نساء العراق.. ذاكرة السيادة
خديجة الحمداني
منذ عام 2003، لم تكن المرأة العراقية مجرد متلقية للتحولات التي مر بها البلد، بل كانت في كثير من الأحيان في قلبها، تحمل آثارها داخل البيت والأسرة والمجتمع، وتعيش تفاصيلها اليومية بصمت لا يظهر دائماً في الخطاب السياسي.
سنوات طويلة مرّت على العراقيات محملة بذكريات مختلفة؛ أم عاشت الخوف على أطفالها، وزوجة فقدت شريك حياتها، وامرأة اضطرت إلى إعالة أسرتها، وأخرى تركت منزلها بسبب النزوح، ثم بدأت من جديد في مكان لم تختره.
كانت المرأة حاضرة في تفاصيل الأزمات اليومية، من توفير احتياجات الأسرة إلى متابعة تعليم الأطفال، ومحاولة الحفاظ على تماسك البيت في أوقات لم يكن فيها الاستقرار أمراً مضموناً. ومع كل أزمة، كانت مسؤولياتها تكبر، حتى أصبحت كثير من النساء المعيل الأساسي لأسرهن.
ولم يكن النزوح مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كان تجربة اجتماعية تركت آثاراً طويلة. فقدت عائلات منازلها ومصادر رزقها، وتعرض أطفال للانقطاع عن الدراسة، بينما وجدت النساء أنفسهن أمام مسؤولية إعادة بناء حياة الأسرة من جديد.
لكن السنوات ذاتها كشفت جانباً آخر من حياة المرأة العراقية؛ فقد دفعت الظروف بعض النساء إلى دخول سوق العمل، وإكمال التعليم، والمشاركة في النشاطات المجتمعية، وتحمل أدوار كانت في السابق محصورة في نطاق أضيق.
وبينما كانت صورة العراق تتغير سياسياً وأمنياً، كانت صورة المرأة داخل المجتمع تتغير أيضاً. لم تعد المرأة في كثير من الأسر مجرد فرد يعتمد على الآخرين، بل أصبحت صاحبة قرار، وموظفة، ومعيلة، وناشطة، وأماً تحاول أن تمنح أبناءها مستقبلاً أكثر استقراراً.
ومن هذه الزاوية، تبدو السيادة مفهوماً يتجاوز السياسة. فالسيادة التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية ترتبط بقدرته على العيش بأمان، وبحق أسرته في التعليم والعمل والخدمات، وبقدرة المرأة على حماية نفسها وأطفالها وبناء مستقبلها دون أن تكون الأزمات المتكررة هي التي تحدد خياراتها.
وبعد أكثر من عقدين على 2003، تحمل النساء العراقيات ذاكرة واسعة عن بلد تغيّر كثيراً. ذاكرة لا تتحدث فقط عن الحروب والأزمات، وإنما عن الصمود أيضاً؛ عن أمهات ربين أبناءهن في ظروف صعبة، وعن نساء واصلن العمل والدراسة، وعن أسر حاولت أن تبدأ من جديد كلما أغلقت أمامها أبواب كثيرة.
ولذلك، فإن الحديث عن سيادة العراق لا يكتمل من دون الاستماع إلى ذاكرة نسائه. فخلف العناوين السياسية هناك قصص يومية لنساء عشن التحولات، وتحملن نتائجها، وواصلن الحياة رغم كل ما مر بهن.
نساء العراق.. ذاكرة السيادة، ليست فقط ذاكرة لما حدث، بل شهادة على قدرة المرأة العراقية على البقاء، وتحمل المسؤولية، وصناعة الأمل داخل أسرتها ومجتمعها.