سلسلة الوعود المعطلة: من 10 × 10 إلى "المدينة الجديدة" واللجان.. الذاكرة لا تنسى

سلسلة الوعود المعطلة: من 10 × 10 إلى "المدينة الجديدة" واللجان.. الذاكرة لا تنسى

صادق الازرقي

2026-06-02T11:58:14+00:00

ثمة ذاكرة جمعية في مدينة الثورة ـ الصدر، وأطراف بغداد، لا تحفظ التواريخ السياسية بقدر ما تحفظ تواريخ الوعود التي لم تزهر، فبين إرث مشروع 10 × 10 الذي أُقر و أجهض في عام 2008، وتراجع حكومة عام 2014 عن وعودها بانتشال المدينة من واقعها المتردي، وصولا إلى الضجيج الإعلامي الذي يرافق اليوم مشاريع "مدينة الصدر الجديدة" واللجان التي اعلن عن النية في تشكيلها، يجد المواطن العراقي نفسه حبيس دائرة مفرغة من الانتظار. 

إن استحضار لجانٍ حكومية مؤخرا لزيارة مناطق باتت احتياجاتها الخدمية من أبجديات البقاء، وهي ليست بحاجة للاستكشاف، ليس إلا فصلا جديدا في وعود التسويق السياسي؛ اذ تكتب الوعود بمداد الحماس عند تشكيل الحكومات، وتمحى بالنسيان المتعمد فور استتباب أركان السلطة. اليوم، لم يعد السؤال، متى تنفذ الوعود؟ بل تحول إلى تساؤل أكثر مرارة: لماذا تختار السلطة اللجان بدلا من الإنجاز، ولماذا أصبحت ثقة الناس ضريبةً تدفع ثمنا لوعود موسمية لا تغادر صالات المؤتمرات؟

من حق أي عراقي أن يتساءل بكثير من الشك والريبة، كيف يمكن تصديق وعود جديدة ومشاريع رنانة تدعيها الحكومة فيما كان كشف الحساب مع الوعود السابقة مليئا بالخيبات؟ 

ففي 3 حزيران 2014 قرر مجلس الوزراء، الغاء مشروع 10 × 10 الخاص بمدينة الثورة ـ الصدر في بغداد وتحويل أمواله لبناء منازل للفقراء، بحسب البيان رقم (410) لسنة 2013 الذي قال ان القرار تضمن تحويل تخصيصات المشروع البالغة أربعة تريليونات و765 مليار دينار إلى مشروع بناء دور سكنية للفقراء المشمولين بتوزيع قطع الأراضي السكنية في العاصمة بغداد والمحافظات، وهي وعود تبخرت هي الأخرى ولم يحصل معظم الفقراء ومحدودي الدخل على قطع أراض او منازل حتى الآن.

والمشروع الاصلي خطة أُطلقت عام 2008 ووافق عليها مجلس الوزراء ومجلس محافظة بغداد لإعادة إعمار وتطوير مدينة الصدر بكلفة أولية قدرت في حينها بـ 10 مليارات دولار تصرف على مدى 10 سنوات، تتضمن أبرز تفاصيله بناء مجمعات سكنية عمودية متطورة (تصل إلى 150 ألف وحدة سكنية) مع شبكات متكاملة للبنى التحتية والمرافق الخدمية والترفيهية؛ ثم جرى الاعلان عن الغائه برغم عدم معرفة الناس بطبيعة الصرفيات في السنوات الخمس قبل الغائه.

وعادت الحكومة في أيامنا الحالية بطرح جديد يعرف بـ "مدينة الصدر الجديدة"، التي تهدف إلى التوسع العمراني الى خارج الحدود الحالية للمدينة باتجاه المعامل والمناطق الصناعية المجاورة من دون إزالة أي قطاع أو محلة سكنية قائمة.

المشروع الحالي يركز على إنشاء آلاف الوحدات السكنية المتكاملة لفك الزخم السكاني، وتنفيذ البنى التحتية وخدمات الطرق الخاصة به بالتعاون مع شركات عالمية، وكان مشروع (10×10) الذي صودق عليه سابقا تضمن فتح عطاءات (4) شركات وائتلافات تقدمت فعلا من ضمن القائمة القصيرة التي تقدمت لتنفيذ المشروع.

ان التاريخ القريب من مشروع 10×10 سنة 2008، إلى مناقلة الأموال عام 2014 التي تبخرت هي الأخرى، وصولا إلى فكرة "مدينة الصدر الجديدة" الى توجيهات رئيس مجلس الوزراء الحالي علي الزيدي، باستئناف العمل في المشاريع المعلقة والمتوقفة و "تشكيل لجان استكشافية ميدانية للاطلاع على واقع المناطق المحرومة والنائية التي لم تصلها آليات الفريق، تمهيدا لإدراجها ضمن الخطط اللاحقة"، يبين لنا حجم الوعود المتكررة مع كل حكومة بغياب النتائج على الأرض.

ذلك يثبت أن المشكلة في العراق لم تكن يوما في شحة الأفكار أو غياب الخطط، بل في أزمة الثقة وفجوة التنفيذ. فلماذا تظهر "اللجان الميدانية" مستفزة للمواطن الذي يعيش المعاناة يوميا، و   لماذا لا يصدق الناس؟

المواطن العراقي، بخاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية والمعاناة المزمنة كمدينة الصدر، بات يمتلك مناعة ضد الوعود السياسية لعدة أسباب، في طليعتها معرفته بالتنافس السياسي والمصالح الضيقة، فالمشاريع الكبرى تشخص غلبا كأدوات للدعاية الانتخابية أو كـ "كعكة" تتقاسمها القوى السياسية عبر عقود الاستثمار والمقاولات، وما إن تتغير الحكومة أو تتبدل موازين القوى حتى يتوقف المشروع أو يلغى.

وفضلا عن ذلك تغيب المحاسبة، اذ لم يثبت يوما للناس أن هناك جهة حوسبت على ضياع 4.7 تريليون دينار أو على فشل مشروع استراتيجي كـ 10×10، مما يجعل إطلاق الوعود الجديدة أمرا بلا تكلفة سياسية أو قانونية على المسؤولين.

  يرى الناس تصاميم ومجسمات ثلاثية الأبعاد (3D) لمدن حديثة في الإعلام، فيما هم يغرقون في الشارع المجاور بمياه الصرف الصحي عند أول خطوة مطر، فهل تنجح المقاربات المختلفة مثل مدينة الصدر الجديدة او تنمية مناطق الاطراف؟

في الحقيقة ان الخطة الجديدة بالذهاب نحو خارج الحدود الحالية (باتجاه المعامل والمناطق المفتوحة) تظهر من الناحية الهندسية والتخطيطية أكثر واقعية   من مشروع 10×10 القديم، فذلك المشروع    كان شبه مستحيل التطبيق لأنه تطلب هدم قطاعات قائمة ونقل مئات آلاف العائلات مؤقتا لإعادة البناء، وهي معضلة اجتماعية وعشائرية وأمنية معقدة. المدينة الجديدة (خارج الحدود) أسهل تنفيذا لأن الأرض فارغة، ولكن العبرة ليست بذكاء الفكرة التخطيطية، بل بالإرادة السياسية والتمويل المستدام. إذا بقيت هذه المدينة مجرد حبر على ورق، أو تحولت إلى بيع أراض للمستثمرين بأسعار لا تناسب الفقراء، فستكون مجرد إعادة إنتاج للفشل السابق.

ان تشخيص حاجات الناس للمشخص أصلا حالة متميزة للفشل، اذ الأمر ليس بحاجة للجان. المشكلات في مدينة الصدر، أو في مناطق المعامل، و حي النصر و الفضيلية، والحسينية، وفي مناطق جنوب شرق بغداد مثل اطراف حي الأمين الثانية والكرغولية و كذلك جسر ديالى والزعفرانية وغيرها من أطراف بغداد، ليست أسرارا عسكرية بحاجة لفرق استكشافية لفك شفرتها، فالواقع مكشوف، غياب شبكات الصرف الصحي، وتراكم النفايات، وشبكات الكهرباء المتهالكة، وشح مياه الشرب، وغير ذلك، هي ظواهر ترى بالعين المجردة وليست بحاجة سوى لـقرار تنفيذي وتخصيص مالي ونزاهة في العمل، فلماذا تشكل اللجان إذن؟ غالبا ما تلجأ الحكومات الجديدة لسياسة "تشكيل اللجان" لكسب الوقت، أو لامتصاص الغضب الشعبي، أو لإعطاء انطباع بالحركة والاهتمام في بداية الدورة الحكومية.

الشعب لن يثق بالوعود المتجددة، والشرخ بين المواطن والسلطة وصل إلى مرحلة يصعب ترميمها بالخطابات أو بـالتقاط الصور في الجولات الميدانية، المقياس الوحيد المتبقي لتصديق أي حكومة هو رؤية الآليات تعمل على الأرض والشوارع تبلط والمجاري تشق والماء النظيف يتدفق الى المنازل والكهرباء تتحسن، وأن تظهر نتائج ملموسة تغير من جودة الحياة اليومية للسكان؛ من دون ذلك، تبقى خطة "مدينة الصدر الجديدة" وتوجيهات رئيس الوزراء الحالي مجرد سطر إضافي في كتاب الوعود المؤجلة.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon