لماذا يخون الخائنون؟
فارس حامد عبد الكريم
المسؤول الفاسد لا يخون المبادئ الحسينية فقط التي تلبّس بها للوصول إلى السلطة، إنما يخون الإسلام برمته، وقيم المواطنة الحقة.... وسينال لعنة الله والشعب والأولين والآخرين بتاريخ أسود ملوث بخيانة الأمانة وعار أبدي.
سؤالٌ إلى الفاسد:
ألم تسأل نفسك يوماً: كيف فضّلتَ منافعك الشخصية، ومصالح أسرتك، ودائرتك المقربة والمشبوهة، على مبادئ الشريعة الإسلامية وقيم الثورة الحسينية التي طالما ادعيت الانتماء إليها؟
الا تستحي، مع مَن تعبث حين ترهن أمانة أمّة وأجيال كاملة من أجل مكاسب زائلة، وتظن أن التاريخ أو الشعب أو الحقّ الإلهي سيغفر لك هذه الخيانة؟
كيف نردع الخائن؟
لا شك ان الوعي الشعبي هو الخط الدفاعي الأول والأهم في مواجهة استغلال المبادئ، والضمانة الحقيقية لتحويل الشعارات إلى مسار عملي من المساءلة والتغيير.
فعندما ينضج وعي المجتمع، يتغير الفهم العام للعمل السياسي والخدمي من الانبهار بالخطابات إلى تقييم الأفعال والنتائج.
يتشكل الوعي الشعبي الفاعل عبر عدة محاور رئيسية:
معيار النتائج لا الخطابات: التحول من نقد الأشخاص إلى نقد الأداء والمخرجات.
الوعي الحقيقي يجعل المواطن يسأل عن مدى نزاهة إدارة الأمانة العامة، وجودة الخدمات، وكفاءة المؤسسات، بدلاً من التأثر بالإدعاءات المزيفة المغلفة بالعبارات البلاغية.
التمييز بين المبدأ ومُدعيه:
من حسن الوعي إدراك أن السلوكيات الفردية للمسؤولين، مهما تغطت بشعارات سامية، لا تعبر عن المبادئ ذاتها، بل تعبر عن نزاهة الفرد أو عدمها.
ان مثل هذا الفصل يحمي القيم من التشويه، ويسقط الشرعية الأخلاقية عمن يتخذها ستاراً لمصالح ذاتية.
الرقابة المجتمعية المستمرة:
من حسن المواطنة ينبغي عدم اختزال المشاركة في المواسم الانتخابية فقط، بل متابعة القرارات العامة، والدفاع عن شفافية المؤسسات، ودعم الصحافة والإعلام المستقل، والحرص على تقصي الحقائق والمعلومات الموثوقة.
بناء ثقافة المساءلة القانونية:
من حسن الالتزام بالقانون إدراك أن الحفاظ على المال العام ومكافحة الفساد يمثلان نصاً دستورياً وواجباً قانونياً وأخلاقياً، وأن حماية أمانة الدولة تبدأ من تفعيل أجهزة الرقابة والالتزام بسيادة القانون فوق الجميع.
حسن الديمومة: الوعي الشعبي ليس مجرد غضب مؤقت أو انفعال مع الأحداث، بل هو سلوك مدني وبناء مستدام يفرض على المشهد السياسي معايير عالية من النزاهة والمسؤولية.
كيف ينشأ الوعي الشعبي؟
تؤدي المؤسسات التعليمية والإعلامية أدواراً متكاملة في بناء النزاهة وتشكيل الوعي الجمعي؛ فالتعليم يؤسس للمفاهيم والقيم الأخلاقية في مراحل التنشئة الأولى، بينما يقود الإعلام الرأي العام ويُمارس الدور الرقابي على الواقع اليومي.
أولاً: دور المؤسسات التعليمية (التأسيس التربوي والفكري)
تحويل النزاهة من مفهوم نظري مجرد إلى سلوك يومي وممارسة واعية يتطلب العمل عبر أربعة محاور أساسية:
تطوير المناهج الدراسية:
تضمين مفاهيم المواطنة، وأهمية حماية المال العام، وأبعاد خيانة الأمانة في مناهج التربية الوطنية والأخلاقية، مع تدريس فلسفة القانون وسيادة أحكامه لبيان أن المؤسسات هي الحامي للحقوق وليست الأهواء الفردية.
اعتماد أسلوب التفكير النقدي:
انتقال التعليم من التلقين والحفظ إلى التحليل والنقد؛ لتمكين الطالب من تفكيك الخطابات، وتمييز الشعارات البلاغية عن الحقائق الرقمية والنتائج الملموسة، وتدريب الطلبة على تقييم الأفكار بناءً على منطقيتها وأدلتها.
البيئة المدرسية والمجاميع الطلابية:
تطبيق قيم الشفافية والعدالة داخل البيئة التعليمية نفسها (في الامتحانات، والأنشطة، والانتخابات الطلابية)، وممارسة تجارب الديمقراطية المصغرة والمساءلة الإيجابية داخل الفصل لترسيخ شعور المسؤولية الفردية تجاه المصلحة العامة.
ربط التاريخ بالقيم الإنسانية:
تقديم الشخصيات التاريخية والرموز الوطنية من خلال أفعالهم وإنجازاتهم وسلوكهم الأخلاقي، لترسيخ نموذج القدوة الذي يربط القول بالعمل.
ثانياً: دور الإعلام التنويري والرقابي
يمثل الإعلام الشريك المكمل للمؤسسة التعليمية من خلال نقل الحقائق بشفافية، وكشف مغالطات الخطاب السياسي، والتوعية بالحقوق الدستورية وآليات الحفاظ على المال العام، وممارسة الصحافة الاستقصائية التي تقيّم السياسات والخدمات بعيداً عن الإثارة والتسييس.
إن بناء جيل قادر على حماية أمانة الدولة ومكافحة الفساد يتطلب إيجاد بيئة تتكامل فيها المدرسة التي تزرع العقل النقدي، مع الإعلام الذي يوفر المعلومة الشفافة والرقابة المستمرة؛ وبذلك تتحول "المساءلة" من مجرد شعار إلى ثقافة مجتمعية راسخة.