رداءة الخدمة وغلاء الاشتراك: المواطن العراقي في متاهة الشبكة
صادق الازرقي
في الوقت الذي يتسابق فيه العالم نحو آفاق الذكاء الاصطناعي، يجد المواطن العراقي نفسه عالقا في دوامة ما يسمى "النانو" وتذبذب الإشارة، ليتحول حقه في الوصول إلى المعرفة الرقمية من خدمة أساسية إلى ترف مثقل بالضرائب والوعود.
إن أزمة الإنترنت في العراق لم تعد مجرد بطء في تحميل البيانات، بل غدت وجها جديدا من وجوه الفوارق الطبقية، اذ يجبر ذوو الدخل المحدود على اختيار باقات اقتصادية بطيئة تبقي تطلعاتهم الرقمية في حدودها الدنيا، وتستنزف الاشتراكات المرتفعة ميزانيات العائلات في بلد لا يزال يعتمد نظام "الأبراج" العتيق كبديل عن الألياف الضوئية الموعودة.
وتتداخل عدة عوامل تجعل الخدمة في العراق لا ترتقي لمستوى الطموح مقارنة بدول أخرى، من ذلك الاعتماد على "الوايرلس" بالأبراج، فأغلب اشتراكات المنازل تعتمد على تقنية الواي فاي من الأبراج المحلية، هذه التقنية تتأثر بالظروف الجوية، والتداخل في الموجات، والزخم على "النانو"، مما يسبب ضياعا كبيرا في السرعة قبل وصولها للجهاز.
وتمر الخدمة في العراق بسلسلة طويلة من الوسائط والوكلاء، البوابة الدولية وشركات تجهيز الإنترنت والوكيل الرئيس وصاحب البرج المحلي، وغير ذلك، وكل حلقة في هذه السلسلة تأخذ هامش ربح وتتسبب في استهلاك جزء من جودة الإشارة.
ان العراق يستورد سعات الإنترنت من دول الجوار أو عبر الكوابل البحرية وتكلفة تمرير هذه السعات وحمايتها في داخل الحدود العراقية مرتفعة، وتنعكس هذه التكاليف على سعر الاشتراك النهائي للسكان. ويأتي تأخر "المشروع الوطني" للألياف الضوئية في طليعة الأسباب، وبرغم البدء ببعض المشاريع، إلا أن التغطية ما تزال محدودة جغرافيا، ولا زال كثير من الناس يعتمدون على الكوابل النحاسية القديمة أو الأبراج.
وتعتمد الدول المتقدمة في مجال الانترنت، مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة، أو دول شمال أوروبا، استراتيجيات تقنية وإدارية مختلفة تماما ففي هذه الدول، يختفي مفهوم "البرج" في المناطق السكنية، ويصل كابل الألياف الضوئية مباشرة من مركز البيانات إلى داخل المنزل، هذا الكابل ينقل البيانات بسرعة الضوء ولا يتأثر بالتداخلات الكهربائية أو الجو، مما يوفر سرعات ثابتة تصل إلى 1 جيجابايت في الثانية بأسعار زهيدة.
وبدلا من تواجد عدد محدود من المجهزين، تتواجد سوق مفتوحة وتنافسية، وتفرض الحكومات قوانين تمنع الاحتكار، مما يجبر الشركات على تقديم أعلى سرعة بأقل سعر لجذب الزبائن، مع توافر "ضمان جودة الخدمة" الذي يعوض المشترك ماديا في حال انقطاع الخدمة أو هبوط سرعتها.
تقوم هذه الدول بإنشاء مراكز بيانات ضخمة في داخل حدودها، بحيث يجري استضافة محتوى المواقع العالمية محليا، هذا يعني أنك عندما تشاهد فيديو، فأنت لا تستدعيه من خادم في أمريكا، بل من خادم في مدينتك، مما يقلل الضغط على السعات الدولية ويزيد السرعة بشكل هائل.
ولا ينظر للإنترنت المتنقل5G و 4G كبديل لإنترنت المنزل، بل كمكمل له، ويجري ربط أبراج الاتصالات بشبكات ألياف ضوئية فائقة السرعة، مما يجعل تجربة الإنترنت على الهاتف تضاهي سرعة الألياف الضوئية المنزلية.
وللمقارنة، فان واقع الشبكة في العراق (غالبا) ما يعتمد موجات راديوية (أبراج / نانو) وفي الدول المتقدمة على ألياف ضوئية (كابل داخل البيت)، في العراق الاستقرار متذبذب (يتأثر بالجو والزخم) في الدول المتقدمة مستقر جدا وثابت، في العراق يتواجد احتكار أو تعدد وكلاء غير منظم، اما في الدول المتقدمة فهناك تنافسية حرة ورقابة حكومية صارمة. في العراق يجري الاعتماد الكلي على السعات الخارجية وفي الدول المتقدمة على مراكز بيانات ومحركات بحث محلية.
ما يحتاجه العراق فعليا هو تسريع وتيرة مد الكوابل الضوئية للمنازل وتقليل الاعتماد على أبراج الوايرلس، مع تفعيل دور رقابي يضمن للمواطن الحصول على السرعة التي يدفع ثمنها فعليا.
بحسب الأرقام، فان أسرع إنترنت (عام) في العراق تمثله شبكة ايرثلنك Earthlink الذي يعد من أسرع مزودي الخدمة بمتوسط سرعة تنزيل يقارب 38.9 ميجابت / ثانية، وإنترنت الموبايل (G4)، متوسط سرعته في العراق نحو 31 ميجابت/ثانية. الإنترنت المنزلي (كيبل ضوئي/أبراج)، سجل متوسط سرعة النطاق العريض الثابت فيه نحو 38.5 ميجابت/ثانية، وتتجاوز بعض خدمات الـ FTTH الـ 100 ميجابت/ثانية في بعض المناطق.
وأعلى سرعة تنزيل تحققه بعض الشبكات الخاصة (مثل Supercell) بسرعات تحميل بيانات تصل إلى 42.4 ميجابت/ثانية. وللمقارنة بسنغافورة مثلا، فان متوسط سرعة الانترنت فيها للتحميل للنطاق العريض الثابت نحو 368-407 ميجابت في الثانية، مع توفر باقات منزلية تصل إلى 1 جيجابت في الثانية. كما تشهد سرعات الهاتف المحمول (5G) تطورا كبيرا، اذ تصل لمتوسط سرعة تنزيل يتجاوز 145-219 ميجابت في الثانية.
ومن الضروري التذكير ان خدمات الاتصالات في العراق تنقسم إلى شركات الهاتف النقال ومزودي الإنترنت المنزلي، وتوفر آسياسيل (Asiacell) خدمات الإنترنت عبر الهاتف النقال (4G/4.5G)، وتعد من بين الأفضل في تغطية شبكة الهاتف وزين العراق (Zain IQ)، ثاني أكبر مشغل، توفر خدمات 4G واسعة. وكورك تليكوم (Korek Telecom)، تعمل بشكل رئيس في إقليم كوردستان ومناطق أخرى.
وفضلا عن ذلك تتواجد في العراق فاست لنك (Fastlink): مزود رئيس لخدمات الـ 4G المنزلية و سوبرسيل (Supercell)، من المزودين الذين يقدمون سرعات عالية، و شركات أخرى منها فاست عراق، الجزيرة للاتصالات، النبضة، الخزامى، والطوق الأخضر، وتختلف سرعة الإنترنت الفعلية بناء على نوع الاشتراك والموقع الجغرافي في داخل العراق، وتتباين في أسعارها ما يؤدي الى اضطرار محدودي الدخل الى الاعتماد على سرعات بطيئة.
وبرغم تحسن السرعة، تراجع العراق في تصنيف سرعات الإنترنت الثابت إلى المركز 119 عالميا بسبب الاعتماد المستمر على شبكات الأبراج التي تعد أضعف من الكيبل الضوئي الذي لم يفعل في أنحاء العراق كافة بعد. وتعاقدت وزارة الاتصالات العراقية مع شركات وهناك وعود بتحسن الجودة بشكل كبير في المدة المقبلة.