مقاربة تاريخية–فقهية لمفارقة المساواة القرآنية والتفضيل القبلي
د. جوتيار تمر
تقرر القاعدة القرآنية في التفاضل الإنساني مبدأ يقوم على نفي الامتياز القائم على النسب والقبيلة، وربط الكرامة عند الله بالتقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾؛ وإن كان سياق الكرامة أخرويا في الأصل، إلا أن توجيه الخطاب إلى "يا أيها الناس" وتقديمه قاعدة عامة يمنحه بعدا معياريا يتجاوز المجال الوعظي إلى تنظيم الاعتبار بين البشر في المجال الاجتماعي أيضا؛ فالقرآن لم يقدم القبيلة بوصفها معيار تفاضل، وإنما باعتبارها إطارا للتعارف الاجتماعي: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، بما يعني أن الانتماء القبلي ظل في التصور القرآني عنصر تعريف اجتماعي لا أساسا للسيادة أو الاستحقاق السياسي والديني.
ومن الضروري هنا التمييز بين ثلاثة مستويات متداخلة في التجربة العربية الإسلامية المبكرة: مستوى النص القرآني بوصفه حاملا لمبدأ معياري عام، ومستوى الاجتهاد الفقهي الذي حاول تفسير الواقع وتنظيمه ضمن شروطه التاريخية ، ومستوى التوظيف السياسي الذي ارتبط بصراعات السلطة وتوازنات الجماعة؛ فليس كل ما استقر في المدونة الفقهية- السلطوية -، يمثل بالضرورة الامتداد المباشر للمبدأ القرآني، كما أن كثيرا من التصورات السياسية التي اكتسبت لاحقا طابعا دينيا كانت في أصلها استجابات تاريخية لواقع اجتماعي وقبلي عروبي معين؛ ومن هنا فإن قراءة مسألة القرشية لا تتعلق بالطعن في النص المؤسس، بقدر ما تتعلق بتحليل الكيفية التي أعيد من خلالها تشكيل بعض المبادئ داخل البنية السياسية للدولة العربية الإسلامية المبكرة.
غير أن التطور التاريخي للدولة العربية الإسلامية أظهر حضور الاعتبار القبلي داخل المجال السياسي والفقهي بصورة متزايدة؛ فقد ظهرت نصوص نبوية وآثار سياسية مبكرة استدل بها في تفضيل قريش في باب القيادة، من أشهرها حديث: "الأئمة من قريش"؛ وقد تعامل جمهور واسع من الفقهاء – السلطوية - مع هذا الحديث بوصفه سندا شرعيا لتقديم القرشية في الإمامة، غير أن دلالته ظلت محل نقاش بين العلماء والباحثين؛ إذ اتجهت بعض القراءات إلى فهمه باعتباره توصيفا لواقع التوازنات القبلية ومركزية قريش في المجتمع العربي آنذاك، أكثر من كونه تشريعا سياسيا مطلقا صالحا لكل زمان؛ كما أن توظيفه السياسي المبكر في سياق الصراع على السلطة أسهم في تحويله تدريجيا من نص مرتبط بظرف تاريخي معين إلى قاعدة فقهية أكثر عمومية واستمرارا.
ومع ترسخ هذا التصور، أصبح النسب القرشي عنصرا معتبرا في باب السلطة السياسية، إلى جانب اعتبارات الكفاءة والدين والمصلحة العامة؛ غير أن الإشكال لا يتوقف عند حدود التمييز بين المجال الأخلاقي والمجال السياسي؛ لأن القاعدة القرآنية لم تطرح بوصفها موعظة روحية معزولة، بل باعتبارها مبدأ عاما موجها إلى الناس كافة، بما يتضمن إعادة ترتيب معايير الاعتبار داخل المجتمع نفسه؛ فالقرآن حين نفى التفاضل القائم على النسب والقبيلة، لم يحصر ذلك في المجال الأخروي وحده، وإنما اتجه أيضا نحو تقليص فاعلية البنية القبلية بوصفها مصدرا للامتياز الاجتماعي والسياسي.
ولا يعني ذلك أن النص القرآني قدم نظرية سياسية تفصيلية أو صيغة دستورية جاهزة للحكم، غير أن المبادئ العامة التي طرحها – وفي مقدمتها نفي الامتياز القائم على النسب – لا تبدو منفصلة تماما عن المجال الاجتماعي والسياسي؛ فحين يتحول الانتماء القبلي إلى شرط يمنح أفضلية مسبقة في السلطة، فإن ذلك يضعف الأثر العملي – كسر - للقاعدة القرآنية في تنظيم العلاقات داخل المجتمع، حتى لو جرى تبرير هذا التحول باعتبارات تاريخية أو مصلحية؛ ومن هنا تنشأ المفارقة بين المبدأ القرآني المفتوح، وبين إعادة إنتاج الامتياز النسبي داخل المجال السياسي الإسلامي.
ومن هذا المنظور تبدو إعادة إدخال النسب القرشي شرطا في باب الإمامة أقرب إلى تكريس شكل من أشكال التفضيل القبلي داخل المجال السياسي، لا مجرد اشتراط تنظيمي محايد، حتى وإن جرى تقديمه في بعض الخطابات بوصفه عامل وحدة واستقرار؛ فالمسألة لا تتعلق بمجرد تنظيم إداري للسلطة، بل بتحويل الانتماء القبلي من عنصر تعارف اجتماعي إلى عنصر ترجيح سياسي ومعياري، الأمر الذي أعاد إنتاج جانب من البنية القبلية التي سعى الخطاب القرآني إلى إعادة ضبطها اجتماعيا ونزع بعدها الامتيازي.
وتظهر المفارقة هنا في التوتر بين المعيار القرآني العام القائم على التقوى، وبين اشتراط الانتماء القبلي في أحد أهم أبواب التنظيم السياسي؛ فحين يصبح النسب شرطا مقدما في باب الإمامة، فإن المجال السياسي ينتقل عمليا من معيار أخلاقي مفتوح إلى معيار نسبي أكثر انحصارا، حتى لو جرى تبرير ذلك ضمن اعتبارات تتعلق بوحدة الجماعة واستقرار الدولة الناشئة؛ كما أن كثيرا من الفقهاء الذين قالوا بشرط القرشية لم يقدموه دائما بوصفه امتيازا جوهريا في القيمة الإنسانية، بل باعتباره شرطا سياسيا ينسجم – في نظرهم – مع طبيعة المجتمع العربي في ذلك العصر؛ غير أن تحول هذا الشرط من معالجة ظرفية مرتبطة بسياق تاريخي معين إلى قاعدة فقهية شبه ثابتة عبر قرون طويلة، جعل الاعتبار القبلي يكتسب مع الزمن طابعا معياريا يتجاوز ظرفه السياسي الأول.
ومع وجود آراء فقهية وكلامية لا تشترط القرشية، فإن الذي جرى به العمل تاريخيا في الخلافة المركزية – من الراشدين حتى العباسيين – هو إقرار أولوية قريش أو اعتبارها مصدرا أعلى للشرعية السياسية؛ غير أن التطبيق التاريخي نفسه لم يكن دائما على درجة واحدة من الصرامة، إذ تراجعت فاعلية شرط القرشية عمليا في مراحل عديدة، خصوصا مع تحول الخلافة إلى ملك سياسي أو إلى صيغ سلطانية أكثر ارتباطا بموازين القوة الفعلية من الارتباط بالشروط النظرية التي قررتها المدونات الفقهية.
بل إن التاريخ الإسلامي عرف نماذج سياسية تراجعت فيها فاعلية الشرط القرشي بصورة واضحة، سواء في بعض الدول والإمارات الإسلامية غير العربية، أو في المراحل التي أصبحت فيها السلطة الفعلية قائمة على القوة العسكرية والإدارة السياسية أكثر من استنادها إلى النسب؛ وقد بلغ هذا التحول ذروته مع دول كبرى حكمت المجال الإسلامي دون انتماء قرشي صريح، الأمر الذي يكشف أن الواقع التاريخي نفسه كان يتجاوز أحيانا التنظير الفقهي التقليدي، حتى مع استمرار حضوره الرمزي داخل بعض المدونات السياسية.
ولم يقتصر حضور الاعتبار القبلي على مسألة الإمامة، بل امتد إلى بعض المجالات الاجتماعية، مثل الكفاءة في الزواج، حيث اعتبر عدد من الفقهاء النسب عنصرا من عناصر التكافؤ الاجتماعي، بما يعكس استمرار أثر البنية القبلية داخل بعض الاجتهادات الفقهية؛ كما ظهرت تمايزات اجتماعية بين العرب والموالي خلال مراحل من التاريخ الإسلامي، سواء في العطاء أو التمثيل السياسي أو المكانة الاجتماعية، وهي تمايزات ارتبطت بطبيعة الدولة الإمبراطورية الناشئة وبالعصبيات – النزعة العربية - الاجتماعية والسياسية أكثر من ارتباطها بالمبدأ القرآني المجرد؛ ولم يكن أثر هذه التراتبية محصورا في الجانب الإداري أو السياسي، بل ترك أثرا عميقا في وعي كثير من الشعوب غير العربية التي دخلت الإسلام، ومنها الكورد وغيرهم من الموالي، حيث بدا التفاوت بين القاعدة القرآنية للمساواة وبين الواقع الاجتماعي للدولة الإسلامية أحد مصادر الشعور بالتهميش داخل التجربة التاريخية الإسلامية.
ومع ذلك، لم تكن التجربة التاريخية الإسلامية واحدة على امتداد العصور؛ إذ شهدت بعض المراحل صعود شخصيات ودوائر علمية وإدارية غير عربية، كما خف تأثير الاعتبار القبلي نسبيا في بعض البيئات الإسلامية خارج المركز العربي التقليدي، الأمر الذي يكشف أن حضور العصبية القبلية لم يكن ثابتا بالدرجة نفسها في جميع الأزمنة والسياقات.
ولا يمكن فهم هذا التحول بعيدا عن طبيعة المجتمع الذي تشكلت فيه الدولة العربية الإسلامية؛ فالدولة الناشئة لم تتكون في فراغ اجتماعي، بل داخل بنية قبلية كانت قريش تمثل مركز ثقلها السياسي والرمزي، كما اعتمدت في توسعها العسكري والإداري على القبائل العربية؛ وقد دفع ذلك كثيرا من الفقهاء والساسة إلى التعامل مع القرشية بوصفها عامل استقرار ووحدة سياسية في مرحلة تاريخية شديدة الحساسية؛ غير أن التجربة التاريخية نفسها تكشف أن الامتياز القرشي لم يكن دائما عنصر استقرار، بل كان في أحيان كثيرة أحد أسباب الانقسام والصراع السياسي المبكر، سواء في الخلافات التي ظهرت منذ السقيفة والخلافة الراشدة المبكرة، أو في الصراعات بين الأجنحة القرشية نفسها خلال العصرين الأموي والعباسي؛ ومن هنا فإن تفسير الظاهرة تاريخيا لا يعني منحها شرعية معيارية دائمة، خصوصا بعد تحول كثير من الاجتهادات المرتبطة بسياقاتها السياسية إلى تصورات فقهية أكثر ثباتا واستمرارا عبر القرون.
ومن ثم فإن الإشكالية لا تكمن في النص القرآني ذاته، بل في الكيفية التي أعيد من خلالها تشكيل بعض المبادئ القرآنية داخل شروط الواقع التاريخي والسياسي؛ فالقرآن أسس لقاعدة كونية تقوم على التقوى والمساواة الإنسانية ونفي الامتياز القائم على العصبية القبلية، بينما تشكلت بعض الاجتهادات السياسية والفقهية – السلطوية العروبية -، تحت تأثير التوازنات القبلية والاجتماعية للدولة العربية الإسلامية المبكرة، ثم اكتسبت مع الزمن طابعا معياريا تجاوز سياقها التاريخي الأصلي؛ ومن هنا تبدو مفارقة المساواة القرآنية والتفضيل القبلي تعبيرا عن التوتر بين القاعدة القرآنية الكونية التي قدمها النص المؤسس، وبين البنية التاريخية التي أعادت إنتاج الامتياز القبلي داخل المجال السياسي والاجتماعي، بما يشبه إعادة تكييف الواقع القبلي داخل الإطار الديني بدل تجاوزه بصورة كاملة؛ ويظل السؤال مطروحا أمام العقل الإسلامي المعاصر: إلى أي مدى يمكن إعادة بناء الوعي السياسي والاجتماعي على القاعدة القرآنية الكونية، بعد قرون من تداخل المقدس بالقبلي والتاريخي؟.