رواتب بضمانة الودائع: حكاية الاقتراض الذي يحل أزمة ليصنع أخرى

رواتب بضمانة الودائع: حكاية الاقتراض الذي يحل أزمة ليصنع أخرى

صادق الازرقي

2026-04-08T19:22:30+00:00

مع الاضطرابات الإقليمية التي أثرت على سلاسل توريد النفط برزت المخاوف في العراق من الاتجاه نحو مرحلة التقشف الاضطراري والتحذير من لجوء الحكومة لتعظيم الاقتراض الداخلي لتأمين النفقات التشغيلية في مجال رواتب الموظفين والتقاعد بدلا من النفقات الاستثمارية، وما ينجم عن ذلك من الاستنزاف المالي، وفي الحقيقة ان الحكومة كانت تفعل ذلك حتى قبل مشكلات الحرب الحالية.

وتكمن الخطورة في أن هذا النوع من الدين لا يولد عائدا اقتصاديا؛ فالاقتراض يجري لغرض الاستهلاك، لا لبناء مصانع أو انشاء بنى تحتية تدر أرباحا تسدد بها الدين مستقبلا. وتشير التقارير إلى أن نسبة الدين العام الداخلي إلى الناتج المحلي الإجمالي في العراق بدأت تقترب من مستويات حرجة تجاوزت 38% في بعض تقديرات عامي 2024 و2025، مما يضعف استدامة المديونية.

وتعتمد الحكومة بشكل كبير على سحب السيولة من المصارف الحكومية مثل الرافدين والرشيد ومن البنك المركزي عبر خصم حوالات الخزينة، و هذا يحول المصارف من محركات للتنمية إلى مجرد خزائن لعجز الدولة، ويؤدي الى   استنزاف احتياطياتها؛ وتبرز الخزينة بصفتها المتضرر الأول والمباشر من هذه السياسة، وتظهر الآثار في شكل أزمة سيولة مستمرة، اذ ان الاقتراض المتكرر يشير إلى أن الخزينة تعاني من فجوة اساسية؛ اذ تذهب معظم الإيرادات النفطية للرواتب، وأي انخفاض في أسعار النفط أو تعطل في التصدير كما حدث مؤخرا بسبب أزمات مضيق هرمز، يجعل الخزينة خاوية تماما أمام الالتزامات الأخرى.

كما ان القروض ليست مجانية، وان الخزينة تتحمل دفع فوائد سنوية متزايدة، مما يقتطع جزءا كبيرا من موازنات السنوات المقبلة لسداد ديون السنوات الماضية، وهو ما يصفه المختصون بـالثقب الأسود المالي، فضلا عن ان الموازنة العراقية تعاني أصلا من تضخم الجانب التشغيلي، والاقتراض يزيد من فقرة خدمة الدين في الموازنة، مما يقلص الحصة المخصصة للتعليم، الصحة، والخدمات، وغيرها من الضروريات.

وعندما تقترض الحكومة المبالغ الضخمة من المصارف المحلية، فإنها تستحوذ على السيولة التي كان من المفترض أن تذهب كقروض للقطاع الخاص والشباب لإنشاء مشاريع، هذا يؤدي لركود القطاع الخاص وزيادة البطالة، وفي حال اضطر البنك المركزي لإصدار نقدي جديد لتغطية هذه السندات، فإن ذلك قد يؤدي لزيادة المعروض النقدي من دون غطاء إنتاجي، مما يرفع أسعار السلع ويقلل القوة الشرائية للراتب نفسه الذي اقترضت الدولة لتأمينه.

وبلغة الأرقام، فانه برغم أن البنك المركزي يؤكد امتلاكه احتياطيات أجنبية جيدة تقدر بنحو108 مليار دولار قادرة على تغطية الاستيراد لمدة 12 شهرا، إلا أن الخطر يكمن في تحول الاقتراض من حل طارئ إلى سلوك دائم؛ هذا السلوك يرهن مستقبل الأجيال المقبلة لتسديد ضرائب استهلاكية، ويجعل الاقتصاد العراقي عرضة للانهيار أمام أي صدمة نفطية طويلة الأمد.

والاقتراض الداخلي في العراق الآن هو مسكن آلام، لكنه لا يعالج المرض، بل قد يؤدي إلى فشل في هيكل الاقتصاد إذا لم يقترن بإصلاحات حقيقية لتقليل الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل؛ و هذا القلق مشروع تماما، فالمواطن العراقي تعلم من تجربة أزمة جائحة كورونا عام 2020 وهبوط النفط، أن الراتب هو المحرك الوحيد للسوق، و في ظل المعطيات الحالية لعام 2026، وبحسب تقديرات المستشارين الماليين والبيانات المتوفرة في ظل توترات مضيق هرمز،  يمتلك العراق مصدات مالية تجعله قادرا على عبور الأزمة من دون تعثر ظاهر في الرواتب لمدة تتراوح بين 4 إلى 5 أشهر، وفي الشهرين الأولين لن يشعر الموظف بأزمة حقيقية؛ لأن هناك فارقا زمنيا بين بيع النفط وتسلم أثمانه، و الرواتب ستدفع بانتظام اعتمادا على السيولة المتوفرة ومدورات السنة السابقة، ومن الشهر الثالث إلى الخامس في الترتيب، تبدأ الحكومة بالاعتماد الكلي على الاقتراض الداخلي من البنك المركزي والمصارف الحكومية، هنا قد نشهد تأخيرات تقنية في المواعيد، فبدلا من تسلم الراتب يوم  20 مثلا ، قد تصل لليوم 30، لكن الرواتب ستستمر بالتدفق. 

ما بعد الشهر الخامس، إذا ظل مضيق هرمز مغلقا أو التصدير متعثرا الذي انخفض بنسبة 82% ليصل لـ 800 ألف برميل فقط، ستدخل الدولة مرحلة العجز عن التدبير ما لم تلجأ لحلول قاسية، وان الوصول الى النقطة الحرجة لا تعني توقف الرواتب بالضرورة، بل تعني فقدانها لقيمتها أو تحولها لمدفوعات جزئية، وتظهر هذه النقطة عندما تصل المصارف الحكومية (الرافدين والرشيد) إلى مرحلة لا تستطيع فيها إقراض الدولة من دون المساس بـودائع السكان أو الاحتياطي القانوني.

 وفي مرحلة "الادخار الإجباري"، قد تضطر الحكومة كما لوحت بعض التقارير مؤخرا (في آذار 2026) إلى قطع "المخصصات" والبدء بصرف الراتب الاسمي فقط، أو تأجيل صرف نسبة من الراتب (مثلا صرف 75% منه) وتدوير البقية كديون بذمة الدولة، وإذا اضطر البنك المركزي لطبع العملة من دون غطاء لتغطية القروض الحكومية، ستصل النقطة الحرجة عندما يتسلم الموظف راتبه كاملا لكنه لا يشتري له سوى نصف ما كان يشتريه سابقا بسبب انهيار القوة الشرائية للدينار.

وبما ان العراق يعتمد بنسبة 90% على صادرات الجنوب عبر المضيق فان استمرار التوتر يعني تراكم الخسائر فكل شهر يمر والمضيق مغلق، يفقد العراق نحو 7 إلى 8 مليار دولار من إيراداته، كما يتفاقم عجز الموازنة، اذ ان موازنة 2026 بنيت على فرضيات استقرار التصدير، وأي خلل يستمر لأكثر من فصل (3 أشهر) يجعل قانون الموازنة غير قابل للتطبيق عمليا، مما يستدعي تشريع "قانون اقتراض طوارئ" جديد.

 وبرغم ان المشهد قاتم، إلا أن العراق يمتلك احتياطيات أجنبية لدى البنك المركزي تتجاوز 100 مليار دولار، وهذه الاحتياطيات هي صمام الأمان الأخير، بحسب المختصين، اذ الدولة لن تسمح بتوقف الرواتب لأنها تدرك أن ذلك يعني انهيارا اجتماعيا، لذا ستلجأ لجميع الحلول الممكنة من الاقتراض، الى التقشف، والمناقلات، لضمان وصول الراتب، لكن التحدي سيكون في انتظام الموعد والقيمة الشرائية للراتب في ظل الأزمة.

وقد تفي بدائل تصديرية مثل الخطوط البرية أو الأنابيب الشمالية، ببعض التخفيف من حدة هذا الاختناق المالي حاليا، ولكنها لن تنفع في المدى البعيد.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon