من ذاكرة الضوء إلى عتمة المهملات: نفق ساحة التحرير... جرح معلق في قلب بغداد
صادق الازرقي
تحت وقع أقدام المارة وفي عمق الذاكرة البغدادية، كان نفق المشاة في ساحة التحرير يوما شريانا نابضا بالحياة، وممرا آمنا يختصر مسافات العبور بين صخب الباب الشرقي ودفء أبي نواس. هكذا عرفه جيل الأمس، منسوجا بنظافة الأمل ورونق المدينة، غير أن الزمن استدار، ليرتد هذا الممر الحيوي إلى قاع الإهمال، ويتحول من أيقونة حضارية تجمع الشوارع والقلوب، إلى مكب للنفايات والنسيان، يختزل في زوايا معتمة حكاية بغدادية حزينة تكررت سيناريوهاتها في أنفاق مشاة أخرى، وكأن المدينة تبكي ماضيها تحت الأرض.
في سبعينات القرن الماضي وبالتحديد في عام 1972 أنشأ نفق المشاة في ساحة التحرير في الباب الشرقي وسط العاصمة بغداد وهو أحد أهم الأنفاق الحيوية في المدينة، كما انشأت أنفاق مماثلة في مناطق اخرى وجسور مشاة بعضها كهربائية في بعض المناطق من أهمها مجسر باب المعظم؛ وقد تحول نفق التحرير منذ أكثر من عقدين وحتى الآن إلى مكب نفايات بائس يمر بقربه المشاة ويتحسرون عليه وعلى ماضيه، وكذلك جسور المشاة رفعت جميعها تقريبا حتى من المناطق المزدحمة التي تشهد حركة سيارات نشطة ما أدى إلى وقوع حوادث ذهب ضحيتها كثير من الارواح.
إن حالة التراجع في مرافق بغداد الحيوية، مثل نفق ساحة التحرير وجسور المشاة، تعكس أزمة معقدة في الإدارة المدنية والسياسات العامة في العراق، ولا تتعلق بالتمويل.
المشاريع في بغداد اليوم تدار بالمزاجية بدلا من المخطط الأساس، فعندما تهدم جسور المشاة، أو يحول نفق تاريخي إلى مكب نفايات، فإن ذلك يعني غياب الرؤية الحضرية التي تعد المشاة جزءا من الحركة المرورية، نحن نشهد استبدال التخطيط العلمي بـالارتجال السياسي، اذ تنفذ المشاريع في أماكن ليست بحاجة لها وتترك المناطق الحيوية لتتآكل.
وفي الحقيقة ان بغداد اليوم بحاجة إلى ما هو أكثر من مجرد ترميم للأنفاق؛ فهي بحاجة إلى إعادة هيكلة حضرية تجعل الإنسان والخدمة العامة المعيار الأول في كل قرار إداري أو مالي، فهناك تقاطع خطير بين تسييس المشاريع وضعف او حتى غياب المؤسسات.
من أسباب هذا المشهد غياب الرؤية الشاملة اذ تعاني العاصمة من سياسة المعالجات الترقيعية بدلا من التخطيط الاستراتيجي الشامل، والمشاريع التي تنفذ غالبا ما تكون استجابات آنية لأزمات محددة، من دون دراسة تأثيرها على المدى البعيد أو تكاملها مع البنية التحتية القائمة. والنتيجة تكون بإنفاق مبالغ طائلة على مشاريع لا تنهي الاختناقات بل تنقلها من تقاطع إلى آخر.
تشهد بغداد نموا سكانيا متسارعا وتوسعا عمرانيا أفقيا غير منظم، مما يضع ضغوطا هائلة على مرافق صممت لعقود سابقة وبطاقة استيعابية محدودة. البنية التحتية الحالية، بما في ذلك الأنفاق والطرق، لم تعد تتناسب مع حجم المركبات والناس الهائل الذي يتضاعف باستمرار.
من الاعتيادي القول ان هناك فرقا جوهريا بين بناء مرفق جديد وصيانته؛ ففي حين تتوجه الأنظار دائما نحو المشاريع الجديدة التي قد تحمل طابعا استثماريا أو إعلاميا، يجري إهمال برامج الصيانة الوقائية والتصحيحية التي تضمن ديمومة المرافق، هذا الإهمال، فضلا عن ملف المشاريع المتلكئة الناتج عن الفساد، وسوء الإدارة، وضعف الشركات المنفذة، يؤدي إلى تراكم التكاليف وضياع الموارد.
ما يزال الفساد الإداري والمالي يمثل عائقا أمام تنفيذ المشاريع بالمواصفات الفنية المطلوبة وفي توقيتاتها الزمنية، كما أن تعاقب الأزمات السياسية والحروب دمر أجزاء كبيرة من البنية التحتية وجعل عملية إعادة البناء محفوفة بالتحديات القانونية والبيروقراطية، مما يعزز الفجوة بين الإيرادات النفطية والخدمات المقدمة على أرض الواقع.
إن التباين بين الإيرادات الضخمة والواقع الخدمي المتردي يعود إلى أن إدارة الدولة ما تزال تفتقر إلى إدارة مرافق قائمة على التخطيط العلمي، والبيانات، والمساءلة؛ والتحول الحقيقي يتطلب تفعيل الأنظمة الذكية لإدارة المرور والخدمات، و التحول من المشاريع الإسمنتية إلى التخطيط الحضري المستدام الذي يشمل النقل الجماعي كبديل للحلول الفردية، وإيجاد آليات لمحاسبة الشركات المنفذة والجهات الرقابية عن تقصيرها في حماية المال العام وصيانة المنجز.
وعندما يكون التمويل متاحا بكثرة عبر النفط من دون وتواجد سلطة رقابية مستقلة أو نظام شفاف للمناقصات، يتحول المشروع من حاجة مجتمعية إلى فرصة للربح. وهذا ما يفسر لماذا نرى مشاريع تستهلك المليارات وتنهار بعد أشهر، أو مشاريع لا تحل أزمة حقيقية بل هي مجرد واجهات لتمرير صفقات، في حين تهمل مشاريع الصيانة البسيطة التي لا تجذب أطماع الفاسدين لأنها لا توفر هامش ربح مغر، ومن ذلك نفق المشاة في التحرير والانفاق المماثلة في مناطق بغداد الاخرى.
إن ما كشف مؤخرا عن ملفات الفساد هو غيض من فيض، والمشكلة ليست في نصوص القوانين، بل في حصانة الفاسدين وتداخل المصالح، فحينما تفقد الرقابة قدرتها على المحاسبة، تصبح ميزانية الدولة مجرد خزنة مفتوحة، ويصبح المواطن هو الضحية الذي يعاني من غياب جسور المشاة والأنفاق ويواجه الخطر في كل مرة يحاول فيها عبور الطريق.
بغداد، بتاريخها وعمقها، تعامل اليوم كأنها موقع للبناء العشوائي وليست عاصمة تتطلب معايير هندسية وحضرية صارمة، وعندما يجري التخلي عن المرافق القديمة (مثل نفق مشاة التحرير) من دون بديل حقيقي، فإن المدينة تفقد ذاكرتها وجماليتها، وتتحول من فضاء عام مشترك إلى ساحة للمخاطر اليومية.
المفارقة التي يجب ذكرها، انه في أيام الاحتجاجات الشعبية في تشرين 2019 قام المتظاهرون بتنظيف نفق التحرير وفتحوا المرافق "التواليتات" وجرى استعمالها، ونحن شاهدون على ذلك، ولكن بعد انتهاء الاحتجاجات وعودة الحكومة عاد الإهمال اليه من جديد وحتى الآن.