مسلمو سان دييغو بعد الهجوم على مسجد: "ستجعلنا هذه المحنة أقوى"

مسلمو سان دييغو بعد الهجوم على مسجد: "ستجعلنا هذه المحنة أقوى"
BBC
Fri, 22 May 2026 13:19:37 GMT
bbc news arabic header storypage

في نحو الساعة 11:40 بالتوقيت المحلي، تلقت نوال النوري رسالة عبر تطبيق واتساب تبلغها بوجود مسلّح يطلق النار داخل مدرسة ابنتها البالغة من العمر سبع سنوات في المركز الإسلامي بمدينة سان دييغو، حيث نفذ مسلحان هجوماً الاثنين الماضي، أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص في حادثة وصفت بأنها جريمة كراهية.

وقالت: "لم أستوعب إطلاقاً أنه كان مسلحاً يطلق النار بالطريقة التي وصفت لي. كنت في حالة صدمة شديدة، وبقيت متجمدة في المنزل".

أما زوجها، عمر النوري، وهو جرّاح أوعية دموية في مدينة لا جولا المجاورة، فقد تلقى الرسالة نفسها وتوجه مسرعاً إلى المدرسة. وقال لبي بي سي إنه شعر بمزيج من الذهول والارتياح بسبب الوجود الأمني الكثيف عند وصوله إلى المركز، وهو ثاني أكبر مسجد في مقاطعة سان دييغو ويضم مدرسة ابتدائية.

وأضاف: "أنا لست بخير. يلاحقني مشهد المسلحين وهم يدخلون المدرسة ويواجهون طفلتي، أو طفلاً آخر. لا أستطيع أن أطرد هذا المشهد من ذهني".

خلّف الهجوم صدمة عميقة في المجتمع، امتزجت فيها مشاعر الحزن والذعر، لكنه دفع أيضاً إلى موجة من التضامن والدعوات إلى الوحدة بعد المأساة، وإلى التكاتف في إدانة الخطاب المعادي للمسلمين، واستذكار الضحايا والاحتفاء بحياتهم في هذا المركز الذي يعجّ بالحياة.

توافد آلاف الأشخاص من مختلف أنحاء كاليفورنيا والولايات المتحدة للمشاركة في صلاة جنازة عامة الخميس، تضامناً مع المسلمين في المدينة ومواساةً لأسر الضحايا.

وكان من بين الضحايا حارس أمن، وزوج إحدى المعلمات في المدرسة، وصاحب متجر محبوب كان قد اتصل بالطوارئ قبل إصابته. لاحقاً أقدم أحد المشتبه بهما على إطلاق النار على شريكه ثم الانتحار، بينما كانت الشرطة تضيّق الخناق على مركبتهما في حي كليرمونت السكني.

وقالت تازين نظام، من فرع مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية في سان دييغو، وهو أكبر منظمة للدفاع عن الحريات المدنية للمسلمين في الولايات المتحدة: "حتى لو كنت تتوقع أن الأسوأ قد يحدث في مرحلة ما وتستعد له، فإنك لا تتوقع أبداً أن الأمر سيحدث فعلاً".

وتقول لبي بي سي: "لم يكن أحد يتوقع أن يحدث شيء بهذه الخطورة. كان لدينا حارس أمن واحد فقط، وكانت البوابة مفتوحة".

يقع المركز في حي سكني هادئ، قريب من شارع رئيسي مزدحم، وتحيط به منازل عائلية ومدارس وحديقة وأماكن عبادة. ويعيش في المنطقة كثير من المسلمين، من بينهم مهاجرون جدد، وعائلات شابة، وأجيال أكبر سناً.

وقال الدكتور محمد رحمن، وهو من سكان المنطقة ولديه طفلان يدرسان في مدرسة المركز، إنه كان في منزله عندما تبلّغ بوجود مسلّح داخل حرم المدرسة. وكان طفلاه في الملعب وقت إطلاق النار.

وقال لبي بي سي خلال صلاة الجنازة، حيث كان يساعد في تنظيم الحشود: "الآباء والأمهات في حالة حزن. نحن جميعاً مصدومون. الحمد لله، رحمة الله أنقذت هؤلاء الأطفال".

وأضاف: "نحن أقوياء، وقادرون على الصمود، وسنمضي قدماً. هذه هي قوتنا كمجتمع، وستجعلنا هذه المحنة أقوى".

وبعدّ المركز الإسلامي في سان دييغو من أبرز المؤسسات الدينية والاجتماعية للمسلمين في المدينة، الذين يشكّلون أقل من 1 في المئة من سكان منطقة سان دييغو الكبرى، وفق دراسة لمركز بيو للأبحاث شملت عامي 2023 و2024.

وقال مسؤولون إن المشتبه بهما، البالغين 17 و18 عاماً، تحرّكا بدافع "كراهية واسعة"، وإنهما تأثرا بمحتوى متطرف على الإنترنت. وعثر المحققون على كتابات تخصهما تتضمن مضامين معادية للمسلمين وللسامية وللنساء.

كما عثر مكتب التحقيقات الفيدرالي على 30 قطعة سلاح وقوس ونشاب في ثلاثة منازل بالمنطقة يشتبه بارتباطها بالمراهقَيْن اللذين لم تعلن السلطات عن هويتيهما.

وقال عمدة سان دييغو، تود غلوريا، إن الهجوم "يخضع لتحقيق كامل باعتباره جريمة كراهية بدافع تفوق عرقي أبيض".

وأشادت السلطات ببروتوكولات الطوارئ وتدريب الموظفين وإجراءات الاستجابة المنسقة، وقالت إنها ساهمت في إنقاذ 140 طفلاً وموظفاً كانوا داخل الحرم المدرسي.

وأضفت الحشود الكبيرة التي تجمعت يوم الخميس في حديقة قرب ملعب سنابدراغون التابع لجامعة سان دييغو ستيت، شعوراً بالطمأنينة على علي الشاهين، الذي يدرس أطفاله في مدرسة المركز. وتحت شمس كاليفورنيا الساطعة، أدّى المشاركون صلاة الجنازة، وعبّروا عن احترامهم للضحايا أمين عبد الله ونادر عوض ومنصور قزيحة.

وقال لبي بي سي عن الضحايا الثلاثة: "هم السبب في أن أطفالي أحياء اليوم"، مضيفاً أن أطفاله كانوا ينادون عبد الله "العم الشرطي".

ويأمل الشاهين، مثل آباء وأمهات آخرين هناك، أن تدفع هذه المأساة إلى تغيير على مستوى البلاد في ما يتعلق بالعنف المسلح.

وقال: "لا ينبغي لأي طفل أن يمرّ بهذا، أن يسير قرب جثث ودماء".

نشأت الطبيبة آية فطايرجي في سان دييغو وتعمل فيها، وتقول لبي بي سي إنها حضرت الصلاة "للتضامن مع المجتمع بعد هذا العمل البغيض من الكراهية".

ووصفت المجتمع بأنه "متماسك" و"متنوع" في آن واحد، وقالت إنه يضم "أشخاصاً من مختلف دول العالم، ممن ولدوا هنا في الولايات المتحدة، وممن هاجروا إليها".

وأضافت: "إنها مدينة ترحب بثقافات كثيرة. مدينة مسالمة وجميلة، ونرحب فيها بالجميع".

عقب صلاة الجنازة العامة، أُقيمت مراسم دفن منفصلة للضحايا أمين عبد الله ومنصور كازيها ونادر عوض، وذلك في منتزه لا فيستا التذكاري بمدينة ناشونال سيتي في 21 مايو/أيار 2026 بسان دييغو في ولاية كاليفورنيا.
Getty Images
عقب صلاة الجنازة العامة، أُقيمت مراسم دفن منفصلة للضحايا أمين عبد الله ومنصور كازيحة ونادر عوض في منتزه لا فيستا التذكاري بمدينة ناشونال سيتي في 21 مايو/أيار 2026 في سان دييغو بولاية كاليفورنيا.

وأقيمت يوم الثلاثاء وقفة تضامنية في حديقة ليندبرغ القريبة من المركز، حضرها مئات الأشخاص، وتحدث خلالها عدد من المشاركين بكلمات مؤثرة عن "إخوتهم في الإيمان" الذين قتلوا.

وعبّر كثيرون عن امتنانهم لأمين عبد الله، حارس أمن المركز، الذي وصف بالبطل بعدما واجه المسلحين وبدأ إجراءات الإغلاق التي يعتقد أنها حالت دون سقوط عدد أكبر من الضحايا.

وقالت ابنته، حواء عبد الله، خلال ظهور إعلامي يوم الثلاثاء وهي محاطة بإخوتها السبعة، إن والدها كان يريد للمجتمع أن يكون متكاتفاً.

وأضافت: "كان يريد لنا جميعاً أن نكون أفضل، أياً كنّا، ومهما كانت هويتنا. كان يريدنا أن نكون أفضل، وهذا بالضبط ما آمل أنا وعائلتي، وكل شخص هنا، أن نسعى إليه كل يوم: أن نجعل هذا العالم مكاناً أفضل".

وقال الإمام طه حسّان، مدير المركز الإسلامي في سان دييغو، إن المركز اعتاد تلقي رسائل كراهية، وإنه شاهد أشخاصاً يشتمون وهم يمرون بسياراتهم قربه، لكنه لم يتوقع أبداً وقوع جريمة "بهذه الفظاعة".

وقال لبي بي سي بعد صلاة الجنازة: "لم أتوقع أبداً أن يدخل مسلح إلى دار عبادتنا. أعرف ما يجري في العالم، ورأيت حوادث إطلاق نار تقع في دور عبادة ومدارس ومراكز تجارية. لكن أن يحدث ذلك هنا؟ هذا لم يخطر في بالي قط".

أما رئيس مجلس القيادة الإسلامية في سان دييغو، عبد الله طاهري، فقال إنه لا يستطيع القول إنه تفاجأ، رغم شعوره بالصدمة. وحمّل مسؤولية إراقة الدماء لمناخ سياسي مشحون "تسامح مع المشاعر المعادية للمسلمين، وطبّعها، وأدخلها في مؤسسات الدولة، وجعلها ممارسة روتينية، بل واستخدمها كسلاح" على مدى سنوات.

وقال طاهري في مؤتمر صحفي يوم الثلاثاء: "عندما ينزع مسؤولون في أعلى مستويات الحكم الصفة الإنسانية عن المسلمين، ويصوّرون مؤسساتنا على أنها تهديد، ويتعاملون مع مجتمعنا بريبة، فإنهم يمهدون الطريق للعنف الفعلي الذي شهدناه".

وقال طاهري وآخرون في الفعالية إن المجتمع لن يخضع للترهيب.

وأضاف: "سنحزن، وسنتعافى، وسنواصل الوقوف بثبات، متمسكين بالعدالة والكرامة وبإيماننا ودعمنا الراسخين لتقاليدنا الدينية".

المركز الإسلامي في سان دييغو
Reuters

وقال إمام آخر في المركز، الدكتور سعد الدغيوي، إن المركز يخدم المجتمع بأكمله وليس المسلمين فقط.

وأضاف: "لن نتوقف، سنمضي قدماً هذا وطننا، هذه بلادنا، نحن هنا لننشر الحب".

وتابع قائلاً: "خطاب الكراهية يؤدي إلى جرائم كراهية، ويؤدي إلى الإرهاب والتطرف، ونحن هنا لمكافحة كل ذلك بكل الوسائل القانونية وبكل الطرق السلمية".

وبعد يومين من حادث إطلاق النار، أعيد فتح المسجد لإقامة الصلوات اليومية، بينما لا يزال المكتب الإداري والملاعب وأجزاء أخرى من المجمع مغلقة حتى إشعار آخر.

وكان الفصل الدراسي في المدرسة على وشك الانتهاء، لكنه أنهي مبكراً عقب الهجوم.

ورفع نصب تذكاري مؤقت على الرصيف أمام بوابات المركز، فيما لا تزال سيارات الشرطة تجوب المنطقة المحيطة بالمؤسسة الواقعة في جنوب كاليفورنيا.

عاد عمر النوري إلى المدرسة برفقة ابنته مايا لاستلام حقيبتها المدرسية، وذلك بعد نحو خمس ساعات من وقوع الهجوم، حين أعيد لمّ شملها مع عائلتها.

وكانت مايا ضمن نحو 20 طفلاً في صفها شاركوا في تنفيذ إجراءات الإغلاق الطارئ التي تدربوا عليها مسبقاً. وروت لوالديها كيف انتشرت الشرطة في المدرسة وكسرت باب الصف، وكيف اصطف الأطفال للخروج إلى مكان آمن.

وقالت نوال النوري: "قالت المعلمة إن الأطفال، عموماً، أصغوا إلى التعليمات وتصرفوا بشكل رائع. وهذا كسر قلبي نوعاً ما، لأنني فكرت في المعلمين، وكم كانوا خائفين. ومع ذلك كانوا فخورين جداً بالتلاميذ".

وأضاف عمر النوري: "كنت فخوراً بها جداً". وتابع: "أكبر مخاوفي وقلقي الآن هو أن تصبح خائفة من العودة إلى المدرسة أو المسجد".

bbc footer storypage
Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon