دور نيجيرفان بارزاني في المعادلات الإقليمية والدولية: الحرب الإيرانية الأمريكية أنموذجا

دور نيجيرفان بارزاني في المعادلات الإقليمية والدولية: الحرب الإيرانية الأمريكية أنموذجا

أ.د سردار قادر محي الدين

2026-08-26T18:42:49+00:00

في 16 آب/أغسطس 2026، نشر موقع "أكسيوس" (Axios)، وهو موقع إعلامي وصحفي رقمي أمريكي تقريرا أعده المراسل "باراك رافيد" حول وساطة قام بها رئيس إقليم كوردستان بطلب من الولايات المتحدة الأمريكية، وجاء التقرير تحت عنوان: (Scoop: Inside Trump’s secret backchannel to Iran’s Revolutionary Guard). وتعد هذه المرة الأولى التي تكشف فيها هذه المعلومات بعد ثلاثة أشهر من إتمام الوساطة.

ويشير التقرير الى ان طلب البيت الأبيض من رئيس الإقليم جاء بعد أن لمست واشنطن -نتيجة تأخر توقيع تفاهمات "إسلام آباد" بين أمريكا وإيران- غياب قيادة موحدة في إيران يمكن التوصل معها إلى اتفاق وتواصل مباشر، واعتقاد واشنطن بأن الحرس الثوري هو العائق وصاحب القول الفصل في البلاد، وأن أي اتفاق مع إيران لن يكتب له النجاح أو الفاعلية دون موافقته ورضاه.

وبعد ان تولدت القناعة لدى واشنطن بعجز الدول التي لعبت دور الوساطة (مثل باکستان، وقطر، وعمان، وتركيا) عن الحصول على إجابة تشفي غليل الطرف الأمريكي أو الوصول إلى المصدر المطلوب. 

ووفقا للمصدر ذاته، ولأجل الوصول إلى تلك الحقيقة، قدمت الولايات المتحدة -عبر مدير الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد- طلبا رسميا من ترامب إلى رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني.

ونتيجة لحرص أمريكا على التأكد من هذا الأمر، لارتباطه المباشر بمستقبل المفاوضات والاتفاق مع إيران، ولتحديد الطرف الذي يحاورونه ومن يملك القرار النهائي، بحسب ما أورده موقع "أكسيوس". وبناء على ذلك، أنجز التحرك الدبلوماسي خلف الكواليس بنجاح من قبل رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني.

أهمية وساطة رئيس إقليم كوردستان

استطاع نيجيرفان بارزاني بصفته رئيسا لاقليم كوردستان وممثلا له القيام بتحرك وساطة فريد ونادر في ظل المعادلات المعقدة والمتصاعدة في الشرق الأوسط،، وهو التحرك الذي طالما طمحت إليه دول عدة في المنطقة؛ لضمان لعب دور إيجابي في الأزمة من جهة، وللحفاظ على علاقات متينة مع الولايات المتحدة من جهة أخرى. ويحسب هذا التحرك نقطة إيجابية لصالح إقليم كوردستان ورئيسه.

يتمتع رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني بمكانة خاصة في المنطقة، وعلاقات متوازنة مع جميع الأطراف، مما يجعله محط قاصدي الوساطة وحل المشكلات.

وهذه هي الحقيقة التي أشار إليها "بريت ماكغورك" في إحدى مقابلاته، وهو الذي عمل مستشارا لشؤون الشرق الأوسط مع أربعة رؤساء أمريكيين متعاقبين.

وبالاضافة الى ان لنيجيرفان بارزاني العديد من نقاط القوة والعلاقات المتوازنة، فانه يمتلك خلفية واسعة بالمناخ السياسي الإيراني، ويتقن اللغة الفارسية نتيجة اقامته الطويلة هناك، وله معرفة بشخصيات هذا البلد تتفوق على معرفة العديد من قادة دول المنطقة.

كما حافظ رئيس الإقليم والإقليم نفسه على الحياد التام، ولم يكونا طرفا في الحرب بين أمريكا وإيران، رغم تعرض الإقليم لهجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيرة من قبل إيران والجماعات الموالية لها.

بناء على ذلك، لم يقتصر دور رئيس الإقليم وتوجه إقليم كوردستان على الحياد النسبي، بل كان حيادا إيجابيا وفاعلا في هذه الحرب. وهو ما يسر تكليفه بالوساطة وموافقة إيران على ذلك وثقتها به.

وبهذا الصدد استطاع نيجيرفان بارزاني تحقيق نتائج ملموسة اذ تجاوب كلا الطرفين مع وساطته؛ حيث قام بنقل المطالب والرسائل الأمريكية بوضوح إلى إيران، وتلقى رد الحرس الثوري على تلك المطالب.

لقد كانت نتائج الوساطة مؤشرا إيجابيا للطرفين، مما دفع واشنطن إلى تقديم طلب آخر لنيجيرفان بارزاني لاستضافة وفدي المفاوضات للطرفين في أربيل عاصمة الإقليم؛ وأبدى رئيس الإقليم موافقته على الاستضافة، وعلى الرغم من ان الإيرانيين رفضوا القدوم إلى أربيل لدواع أمنية، إلا أنهم اعتبروا أصل عقد اللقاء أمرا ممكنا.

وتعكس الثقة الامريكية بنيجيرفان بارزاني من بين جميع قادة الشرق الأوسط حقيقة مفادها أن إقليم كوردستان ما يزال يحتل مكانة خاصة في الاستراتيجية الأمريكية. كما أن دول المنطقة (مثل تركيا وإيران وسوريا والعراق) لم تعد تنظر للإقليم كتهديد لأمنها القومي، بل تلاشت تلك المخاوف وأصبحت هي من تطلب من رئيس الإقليم والحكومة التسهيل ولعب دور الوساطة لتحقيق التوافق الوطني بين حكوماتها المركزية والمكون الكوردي فيها، كما حدث في مسارات السلام في تركيا وسوريا وبعض المراحل في إيران. الامر الذي يعد نقطة تحول إيجابية في السياسة الخارجية لتلك الدول تجاه إقليم كوردستان.

ورغم الزيارات الرسمية المتعددة التي قام بها القادة إلى دول أوروبية وشرق أوسطية (حيث أجرى رئيس الإقليم وحده أكثر من 15 زيارة رسمية منذ 2014 بعيدا عن إيران وتركيا) بغية تعزيز موقع الإقليم على الخارطة الدولية وضمان الدعم الخارجي، إلا أن السؤال يظل قائما حول كيفية استثمار هذه الدبلوماسية.

كيف يتم الاستثمار السياسي والاقتصادي في التحركات الرسمية ودبلوماسية الكواليس؟

للأسف، وبسبب البيئة السياسية التي فرضت على الإقليم منذ عام 1992، لم يستغل هذا الحراك الدبلوماسي المهم بالشكل المطلوب. كان بمقدور الإقليم تحقيق تقدم أكبر وازدهار أوسع، ولربما كان بإمكانه لعب دور شبيه بدور "سويسرا" في الشرق الأوسط.

فهل يملك الإقليم القدرة على لعب دور سويسرا أو جنيف؟

تعتبر سويسرا وجنيف ظاهرتين تتمايزان قليلا لكنهما تشتركان في سمات الوساطة والحياد والدبلوماسية. فسويسرا تقوم على السيادة والحياد والاستقرار والازدهار المؤسسي، بينما تشير جنيف إلى السياسة الدولية والدبلوماسية والمؤتمرات والوساطة وقنوات التواصل بين الفرقاء.

هل باستطاعة الإقليم لعب هذا الدور؟

الاجابة بالتأكيد نعم إذا ما ركّزت الجهود نحو ذلك. فالإقليم يملك المقومات: الاستمرار في الوساطة بين الفرقاء العراقيين ودول المنطقة والعالم، والحياد النسبي (إذ لا يمكن للإقليم تحقيق حياد مطلق في ظل محيطه، لا سيما فيما يتعلق بحقوق الكورد في أجزاء كوردستان الأخرى)، والدبلوماسية متعددة الاتجاهات التي يقودها رئيس الإقليم، والاستقرار والأمن، وجودة القوة الناعمة (الجامعات، والمؤتمرات، ومراكز البحوث، والمنظمات الدولية، والاستثمارات، والتعايش السلمي). كل هذه العوامل تجعل بيئة الإقليم مهيأة لتكون منبرا إقليميا للحوار والوساطة.

كما استطاعت رئاسة الاقليم تبديد مخاوف دول كتركيا وإيران وسوريا تجاه مواطنيها الكورد، ليتحول الإقليم إلى راع لعمليات السلام بين تلك الحكومات ومواطنيها الكورد، مع الحفاظ على حياد نسبي يضمن التأكيد على الحقوق المشروعة للكورد بالطرق الديمقراطية والسلمية.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل تتوازى التحركات الدبلوماسية لرئاسة الإقليم مع البيئة السياسية الداخلية للإقليم؟

الإجابة بوضوح هي "لا". ففي الوقت الذي ينشغل فيه رئيس الإقليم بالوساطة في أشد صراعات الشرق الأوسط خطورة بين طرفين خصمين كإيران وأمريكا -ونيله ثقة الطرفين وتحقيقه لنتائج ملموسة- نجد أن العملية السياسية على المستوى الداخلي في الإقليم تشهد تراجعا وتأخرا في تشكيل الكابينة الحكومية العاشرة، مما يظهر عدم توازن واضح.

ومن أبرز التحديات التي تواجه رئيس الإقليم في أداء هذا الدور هو الانقسام والتشرذم السياسي الداخلي الذي يضعف ثقة ومكانة الإقليم داخليا وعلى مستوى العراق.

وكذلك التنافس الحزبي السلبي الذي تجاوز أخلاقيات العمل السياسي والقومي، وأثر سلبا على العلاقات الخارجية للإقليم ليجعله تابعة لتلك الصراعات.

والتحدي الاخر هو تذبذب العلاقة مع بغداد جراء غياب النية الصافية لدى بعض أطراف بغداد لتطبيق الفيدرالية من جهة، والدور السلبي لبعض الأطراف الكوردية من جهة أخرى؛ حيث يحملون الحزب الديمقراطي الكوردستاني مسؤولية أي تقصير أو تقدم، ويضعون العوائق بدلا من التكاتف، فضلا عن كون الإقليم جزءا من العراق مما يحدد أحيانا مساحة تحركه الدبلوماسي.

ومن التحديات الاخرى الحياد النسبي لرئيس الإقليم والذي قد يحد أحيانا من التحركات الدبلوماسية، إذ لا يمكن لرئاسة الإقليم الوقوف بجمود أمام الاستحقاقات الدستورية للإقليم أو الحقوق المشروعة للكورد في الأجزاء الأخرى، وإن كان هناك تفاهم ملحوظ مع دول المنطقة في هذا الشأن.

الملفات الأمنية والعسكرية الفرضية تعد تحديا واضحا اخر فهي تقحم الإقليم في الصراعات رغما عنه، على الرغم من تأكيد الرئاسة والحكومة مرارا أن الإقليم ليس جزءا من هذا الصراع ولن يكون طرفا فيه، ومحافظته الدائمة على الحياد.

ليس الهدف هنا أن يكون رئيس إقليم كوردستان محايدا أمام جميع الأحداث والأطراف، بل الأهم هو قدرته على المحاورة والنقاش مع الجميع دون أن يكون تبعا لأي طرف، وتوجيه هذه التحركات خدمة للمصالح الاستراتيجية لإقليم كوردستان وتطويرها، وهو ما تشير المعطيات إلى تحققه بشكل إيجابي.

ترجمة وكالة شفق نيوز بتصرف عن موقع penus

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon