هل انتهت الحرب أم تغيرت أدواتها؟
د. ضحى السدخان
يذهب كثير من المحللين إلى اعتبار الاتفاق الأمريكي–الإيراني نهاية لمرحلة من التوتر، إلا أن القراءة الجيوسياسية تقدم تفسيراً مختلفاً. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب لا تنتهي دائماً بتوقيع الاتفاقيات، وإنما قد تنتقل من ساحات القتال إلى ميادين الاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية والنفوذ السياسي.
لقد شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولاً في مفهوم القوة. فلم تعد القوة العسكرية وحدها معيار التفوق، بل أصبحت القوة الاقتصادية، والسيطرة على التكنولوجيا، والتحكم بالممرات البحرية، والأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد العالمية، عناصر لا تقل أهمية عن الجيوش والأسلحة.
ومن هذا المنطلق، فإن الاتفاق بين واشنطن وطهران لا يعني انتهاء التنافس، وإنما انتقاله إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها أدوات الضغط الاقتصادي مع التنافس على النفوذ الإقليمي، وتصبح العقوبات والاستثمارات والتحالفات أدوات لإعادة رسم موازين القوى.
الشرق الأوسط... من ساحة صراع إلى ساحة تنافس اقتصادي؟
إذا استمرت التهدئة، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة يكون فيها الاقتصاد هو المحرك الرئيس للعلاقات الإقليمية. فالدول التي استنزفتها الحروب بدأت تدرك أن استمرار الصراع يبدد الموارد ويؤخر التنمية، في حين أن التعاون الاقتصادي يمنحها فرصاً أكبر لتحقيق الاستقرار.
وقد نشهد خلال السنوات المقبلة تنافساً على إنشاء الموانئ، وتطوير الممرات التجارية، وربط شبكات الطاقة والسكك الحديدية، بدلاً من التنافس على توسيع ساحات المواجهة العسكرية. وستصبح الجغرافيا الاقتصادية أكثر تأثيراً من الجغرافيا العسكرية في تحديد مكانة الدول.
لكن هذا التحول لن يكون سهلاً، لأن تراكمات العقود الماضية لا تزول بتوقيع اتفاق واحد. فما زالت هناك ملفات معقدة تتعلق بالأمن الإقليمي، والثقة المتبادلة، وبرامج التسلح، ودور الفاعلين غير الحكوميين، وكلها عوامل قد تعرقل مسار الاستقرار إذا لم تُعالج ضمن رؤية إقليمية شاملة.
العراق... من دولة عبور إلى دولة محور
يحتل العراق موقعاً جغرافياً لا تمتلكه أي دولة أخرى في المنطقة، فهو يتوسط المشرق العربي، ويربط الخليج بتركيا، ويقع على تماس مع إيران وسوريا والأردن والكويت والسعودية. وهذه الخصائص الجغرافية تمنحه إمكانات كبيرة ليكون محوراً للتجارة والطاقة والنقل.
غير أن الجغرافيا وحدها لا تصنع النفوذ، بل تحتاج إلى استقرار سياسي، وإدارة اقتصادية، وبنية تحتية متطورة، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.
فإذا نجحت الدولة العراقية في استثمار مرحلة التهدئة الإقليمية، فإن مشاريع مثل طريق التنمية، وربط الموانئ العراقية بشبكات السكك الحديدية الإقليمية، يمكن أن تحول العراق إلى عقدة لوجستية بين الخليج وأوروبا. أما إذا استمرت الأزمات الداخلية، فإن هذا الموقع قد يبقى مجرد ميزة غير مستثمرة.
الدرس الجيوسياسي من الاتفاق
إن أحد أهم الدروس التي تكشفها هذه المرحلة هو أن العقوبات والحروب، مهما طالت، لا تستطيع وحدها إنتاج حلول دائمة، كما أن امتلاك القوة العسكرية لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية.
فالسياسة الدولية تحكمها معادلة دقيقة بين الردع والتفاوض، وبين المصالح والضغوط، وبين الجغرافيا والاقتصاد. ولذلك فإن الاتفاقات لا تُقاس فقط بما تتضمنه من بنود، بل بقدرتها على إعادة صياغة البيئة الإقليمية وفتح مسارات جديدة للتعاون.
ومن هنا، فإن الاتفاق الأمريكي–الإيراني، إذا كُتب له الاستمرار، قد يشكل بداية لتحول تدريجي في طبيعة العلاقات داخل الشرق الأوسط، من علاقات يغلب عليها الصراع إلى علاقات تتزايد فيها أهمية الاقتصاد والتكامل الإقليمي.
رؤية استشرافية حتى عام 2040
إذا استمرت التهدئة وتعززت الثقة، فمن المرجح أن يشهد الشرق الأوسط تغيرات مهمة خلال العقدين المقبلين، منها:
- تراجع نسبي في احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة بين القوى الإقليمية.
- توسع مشاريع النقل والطاقة والربط الإقليمي.
- ازدياد المنافسة على الموانئ والممرات التجارية بدلاً من خطوط المواجهة العسكرية.
- تنامي دور القوى الآسيوية، ولا سيما الصين والهند، في استثمارات الطاقة والبنية التحتية.
- انتقال جزء من التنافس الدولي إلى مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
أما العراق، فإن مستقبله سيتوقف على قدرته في الانتقال من اقتصاد ريعي يعتمد على النفط إلى اقتصاد منتج ومتصل بالمحيط الإقليمي، وعلى نجاحه في تحويل موقعه الجغرافي إلى مصدر قوة استراتيجية.
فإن الاتفاق الأمريكي–الإيراني ليس حدثاً سياسياً عابراً، بل يمثل محطة مفصلية في مسار إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. غير أن نجاحه لن يقاس فقط بوقف إطلاق النار أو تخفيف العقوبات، وإنما بقدرته على إنتاج بيئة مستقرة تسمح لدول المنطقة بإعادة توجيه مواردها نحو التنمية بدلاً من الصراع.
ويبقى العراق أمام فرصة تاريخية نادرة. فالجغرافيا منحته موقعاً لا يتكرر، لكن استثمار هذا الموقع يتطلب إرادة سياسية، ورؤية اقتصادية، وسياسة خارجية متوازنة، تجعل منه جسراً للتعاون بدلاً من أن يبقى ساحة لتصفية الحسابات.
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي تستثمر موقعها الجغرافي في بناء المصالح المشتركة هي التي تصنع نفوذها الحقيقي، أما الدول التي تكتفي بردود الأفعال فإنها تبقى رهينة لتحولات الإقليم مهما تبدلت التحالفات أو تغيرت الاتفاقات.
ومن هنا، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل الشرق الأوسط ليس: هل انتهت الحرب؟ بل: هل تمتلك دول المنطقة القدرة على تحويل التهدئة إلى مشروع إقليمي للتنمية والاستقرار؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم ملامح الشرق الأوسط في العقود القادمة، وهي التي ستحدد ما إذا كان الاتفاق يمثل بداية عهد جديد، أم مجرد هدنة في صراع لم تنتهِ أسبابه بعد.