علي الزيدي.. العراق على مشرحة التغيير
فينوس بابان
علي الزيدي.. العراق على مشرحة التغيير: هل ينجح رجل الأرقام في تفكيك لغز السلاح والفساد؟
يقف العراق اليوم في عين العاصفة محاصراً بين إرث ثقيل من الصراعات البينية وواقع دولي لا يرحم الضعفاء إن المشهد العراقي الراهن هو نتاج سنوات من التآكل في جسد الدولة حيث تحولت اللعبة السياسية إلى صراع صفري على النفوذ مما ولد حالة من الانسداد التاريخي دفعت بالقوى الدولية والإقليمية إلى وضع فيتوهات حاسمة ومشددة على الوجوه التقليدية، ومن المهم هنا توضيح أن هذه الفيتوهات لم تكن انتقاصاً من قدر الأشخاص أو كفاءتهم بل لأن المرحلة الراهنة تطلبت إحداثيات مختلفة تتناسب مع حجم المنافسة المحتدمة بين القوى الخارجية التي تضع استقرار العراق ضمن أولوياتها الاستراتيجية لقد وصل العراق إلى نقطة لا يمكن فيها فرض مرشح يمثل لوناً واحداً مما ولّد حاجة ماسة لشخصية المنطقة الوسطى التي تستطيع التحرك في حقل ألغام المصالح الدولية ومن هنا يبرز تكليف السيد علي الزيدي كخيار استراتيجي فرضته ضرورة التهدئة والبحث عن لغة مشتركة مع النظام الدولي الجديد.
إن فهم شخصية الزيدي هو المفتاح لفهم سبب وقوع الاختيار عليه فهو يمثل نموذج التكنوقراط السيادي الذي يجمع بين هدوء المصرفي وحزم رجل الدولة. الزيدي ليس قادماً من الخطوط الأيديولوجية المتصادمة بل هو شخصية برغماتية تؤمن بأن الاقتصاد هو المحرك الفعلي للسياسة، إن جاذبية شخصيته تكمن في قدرته على تقديم نفسه كـ رجل حلول لا رجل أزمات فهو يمتلك العقلية التي تبحث عن النتائج الملموسة وهي السمة التي جعلته البروفايل الأكثر قبولاً لدى إدارة الرئيس دونالد ترامب الباحثة عن رجل صفقات يضمن استقرار الاستثمار. الزيدي يمتلك مرونة تكتيكية تسمح له بالتحاور مع طهران وواشنطن بلغة المصالح المتبادلة مما يجعله صمام أمان يمنع انفجار الصراعات الإقليمية فوق الأراضي العراقية.
ومع ذلك فإن هذا القبول الدولي ليس شيكاً على بياض بل هو مشروط بجدول زمني صارم إذ تترقب الدوائر العالمية اختبار الـ 100 يوم الأولى لحكومة الزيدي، هذه المدة لن تكون فترة سماح تقليدية بل ستكون ترمومتراً لقياس مدى قدرته على الانتقال من لغة الوعود إلى لغة التنفيذ، إن العالم يراقب هل سيتمكن الزيدي في أول 100 يوم من وضع حجر الأساس لتفكيك لغز السلاح والفساد؟ إن وضع العراق على مشرحة التغيير يكشف عن أرقام مرعبة فالعراق يواجه سلاحاً منفلتاً يقدر بـ 7.5 إلى 9 ملايين قطعة خارج سيطرة الدولة وفساداً التهم أكثر من 450 مليار دولار منذ عام 2003، هنا تبرز عبقرية الزيدي رجل الأرقام في إدراك أن المواجهة تبدأ من تجفيف منابع التمويل عبر الرقمنة المالية، إن أي تأخير في إطلاق خطوات ملموسة نحو الأتمتة المالية في الـ 100 يوم الأولى سيعطي إشارة سلبية للمجتمع الدولي بأن رجل الأرقام قد استسلم لضغوط رجال السلاح.
وفي هذا المشهد تبرز حكمة قيادة إقليم كوردستان كصمام أمان، إن موقف السيد نيجيرفان بارزاني والسيد مسرور بارزاني المتمثل في التهنئة والدعم يبعث برسالة جوهرية مفادها أن الحكمة السياسية لا تُقاس بالضجيج بل بالهدوء الاستراتيجي لقد أثبتت أربيل أنها النموذج الذي يجب أن يستلهم منه الزيدي رؤيته فما حققه الإقليم من ريادة في السيادة الرقمية عبر نظام ئي-بەسوولە (e-Psûle) هو المختبر الحقيقي لتجفيف منابع الفساد. إن نجاح الزيدي في ملفات كبرى مثل الممر الأوسط لا يمكن أن يتحقق دون شراكة كاملة مع أربيل فالاستقرار في كوردستان هو الضمانة الوحيدة لجعل العراق ممراً تجارياً عالمياً يربط آسيا بأوروبا وهو مشروع قد يدر أرباحاً هائلة سنوياً.
إن الـ 100 يوم الأولى يجب أن تشهد تحركاً جدياً نحو حل العقدة الكبرى قانون النفط والغاز. الزيدي اليوم أمام فرصة تاريخية لإنهاء هذا الملف عبر الحوار الدستوري المنتج بعيداً عن سياسات اللي الذراع، إن العالم ينتظر منه في هذه الفترة القصيرة ملامح عقد مالي جديد يضمن حقوق الإقليم ويصون ثروات العراق.
ختاماً نتوجه بكلمة مباشرة ومسؤولة للسيد الزيدي إن يد أربيل التي امتدت بالتهنئة هي يد تؤمن بأن مستقبل العراق يكمن في وحدة المصير تحت سقف القانون وهي رسالة تؤكد أن إقليم كوردستان القوي يعني عراقاً أقوى، إن الـ 100 يوم القادمة ستحدد ما إذا كان الزيدي سيكمل المسار كـ رجل دولة يفي بعهوده الدستورية أم سيغرق في رمال بغداد السياسية المتحركة، يجب أن يكون واضحاً أن الاستقرار الحقيقي هو عقد مشروط بالالتزام الكامل بدستور عام 2005 الذي كُتب كضمانة ضد التهميش. إن تنفيذ الاستحقاقات الدستورية للإقليم وحماية حقوقه المالية والقانونية هي الاختبار الحقيقي لنجاح كابينتكم فالعراق القوي هو الذي يعترف بقوة شركائه ويمنحهم حقوقهم دون تسويف، إن بقاء العراق وازدهاره مرهون بمدى صدقك في تنفيذ هذا العهد الدستوري فالعراق يُبنى بكوردستان وبقدر ما تُحفظ حقوق الإقليم في ميزان الـ 100 يوم الأولى يُحفظ مستقبل العراق وتُصان سيادته.