كيف يقود رئيس إقليم كوردستان دبلوماسية السلام؟

كيف يقود رئيس إقليم كوردستان دبلوماسية السلام؟

فينوس بابان

2026-05-20T09:13:55+00:00

​لم تكن الجولة الدبلوماسية الرسمية التي قادت رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني إلى العاصمة الإيطالية روما ودولة الفاتيكان مجرد حراك بروتوكولي عابر في أجندة العلاقات الخارجية للإقليم  بل هي هندسة إستراتيجية مدروسة تندرج ضمن الإستراتيجية العليا لكوردستان لتثبيت مكانتها الإقليمية الدولية كلاعب حتمي لا يمكن تجاوزه في معادلة الشرق الأوسط، تأتي هذه الزيارة في توقيت جيوسياسي بالغ الحساسية في أيار 2026 حيث يعاد ترتيب الأوراق والتحالفات الإقليمية، وفي غمرة ديناميكية سياسية داخلية متسارعة يشهدها العراق عقب نيل حكومة رئيس الوزراء الجديد، علي فالح الزيدي، ثقة مجلس النواب وبدء صياغة برامجها الإدارية والاقتصادية، وفي هذا المناخ المفصلي يتحرك إقليم كوردستان لتثبيت استحقاقاته وحقوقه الدستورية والمالية المشروعة وعلى رأسها حماية حصته المالية في الموازنة العامة البالغة 14.1% والمستندة بالكامل إلى المؤشرات العلمية الرصينة لنتائج التعداد العام الأخير، ليثبت الإقليم عبر دبلوماسية السلام الناعمة قدرته على مد الجسور نحو العمق الأوروبي والروحي العالمي وهو يستند إلى ثقل داخلي متماسك وبيانات قانونية قطعية واضعاً مصالحه العليا وحماية كيانه في صدارة الاهتمام الدولي ومقدماً نموذجاً متقدماً لرجل الدولة الذي يحمل ملفات الداخل برؤية واقعية منفتحة على العالم.

​إن تفكيك هذه الزيارة يفرض البدء بقراءة لغة السياسة الصامتة التي تجسدت في سيميائية البروتوكول وحفاوة الاستقبال، فاستقبل رئيس إقليم كوردستان بمراسيم رسمية رفيعة المستوى في القصر الرسولي بالفاتيكان وفي المقار السيادية في روما يحمل دلالة سياسية واضحة تعكس تعامل المجتمع الدولي مع أربيل عبر مفهوم السيادية الواقعية حيث يتم التعاطي مع رئيس إقليم كوردستان كقائد لكيان دستوري راسخ وفاعل مِمّا يمنح إقليم كوردستان قوة دفع بروتوكولية تعزز ثقلها التفاوضي والسياسي في المحافل الدولية وعند صياغة توازنات العلاقات مع العواصم الكبرى.

​يتعاظم هذا الثقل عند تحليل المحطة الأبرز في الزيارة وهي القمة الإستراتيجية التي جمعت السيد نيجيرفان بارزاني بقداسة بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر، وهنا يكمن جوهر التحليل السياسي في فهم طبيعة دولة الفاتيكان كلاعب دولي فريد فهي دولة لا تملك تيرسانات عسكرية ولا جيوشاً تقاتل على الأرض إلا أنها تقود العالم بما يُعرف في العلاقات الدولية بـ السلطة الأخلاقية والروحية العليا، ممتلكةً القدرة على تحريك السياسات الغربية وصناعة الرأي العام العالمي عبر قوة السلام الناعمة العابرة للقارات، ومن هذا المنطلق التقت دبلوماسية السلام لرئيس إقليم كوردستان مع دبلوماسية السلام للكرسي الرسولي، حيث استطاعت قيادة الإقليم عبر رؤية إستراتيجية عميقة تحويل ملف احتضان وحماية المكونات الدينية والعرقية ولا سيما المسيحيين والإيزيديين من عبء إنساني واقتصادي ضاغط إلى ميزة تنافسية ودبلوماسية رصينة تلتقي مباشرة مع رسالة الفاتيكان الروحية، إن تأكيد السيد نيجيرفان بارزاني خلال اللقاء على أن المسيحيين يمثلون جزءاً أصيلاً ومحورياً من هوية وثقافة كوردستان الوطنية قابله اعتراف وإشادة بليغة من قداسة البابا بنموذج التسامح وقبول الآخر الذي يجسده إقليم كوردستان وهو ما يترجم سياسياً إلى التقاء خطوط دبلوماسية السلام لإنتاج صك أمان الدولي وحزام أخلاقي يحصّن الكيان الدستوري لإقليم كوردستان ضد التهديدات الخارجية ومحاولات التقويض، فالغرب يرى في استقرار الإقليم ضمانة لبقاء آخر واحة آمنة للتعددية والتعايش في المنطقة.

 ولم تقتصر هذه الدبلوماسية الروحية على تثبيت المكتسبات بل امتدت للاستشراف من خلال تجديد رئيس إقليم كوردستان الدعوة الرسمية لقداسة البابا لزيارة كوردستان وبحث العلاقات في اجتماع معمق آخر مع أمين سر دولة الفاتيكان ورئيس وزرائها الكاردينال بيترو بارولين مما يضمن ديمومة التواصل وبقاء أربيل في قلب اهتمامات صناع القرار الروحي والسياسي في العالم كشريك أساسي في جبهة السلام العالمية.

​وفي الشق الآخر من هذه الجولة، جاءت اللقاءات الرفيعة في روما مع رئيس جمهورية إيطاليا وكبار مسؤولي الحكومة الإيطالية لتترجم مبادئ الواقعية السياسية القائمة على المصالح المشتركة والشراكة الإستراتيجية، إن إيطاليا تعد شريكاً عسكرياً وتنموياً حيوياً لإقليم كوردستان ولعبت دوراً محورياً في دعم قوات البيشمركة ضمن التحالف الدولي ضد الإرهاب إلى جانب إسهاماتها الثقافية والإنسانية البارزة في حفظ التراث والتنقيب الأثري، وقد شكّلت هذه اللقاءات منصة لإعادة تأكيد الالتزام الأوروبي المستمر بضمان أمن واستقرار إقليم كوردستان في وجه أي جيوب أو تهديدات إرهابية مستجدة وهو اعتراف صريح بالبيشمركة كقوة نظامية شريكة في حفظ الأمن العالمي، بالتوازي مع سعي أربيل الطموح لتطوير هذه الشراكة العسكرية وتحويلها إلى تكامل اقتصادي واسع يشمل مجالات البنية التحتية، الاستثمار والزراعة، مستفيدة من الوزن الإيطالي الفاعل داخل الاتحاد الأوروبي.

​تأسيساً على ما تقدم يمكن الاستنتاج بأن زيارة السيد نيجيرفان بارزاني رئيس إقليم كوردستان إلى روما والفاتيكان قد حققت أهدافها الإستراتيجية بامتياز متجاوزة الأطر البروتوكولية التقليدية لتصيغ عقداً متجدداً للشراكة بين إقليم كوردستان والغرب على أسس القيم الإنسانية المشتركة والمصالح الحيوية المتبادلة، لقد نجحت دبلوماسية السلام الرئاسية في تجديد التفويض الدولي لشرعية كوردستان الدستورية وأثبتت نضجاً سياسياً فائقاً في قيادة توازن دقيق يجمع بين تمثيل المصالح العليا لإقليم كوردستان والتعاطي مع الملفات الاتحادية للعراق ككل بالتزامناً مع انطلاق العهد الحكومي الجديد لـ علي فالح الزيدي استناداً إلى جبهة داخلية متماسكة ورؤية إستراتيجية واضحة تضمن صون الحقوق المالية والمستحقات الدستورية والتوزيع العادل للثروات، لترسخ هذه الزيارة حقيقة راسخة في وعي صناع القرار الدولي.. أن إقليم كوردستان عبر رئيسه ليس مجرد عاصمة إقليمية، بل هو ركيزة أساسية وشريك حتمي لا غنى عنه لصناعة السلام واستقرار المستقبل في الشرق الأوسط.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon