"صمون" الساعدي لا يثير الجياع

احمد حسين

2022-10-19T11:34:04.000000Z

صباح يوم أمس أو ربما الصباح الذي سبقه، لا أعرف متى حصلت هذه "الكارثة الافتراضية"، شهد العراق وتحديداً مدرسة ابتدائية للبنات تقع في قضاء المدائن جنوب شرقي العاصمة بغداد، حصل في هذه المدرسة تفجير نووي أثار حفيظة "شرطة الأخلاق" والجيوش الإلكترونية و"حماة" القيم والمبادئ والتقاليد الاجتماعية والثقافية، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي وبعض الوسائل الإعلامية التي كانت إحداها تروج لإلغاء بدء العام الدراسي استعداداً وتحضيراً لتظاهرة "افتراضية" ربما ستنطلق في يوم 25 تشرين الأول الجاري، تخيلوا هذه القناة تريد إلغاء عام دراسي من أجل تظاهرة في غالبها حزبية إن لم تكن حزبية بالشكل والمضمون تماماً، لكن هذه القناة وأخواتها ترى أن الحزب أهم من مستقبل أبنائنا وبناتنا.

من فجّر هذه القنبلة النووية في مدرسة الأطفال؟.

المغني الشعبي سعدون الساعدي.

ماذا فعل هذا الرجل؟.

حضر صباحاً أثناء اصطفاف التلميذات في باحة المدرسة استعداداً للدخول إلى الصفوف وبدء الدراسة وشاركهن بحركات عفوية طفولية على أنغام أغنية للنجم كاظم الساهر تتغنى بالعراق وبغداد.

لماذا حضر أصلاً؟.

بحسب ما قال الرجل في تصوير فيديوي إن بنت شقيقه في الصف الأول الابتدائي كانت تبكي وممتنعة عن الذهاب إلى المدرسة فبادر هو إلى اصطحابها، لكن لنفترض أنه يكذب وكانت مبادرة ذاتية منه "مشكوراً"، أو مبادرة من مديرة المدرسة "مشكورة" في محاولة منها لتحبيب المدرسة لتلميذاتها أو ربما لديها نسبة متدنية من النجاح وتريد تعزيزها، أو قلة إقبال على الدراسة من قبل التلميذات وترغب بمعالجتها، في جميع الأحوال كلاهما "مشكوران" لهذه المبادرة.

العديد من دول العالم المتقدمة وغيرها تلجأ لعدة أساليب ووسائل لترغيب التلاميذ والطلبة بالدراسة والتعلم، بل أن أكثر الدول تقدماً اليابان أو كما نسميها في العراق "كوكب اليابان" في مرحلة الدراسة الابتدائية لا تلتزم المدارس بالمنهاج الدراسي بل تركز على تربية الأطفال وتنشئتهم اجتماعياً وثقافياً وفكرياً حتى أنهم في هذه المرحلة لا يمنحون شهادات نجاح وليس لديهم رسوب لأنهم أساساً يركزون على تحبيب التعلم لدى الطفل أكثر من تعليمه المنهاج الدراسي، وهناك دول ألغت الواجبات المنزلية بعد أن لاحظت تدني مستويات النجاح في المدارس فعقدت اجتماعات وأعدت دراسات وتوصلت أخيراً إلى أن الطالب لا يتمتع بوقته كطفل أو مراهق لذلك اختصرت الواجبات المنزلية لتصل إلى ما لا يزيد على 5 دقائق من وقت الطالب، وغيرها تستعين بممثلين ومهرجين ومشهورين وتنظم لهم زيارات للمدارس لجذب التلاميذ والطلبة وتحبيب الدراسة لهم، فما هي جريمة سعدون الساعدي ومديرة المدرسة التي استضافته؟!.

لست من مستمعي الساعدي ولا أعرف له سوى أغنية "صمون 10 بألف" ولا أدري إن كان قد أصدر غيرها أم لا، أنا من جيل ترّبت آذانهم وذائقتهم الغنائية على صوت قحطان العطار وياس خضر وفاضل عواد ورضا الخياط ومن عاصرهم، لكنني في الوقت نفسه لست ضده، فليقدم ما يقدم ما دام لم يسيء لتقاليد أو أخلاق أو قيم اجتماعية.

إذا كان سعدون الساعدي قد أخطأ فقد ظهر الرجل بتصوير فيديوي واعتذر من وزير التربية ووزارة التربية وقال إن دعوات من عدة مدارس وجهت له وقد اعتذر عن تلبيتها كما أنه اعتذر لـ"المنزعجين" من مبادرته، وأبدى خلقاً رفيعاً رغم أنه لم يخطئ ولم يرتكب جريمة، لم يطلب الساعدي من وزير التربية وحكومته أن يجعلوه معلماً أو مدير مدرسة أو مشرفاً تربوياً ولم تعاقد مع وزارة التربية لطبع المناهج الدراسية بصفقات فساد تفوح رائحتها العفنة كل عام، الرجل مغني شعبي أراد استثمار شعبيته في شيء مفيد ونافع بحسب رأيه أو رأي مديرة المدرسة أو رأيي الشخصي.

الغريب في الأمر أن وزير التربية الشهم الغيور على التربية والدراسة شكل لجنة للتحقيق في هذه الواقعة الخطيرة، لكنه صامت صمت أهل القبور عن النقص الكبير في كتب المنهاج الدراسي واضطرار أهالي التلاميذ والطلبة إلى شرائها من السوق السوداء بمبالغ مرتفعة، وصامت أيضاً عن المدارس الطينية والكرفانية والآيلة للسقوط ومدارس "العراء".

حقيقة لا أعرف إن كان وزير التربية شيعياً أم سنياً ولا أعرف حتى لأي حزب أو كتلة ينتمي ولم أكلف نفسي عناء البحث عنه، لذلك لا يحسبني أحد على جهة ما سياسية أم قومية أم مذهبية أم اجتماعية بل أنا من طائفة "مبغضي الحكومات" الحالية والسابقات، أنا أتحدث بلسان حالي ليس إلا.

مبادرة سعدون الساعدي أعادتني إلى المغني الشعبي الشهير في ثمانينيات القرن الماضي "أياد الزئبق"، هذا المغني أيضاً لم يفعل شيئاً ولم يتحرش بالنظام البعثي بل أنه كان يقدم أغاني ذات طابع كوميدي ترفيهي لكنها في الوقت نفسه تنتقد أو تشخص ظواهر اجتماعية في المجتمع البغدادي تحديداً.

"أياد الزئبق" لم يرتكب جريمة لكنه فقط عرض واقع حال "سرمد ودريد" وتأسى على موت "حلاق البريكية" فطارده أمن صدام واعتقله عدة مرات ولا أعرف مصيره هل تم إعدامه أم أطلق سراحه وهل ما زال على قيد الحياة أم لا.

أمن صدام كان يتربص بـ"أياد الزئبق" لمجرد أنه نقل الواقع البغدادي كما هو من دون أي إساءة، لكن هذا الأمن الغيور الشهم كان يطرب على سماع أغاني الشذوذ الجنسي للمطرب الراحل يوسف عمر ويستمع إليها من على شاشة النظام الرسمية، كان يتغزل بشذوذ "جلجل عليه الرمان نومي فزعلي" وأيضاً "دمبلة ويا أبو حساويه"، هذا الترويج للشذوذ الجنسي لم يثر حفيظة أمن صدام لكن استغراب "أياد الزئبق" من إطلاق تسمية "بوبي" على الكلب من قبل "سرمد ودريد" أشعل نار الغيرة والحمية لديهم.

كنّا نتداول أشرطة أغاني "كاسيت" أياد الزئبق بسرية تامة وكأنها منشورات للمعارضة العراقية في حينها -أصبحت الآن هي رأس النظام الحالي- أو بيان رقم واحد خشية أن يعلم البعثيون والأجهزة القمعية بأن لدى أحدنا شريطاً غنائياً للزئبق، فهل سيصبح سعدون الساعدي النسخة المكررة لأياد الزئبق؟.

ختاماً أرجو من سعدون الساعدي إعادة إنتاج "صمونه" بعد التغيرات الأخيرة في حكومة وزير التربية الحالي إذ لم يعد الصمون "10 بألف" بل أصبح "8 بألف دينار" وفي بعض مناطق بغداد "6 بألف دينار"، ولا أعرف ما حال "سرمد ودريد" في هذا الغلاء، لكن قطعاً لم يؤثر في معيشتهم فهم لم يذوقوا مرارة العوز والحرمان سابقاً وحالياً.

أخبار ذات صلة

Shafaq Live
Shafaq Live