سيكولوجية التملق في حضرة الكرسي الأكبر

سيكولوجية التملق في حضرة الكرسي الأكبر

د. علي أحمد الزبيدي

2026-11-02T12:30:22+00:00

​وأنا في حيرة من أمري، أُتابع أحياناً تصريحات رئيس الحكومة العراقية الحالي، راغباً حقيقةً في تصديق خطابه والتعاطف معه كمواطن يكتوي بنار الواقع أو كمتابع للشأن السياسي؛ فإذا بالأفعال والقرارات على أرض الواقع تناقض الأقوال تماماً، وكأنّ تيّاراً خفياً أو موجاً عارماً يطيح بتلك الوعود.

​يتأثر الشارع العراقي سريعاً بفعل أو تصريح حكومي، وما هي إلا فترة وجيزة حتى يصطدم بصخرة الواقع؛ فمثلاً، تدّعي الحكومة مراراً وجود أزمة مالية خانقة تعذر معها إطلاق أي تعيينات، وما إن تلوح في الأفق فورة شعبية بسيطة، حتى ينقلب الخطاب رأساً على عقب، لتطلق الحكومة (شفهياً) آلاف التعيينات في الموازنة القادمة.! 

ومن جهة أخرى، يطالعنا تصريح مدوٍّ بإلغاء عشرات المناصب ترشيقاً للإنفاق، لنفاجأ بعدها بوجبة جديدة من تهل علينا بمسميات وعناوين جديدة واكيد من حصص الأحزاب، ومجاملةً لبعض المؤثرين في المجتمع وشاشات التلفاز، وقس على ذلك الكثير من التناقضات التي ينبئنا القادَم بما هو أدهى وأمرّ.

​وأمام هذا كله، يطالعنا كمّ هائل من المتملقين الذين يدعون الوطنية زوراً، مبررين ومدافعين باستماتة تتجاوز دور الناطق الرسمي باسم الحكومة. 

والغاية أظهر من أن تُستر؛ إنها مراعاة المصالح الشخصية والتمسّك بالمغانم التي عجز البعض عن تخيّل العيش بدونها. 

فقد غيّر الجاه والسلطة والمال نفوس الكثيرين، وأمسى الواحد منهم "بطلًا في التملق"، وليت تملقه كان حباً في الوطن أو حرصاً على مصلحة الشعب، بل إن العصبية الحزبية والفئوية المخرّبة هي ما يحركه ويوجه بوصلته.

​والأمر ذاته يتكرر في مؤسسات الدولة ووزاراتها؛ وكما يقول المثل الشعبي الشائع: (من يتزوج أمي.. يصبح عمي)، فهم متلونون طرّاً بتغير أسيادهم؛ فبالأمس كانوا يطبلون للمسؤول السابق، وها هم اليوم يهرولون وراء ظلال المسؤول الجديد. 

بل إنهم مستعدون لتغيير انتماءاتهم الحزبية، وربما عقائدهم ومذاهبهم، طالما أن ذلك يتماشى مع هوية المسؤول الجديد ومرجعيته.

​وفي هذا السياق، تروى قصة والٍ قديم أدار إحدى الولايات لسنوات طويلة، وحوله طاقم من كبار البطانة والمستشارين الذين لا ينفكّون عن الثناء عليه، يصفونه في كل محفل بأنه "الحكيم الذي لا يُكرره الزمان"، ولا يقطعون أمراً إلا بذكر فضله وحكمته.

​وفجأة.. ورد مرسوم عاجل من العاصمة بعزل هذا الوالي، وتعيين "والٍ أكبر جديد".

​وقبل أن يجمع الوالي المعزول أوراقه ويغادر قصر الإمارة، ذُهل مما رأاه عياناً؛ فقد سارع أولئك الصغار والمتملقون الذين كانوا بالأمس يتزاحمون لتقبيل يده، نحو البوابة الخارجية للقصر ليكونوا في طليعة مستقبلِي الوالي الجديد.! 

ولم يكتفوا بالهرولة الاستباقية؛ بل سارعوا عند دخوله البلاط إلى تقديم تقارير سوداء تسيء للوالي السابق، مفصّلين تقصيره ومؤكدين للوالي الجديد أنهم (طالما انتظروا بفارغ الصبر قدومه لإنقاذ الولاية.!).

​وقف الوالي الجديد يتأمل عبثية هذا الانقلاب السريع، ثم رمق الوالي المعزول الواقف بكرامته بعيداً، والتفت إلى أولئك المتملقين ناثراً كلمته الحاسمة:

​"عجباً لكم..! أتطؤون على ظل من أطعمكم بالأمس لتقبلوا أعتاب من جاء اليوم؟ إن هرولتكم هذه لا تُخبرني بإنصافكم لي، بل تُخبرني برخص ولائكم. ومن هان عليه وليّ أمره بالأمس بمجرد صدور كتاب عزله، سيهون عليه أمري فور وصول من يخلفني. 

لا حجة لي في خدمة من يرتدي لكل سلطان برداً، ولكل عهد لسانًا.!"

​ثم أصدر أمره الفوري بعزلهم جميعاً من مناصبهم، ليكونوا عبرة لكل من يحول الولاء الوظيفي والأخلاقي إلى رحلة تسلق رخيصة تبدأ بتبدل الأشخاص وتنتهي بسقوطهم.

​والعبرة يا أرباب التملق، وخاصة بعض موظفي ومسؤولي الوزارات الذين طفح الكيل من تملقهم للوزير وحزبه وجهته السابقة واللاحقة، إن التاريخ والواقع لا يرحمان صانعي الأقنعة.

​والى هنا، و"سيرة التملق" تطول... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon