مشهد في أسبوع

مشهد في أسبوع

د. علي أحمد الزبيدي

2026-09-10T13:39:18+00:00

يُحكى أن الخليفة العباسي هارون الرشيد وقف يوماً في بغداد، فنظر إلى سحابة عابرة في السماء وقال كلمته الشهيرة: "أمطِري حيث شئتِ، فسوف يأتيني خَراجكِ".

لم تكن هذه العبارة مجرد إظهار للسلطة أو اتساع للرقعة الجغرافية، بل كانت إدراكاً عميقاً لشبكة معقدة تربط بين السياسة، متمثلةً في مركزية القرار ببغداد، والاقتصاد، القائم على جباية الخراج وازدهار التجارة، والمجتمع الذي تتشابك حياة أفراده مع تلك الإيرادات، وصولاً إلى الثقافة التي صنعت عصراً ذهبياً للعلوم والفنون. 

لقد كان الرشيد يرى «المشهد الشامل» الذي يتحرك فيه كل جزء ليدعم الآخر ويوجهه.

أما اليوم، وفي ظل وضعنا العام وثقل بلدنا الجغرافي والسياسي والتاريخي، نرى أن عجلة التطور قد توقفت منذ سنين؛ والسبب واضح وجلي، إذ يسعى كل من يتسنم السلطة إلى تحقيق مكاسب شخصية واعتبارية قبل أن يضع لمسة تطور واحدة لبلده. 

عقود مضت ونحن ننتظر المخلص الذي يعيد للوطن قيمته الحقيقية وأثره الواقعي الذي عُرف به عبر التاريخ. 

فهذا البلد الذي سُمّي قديماً "بلد الرافدين" وحمل لواء حضارة عريقة، أمسى هرماً لا يُذكر إلا في أسفار التاريخ وفي سير من حكموه قديماً.

ويقف وراء هذا التراجع أسباب عديدة أوضح من الشمس في كبد السماء؛ فالمشهد السياسي يُدار بأهواء وأمزجة متضاربة: مجموعة همُّها الأول والأخير نهب الخيرات والتمتع ببهارج الجاه والسلطة، ومجموعة خانعة لا تختلف عن العبيد، تأتمر بأوامر داخلية وخارجية لا تبغي سوى تنفيذ الأجندات ولو على أنقاض الوطن، ومجموعة أخرى تنظر إلى العراق الكبير على أنه ضيعة من ضيعاتها وميراث تخص به نفسها، فتسعى للاستحواذ عليه بشتى الطرق بغض النظر عن فداحة النتائج.

إن ما خفي من الحقائق المدفونة يعادل أضعاف ما يُرى، وما يجري اليوم في علياء الواقع ليس سوى "ذرة غبار" في جو معبث. 

لقد عمد كل من حكم وازدهى بالسلطة إلى تزييف التاريخ وخلط الأوراق؛ فحيناً يتطاول بعضهم على رجال التاريخ الذين جعلوا من بغداد عاصمة للعلم والثقافة ورمزاً للسيادة، فوصفوهم بالقتلة والمجرمين - وربما صدقوا في جانب من وصفهم.. لكن من تورط منهم في سفك الدماء، ألم يترك في المقابل بصمات خالدة من الإبداع الثقافي والفني والعلمي.؟ وحيناً آخر يتناولون من حكموا البلاد حديثاً بالإجرام والدكتاتورية ، وهم حقاً كذلك، غير أن أولئك كانت لهم هيبة ومكانة عالية في الداخل والخارج.

فأنتم، نعم أنتم.. ماذا قدمتم لهذا الشعب سوى الخراب، والخداع، والسرقة، والفساد، والطائفية، وسيل الدماء، والأوجاع، وضياع الحقوق، وانحدار التعليم والثقافة، والتراجع السلبي في شتى مناحي الحياة.؟ هذا فضلاً عن الأزمات اليومية التي باتت خبرنا اليومي.. ولعل أبرز مشاهد أسبوعنا المنصرم تتلخص في:

- أزمة شحّ مادة البنزين وعودة طوابير العجلات الملتفة في الشوارع.

- أزمة الكهرباء الوطنية التي حالت بساعات التجهيز المتهالكة إلى كابوس مزعج في ظل القيظ وارتفاع درجات الحرارة.

-  - أزمة تأخير صرف الرواتب وتعثرها، إلى جانب أزمات أخرى لا تحصى.

- أزمة تشكيل الحكومة وحصر السلاح المنفلت.!!

وفي خضم هذه الأحداث الجسام، برز في الأسبوع نفسه الحدث الثقافي الأبرز المتمثل في (معرض بغداد الدولي للكتاب) بدورته السابعة والعشرين، حيث افتتحه رئيس الوزراء الحالي بعد أن أُفرغت أجنحته من الزوار، وسُحبت الهواتف النقالة والعطور والسكائر حتى من المنظمين وبعض الأفراد الذين تمكنوا من الدخول خلسة!

ولن يتبدل الحال نحو الأفضل إلا (حين يبيض الديج)..!

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon