرائيل لا تتوقع أن ينزع حزب الله سلاحه طوعاً في المهلة الدبلوماسية
- عامٌ على الهدنة بين إسرائيل وحزب الله: لبنان لا يزال تحت النار
- ماذا يعني إلغاء زيارة قائد الجيش اللبناني إلى واشنطن الآن؟