مهندس في حقل ألغام.. قراءة في زيارة نيجيرفان بارزاني لبغداد

مهندس في حقل ألغام.. قراءة في زيارة نيجيرفان بارزاني لبغداد

علي حسين فيلي

2026-05-10T11:07:28+00:00

في السياسة، لا تُحل الأزمات دائماً بالقوة، ولا تُحسم فقط بتغيير موازين النفوذ، بل تبدأ أحياناً من تغيير طريقة التفكير بالخصومة نفسها، فحين يتحول الخصم من عدو يجب إقصاؤه إلى طرف يمكن التفاهم معه، تفتح السياسة باباً لم تكن تراه لغة الصراع.

في هذا السياق، يمكن قراءة اللقاءات التي أجراها رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، في بغداد مؤخراً بوصفها محاولة لإعادة تعريف طبيعة العلاقة بين بغداد وأربيل. فهي لم تكن مجرد نشاط دبلوماسي، بل عكست توجهاً يسعى إلى الانتقال من منطق الصراع الصفري إلى التوافق العملي. ففي لحظة تضغط فيها الأزمات المالية، وتتصاعد فيها الشعبوية، ويضيق فيها المجال العام في الإقليم وبغداد، جاء هذا الحراك تعبيراً عن مسعى للبحث عن حلول عملية لأزمات مزمنة، بعيداً عن لغة التصعيد السهلة.

لطالما سادت قناعة لدى بعض الفاعلين السياسيين بأن بغداد لا تستجيب إلا تحت ضغط موازين القوة. وهي قراءة تستند إلى تجارب تاريخية شهدت تغليب منطق القوة على منطق القانون. غير أن التحولات الكبرى، خاصة في المراحل الحرجة، غالباً ما تتشكل في المساحة الفاصلة بين العاطفة الجماهيرية والعقلانية السياسية. فبينما تحرك الأولى الشارع، تظل الثانية أكثر قدرة على حماية الدولة وضمان استمراريتها.

من هنا، يبدو أن تبني رئاسة الإقليم لخطاب مؤسساتي هادئ يمثل محاولة للانتقال من المطالبات الانفعالية إلى إدارة واقعية للحقوق الدستورية. وهو تحول لا يخلو من التحديات، خصوصاً في بيئة سياسية اعتادت على الخطاب الحاد، وقد تنظر إلى التهدئة بوصفها تراجعاً أو ضعفاً، رغم أنها قد تكون في حقيقتها تعبيراً عن قراءة أكثر براغماتية لموازين القوى. وهي ضرورة ملحة لشعب مثل الشعب الكوردي، الذي يعيش منذ أكثر من قرن في دوامة الحرب والهوية والبحث عن الضمانات.

التجارب التاريخية تقدم نماذج مهمة في هذا السياق. فمسار نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا أظهر أن الحفاظ على الاستقرار قد يتطلب تجاوز لغة الانتقام لصالح منطق التعايش. وفي التاريخ الكوردي المعاصر، يبرز قرار العفو العام بعد انتفاضة 1991 بوصفه واحداً من أهم نماذج تجاوز الحقد السياسي. فالقرار الذي اتخذته قيادة الجبهة الكوردستانية، وفي مقدمتها الراحل جلال طالباني والسيد مسعود بارزاني، لم يكن تفصيلاً إدارياً، بل تحولاً تاريخياً ساهم في تجنب دوامة انتقامية واسعة، وجعل من التسامح قاعدة لبناء كيان جديد بدلاً من تحويل الذاكرة إلى وقود لصراع لا ينتهي.

واليوم، يمثل نيجيرفان بارزاني في هذه المعادلة نموذجاً للدبلوماسية الرزنة. فبدلاً من الظهور بلغة التهديد والشعارات القومية العالية، يختار لغة المصالح المشتركة والدستور والتفاهمات المتدرجة. وعلى الرغم من أن هذا النموذج يواجه داخل كوردستان عراقيل كبيرة بسبب ثقل التاريخ الدموي وعلو صوت الشعبوية، فمن الطبيعي أن يرى قسم من المجتمع الكوردي في هذه اللغة الدبلوماسية نوعاً من التراجع أو التقصير.

لكن وسط هذا الركام من الفرص المحترقة، ينشغل نيجيرفان بارزاني بأسلوبه المعتاد في إيصال رسالة مهمة إلى الجيل الجديد. فالاختبار الأصعب لا يكون دائماً في خوض الحروب، بل في بناء السلام ومنع الانهيار.

حكم التاريخ على هذه المرحلة لن يكون رحيماً. فالتاريخ لا يتوقف طويلاً عند الذين أطلقوا أكبر عدد من الشتائم ضد خصومهم، بل عند الذين استطاعوا استخراج السلام من قلب العداوة. وما يفعله نيجيرفان بارزاني في بغداد والعواصم الإقليمية يشبه عمل مهندس بناء وسط منطقة مزروعة بالألغام، منشغل بالحفاظ على كيان سياسي ودستوري اسمه إقليم كوردستان. وهذا فعل يحتاج إلى جرأة لا يخشى صاحبها أن يُتهم بالضعف.

وعلى الرغم من صعود التطرف والعاطفة السياسية، فإن مسار التاريخ يتجه نحو النموذج الذي يراهن عليه نيجيرفان بارزاني ومن يشاركونه هذا النهج، أي الانتقال من معادلة فرض الإرادة إلى التكامل الاستراتيجي، بما يجعل الإقليم منطقة أكثر استقراراً داخل العراق في ظل الصراع القائم على الوجود والهوية.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon