عالم يتفكك وقوى تتوحش وإنسان يسحق بينهما
جلال باقر
إن العالم اليوم لا يعيش أزمة عابرة بل يعيش انهياراً بطيئاً لنظام كامل ، الخطاب الرسمي يتحدث عن تحديات وتحولات ومرحلة انتقالية ، لكن الحقيقة القاسية هي أن العالم يدخل عصراً من الفوضى المنظمة ، فوضى تدار من فوق وانهيار صامت يجري من تحت بينما تعاد كتابة قواعد القوة بلا أي اعتبار للإنسان .
فالقوى الكبرى لم تعد تخفي وحشيتها بل تمارسها علناً ، الولايات المتحدة ، الصين ، روسيا لم تعد تتظاهر بالالتزام بالقانون الدولي أو حقوق الإنسان وكل قوة تتصرف بمنطق نفعل ما نريد ومن يعترض فليتحمل العواقب والحروب تدار كأنها صفقات والحدود ترسم بالقوة والشعوب المغلوب على أمرها تستخدم كورقة ضغط والعالم يتفرج لأنه عاجز أو خائف أو مستفيد والقانون الدولي مجرد ديكور جميل على جدار متصدع .
أما الديمقراطية لم تعد تتراجع بل تطعن من الداخل وإن الكثير من دول العالم أصبحت سلطوية لكن الحقيقة الأشد قسوة هي حتى الديمقراطيات نفسها لم تعد ديمقراطية ، فالانتخابات تدار بالمال والإعلام والبرلمانات تتحول إلى مسارح والحقوق تنتزع تدريجياً والمواطن يعاد تشكيله ليصبح مستهلكاً مطيعاً لا إنساناً حراً ، فالديمقراطية اليوم ليست نظاماً سياسياً بل علامة تجارية تباع وتشترى والاقتصاد العالمي يتفكك والفقير يسحق بلا صوت .
برأيي العولمة انتهت لكن لم يولد بديل والاقتصاد أصبح ساحة حرب فالعقوبات تستخدم كسلاح وسلاسل إمداد تقطع عمداً في حين هنالك دول تخنق اقتصادياً لإجبارها على الطاعة وشركات عملاقة تتحكم في حياة مليارات البشر أكثر من الحكومات نفسها والفقير اليوم لا يسقط بل يسحق والطبقة الوسطى تتاكل كطبقة كانت تحمي المجتمعات من الانفجار .
أما التكنولوجيا أصبحت أداة السيطرة الكبرى ، فالذكاء الاصطناعي لم يعد مستقبلاً بل أصبح سلاحاً يخلق واقعاً مزيفاً يصعب كشفه ويوجه الرأي العام كما توجه الإعلانات ويراقب البشر بدقة مخيفة ويفتح الباب أمام أنظمة قادرة على التحكم في كل شيء ، السلوك والتفكير وحتى المشاعر والتكنولوجيا لم تعد تحرر الإنسان بل تحوله إلى بيانات قابلة للضبط .
العالم اليوم يشهد انهياراً في الثقة بين الناس والثقة في الحكومات والثقة في الإعلام وأخيراً الثقة في المستقبل نفسه ويعيشون في خوف صامت وقلق دائم وضياع وجودي وهذا الانهيار النفسي أخطر من أي حرب أو أزمة اقتصادية .
وهنا أقول أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية بل نحو عصر طويل من الفوضى المستمرة ، فوضى بلا نهاية وبلا قيادة وبلا قواعد وبلا مؤسسات قادرة على ضبط شيء ، إنه عالم تدار فيه القوة بلا أخلاق وتصنع فيه الحقيقة في غرف مغلقة ويعاد فيه تشكيل الإنسان ليصبح جزءاً من آلة أكبر منه ، فالعالم لا ينهار بل يعاد تشكيله بطريقة قاسية وعنيفة وغير إنسانية والعقد القادم لن يكون عصراً للتقدم بل عصراً للبقاء .