موعظة لمن له حظّ في الاتعاظ

موعظة لمن له حظّ في الاتعاظ

فارس حامد عبد الكريم

2026-09-08T10:31:13+00:00

«يمرّ الإنسان في كل سنة بتاريخ وفاته وهو لا يعرفه».

رسالة إلى أكلة أموال الشعب

أيها الفاسد…

قد يكون اليوم الذي تمدّ فيه يدك إلى مال الشعب، أو تختلس فيه حق فقير، أو تستغل فيه منصبك، هو نفسه اليوم الذي كُتب فيه موعد وفاتك المحتوم … وأنت لا تعلم.

فماذا ستأخذ معك؟

لن تأخذ المنصب، ولن يحمل معك القبرُ جاهك، ولن تنفعك الأموال التي جمعتها بالحرام. ستترك كل شيء وراءك، ثم تقف وحيداً أمام حساب لا تُشترى فيه الذمم، ولا تُزوَّر فيه الحقائق، ولا يُسكت فيه الشهود.

حين يُستغل الدين ستاراً للفساد:

الدين في جوهره يدعو إلى الأمانة والعدل وصيانة حقوق الناس، والمتدينون الصادقون أبعد ما يكونون عن الظلم وأكل المال الحرام.

لكن المشكلة تبدأ حين يرتدي بعض الفاسدين سربال الدين غطاءً لأفعالهم، فيرفعون شعارات التقوى والأخلاق، بينما يمارسون ما يناقضها من فساد وسرقة للمال العام.

هنا قف وتذكر قبل فوات الآوان ان الدين ليس رداءً تُغطى به الرشاوى والعمولات ...، ولا شعاراً يُرفع لخداع الناس، ولا مظهراً تُخفى خلفه الصفقات المشبوهة.

والشرع الذي تزعم انك تنتمي إليه زوراً وبهتاناً هو نفسه الذي حرّم السحت والحرام، وحرّم الظلم والاعتداء على حقوق الناس.

أفتؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض؟

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

فأين مكارم الأخلاق ممن يسرق قوت الناس، ويستغل وظيفته، ويبيع الحق بالرشوة، ويقدّم بالمحسوبية والمنسوبية الأقارب والأتباع على أصحاب الكفاءة؟ مخترقاً مبدأً منصفاً عادلاً اجتمعت عليه الأديان والبشرية

جمعاء ألا وهو "مبدأ تكافؤ الفرص"

هل تعلم ان الفساد ليس ذنباً فردياً؟

اعلم أن الفساد ليس مجرد ذنب يرتكبه فرد ثم ينتهي أثره عنده، بل هو جريمة مركبة تمتد آثارها إلى المجتمع كله.

فالمال الذي يدخل جيبك بالحرام قد يكون دواءً حُرم منه مريض.

والرشوة التي تتقاضاها هي حق هدمته، وباطل نصرته.

والمحسوبية التي تمارسها هي اغتيال حقيقي لكفاءة تستحق الفرصة، وفتح للباب أمام من لا يستحق.

والصفقة الفاسدة التي تمررها اليوم قد تتحول غداً إلى مشروع فاشل يدفع الشعب ثمنه سنوات من الخراب.

والوظيفة التي تمنحها لمن لا يستحق قد تكون سبباً في حرمان أسرة كاملة من حقها في حياة كريمة.

ثم نتساءل:

لماذا ينتشر الفقر؟

لماذا تتدهور الخدمات؟

لماذا تضيع الكفاءات؟

لماذا يفقد الناس ثقتهم بالدولة والقانون؟

إننا نعرف الجواب.

إنها النتائج الطبيعية لما تقترفه أيدي الفاسدين.

فالفساد لا يسرق المال فقط، بل يسرق ثقة المواطن بالدولة، وثقة المجتمع بالقانون، وثقة الناس بالمؤسسات، وعندها يشعر المواطن أن القانون لا يُطبق إلا على الضعفاء

وحين يصبح الفساد علنياً بلا خوف ولا خجل،

هنا تحل النتائج الأخطر على المجتمع:

أن يصبح الفساد ثقافةً يتعلمها الصغار من الكبار.

الحساب الأرضي… والحساب الأخير

قد تنجح في خداع المحقق.

وقد تخفي الوثائق.

وقد تشتري صمت من حولك.

وقد تفلت من حساب الدنيا بسبب نفوذ أو منصب أو شهود زور.

لكن هناك شيئاً لن تستطيع الهروب منه:

أثر جريمتك في حياة الناس، وحقوق المظلومين، ودعوات الذين أكلت حقوقهم.

فهل أعددت جواباً حقيقياً، لا شكلياً، ليوم تُسأل فيه:

من أين اكتسبت هذا المال؟

وبأي حق حرمت الآخرين؟

وكم مريضاً حُرم من العلاج بسبب فسادك؟

وكم فقيراً ازداد فقراً بسبب سرقتك؟

وكم مشروعاً تعطّل لأنك جعلت المصلحة العامة سلعةً للبيع؟

ردّوا الحقوق إلى أصحابها.

وأعيدوا المال العام إلى الشعب.

ولا تجعلوا الدين، الذي جاء لإقامة العدل والأخلاق، ستاراً يُستغل لتبرير الظلم أو خداع الناس.

وتذكروا دائماً:

قد تمرّ كل سنة بيوم وفاتك دون أن تعرف أنه يومك.

فلا تجعل آخر ما تتركه وراءك مالاً حراماً، ومظالم، ودموع فقراء، ودعوات مظلومين.

وتذكر قول الامام علي عليه السلام:

(( ما أكثر الوعّاظ وأقل المتعظين ))

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon