دبلوماسية أربيل بين دمشق وقامشلو

دبلوماسية أربيل بين دمشق وقامشلو

يونس بهرام

2026-08-04T17:46:24+00:00

 وحدة البيت الكردي وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية

لم تكن زيارة رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني إلى دمشق زيارة بروتوكولية عابرة، بل جاءت في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تتقاطع فيه التحولات السورية الداخلية مع مسار السلام في تركيا، والتوترات القائمة على الحدود العراقية–السورية، وإعادة ترتيب موازين القوى في العراق ولبنان والمنطقة عموماً.

وتكتسب الزيارة أهميتها من كونها جاءت في سياق جهود سياسية متواصلة لتقريب وجهات النظر بين دمشق وقامشلو، ودعم مسار التفاهم بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية. وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، إلى جانب القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية الجنرال مظلوم عبدي، بوصفهما من أبرز مهندسي مسار السلام والحوار بين الطرفين.

فالطرفان يدركان أن استمرار الصراع أو العودة إلى المواجهة العسكرية لن يخدما الشعب السوري، ولن يوفرا للكرد أو لبقية المكونات السورية ضمانات حقيقية للمستقبل. ومن هنا جاءت الجهود الرامية إلى نقل العلاقة بين دمشق وقامشلو من منطق الصدام وإنكار الآخر إلى منطق التفاوض والتفاهم والبحث عن صيغة سياسية قابلة للحياة.

دبلوماسية نيجيرفان بارزاني وصناعة التفاهمات

يمتلك رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خبرة دبلوماسية واسعة، وعلاقات متوازنة مع عدد كبير من العواصم الإقليمية والدولية. وهو يعرف طبيعة التوازنات المحيطة بالقضية السورية، كما يدرك حساسية القضية الكردية داخل الدول الأربع التي يتوزع فيها الشعب الكردي.

ولذلك لم يذهب رئيس إقليم كردستان إلى دمشق بصفته منحازاً إلى طرف ضد آخر، وإنما بصفته شخصية سياسية قادرة على فهم هواجس دمشق من جهة، ومطالب الكرد السوريين ومخاوفهم من جهة أخرى.

فدمشق تنظر إلى وحدة الدولة والسيادة باعتبارهما أساس أي تسوية سياسية، بينما يرى الكرد أن العودة إلى سياسات الإنكار والإقصاء وحرمانهم من حقوقهم القومية والثقافية لم تعد مقبولة أو قابلة للاستمرار. وبين هذين الموقفين يمكن للدبلوماسية الكردستانية أن تؤدي دوراً مهماً في بناء جسور الثقة، وتحويل المبادئ العامة إلى تفاهمات عملية.

ولا تعد زيارة رئيس إقليم كردستان إلى دمشق منفصلة عن اللقاءات والاتصالات التي جرت خلال عام 2025 وما بعده، سواء في أربيل أو عبر قنوات دبلوماسية أخرى. فقد أصبحت رئاسة إقليم كردستان طرفاً أساسياً في تشجيع الحوار بين ممثلي شمال وشرق سوريا والحكومة السورية، وفي الدفع باتجاه تسوية تحفظ وحدة سوريا وتضمن في الوقت نفسه الحقوق المشروعة للكرد وسائر المكونات.

دلالات الاستقبال الرسمي في دمشق

حملت الحفاوة التي استُقبل بها رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، بدءاً من المطار ووصولاً إلى قصر الشعب، دلالات سياسية لا يمكن فصلها عن مضمون الزيارة.

كما أن ظهور علم إقليم كردستان بأحجام واضحة وغير معتادة في بعض الأعراف الدبلوماسية لم يكن مجرد تفصيل شكلي، بل حمل رسائل سياسية ورمزية إلى أكثر من عاصمة في المنطقة.

فالرموز في العلاقات الدولية لا تقل أهمية عن الكلمات والبيانات الرسمية. ورفع علم كردستان في دمشق بهذه الصورة يمكن فهمه على أنه تعبير عن احترام مكانة إقليم كردستان ودوره السياسي، ورسالة إيجابية إلى الشعب الكردي في سوريا والعراق والمنطقة.

وقد أرادت دمشق، على ما يبدو، أن تقول إنها ترغب في فتح صفحة جديدة في التعامل مع القضية الكردية، وأنها لا تريد حصر هذه القضية في الإطار الأمني أو العسكري الذي حكم سياسات الأنظمة السابقة.

كما يمكن قراءة هذه الحفاوة باعتبارها رسالة إلى بعض القوى الإقليمية التي تسعى إلى خلط الأوراق مجدداً في سوريا والعراق ولبنان، خدمةً لمصالحها الجيوسياسية. فدمشق أرادت إظهار قدرتها على بناء تفاهمات مستقلة، والانفتاح على إقليم كردستان وعلى القوى الكردية في سوريا بعيداً عن سياسات التصعيد والحروب بالوكالة.

لكن القيمة الحقيقية لهذه الرمزية لن تكتمل إلا إذا تحولت إلى خطوات سياسية ودستورية واضحة، تعترف بالحقوق القومية والثقافية للكرد، وتضمن مشاركتهم في بناء مستقبل سوريا الجديدة.

اتفاق 29 كانون الثاني ومسار دمشق–قامشلو

تزامنت زيارة رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني مع استمرار الاتصالات بين دمشق والقيادة السياسية والعسكرية في شمال وشرق سوريا، وفي مقدمتها الجنرال مظلوم عبدي والسياسية الكردية إلهام أحمد.

ويعكس حضور ممثلي الإدارة السياسية والعسكرية الكردية في دمشق لدراسة كيفية تطبيق اتفاق 29 كانون الثاني أن التحركات لم تكن منفصلة بعضها عن بعض، بل جاءت ضمن مسارات متوازية ومتكاملة.

فبينما كان الحوار المباشر يجري بين دمشق وممثلي شمال وشرق سوريا، كان رئيس إقليم كردستان يؤدي دوراً دبلوماسياً يساعد على إزالة العقبات، وتوفير المناخ السياسي المناسب، وتقريب وجهات النظر بشأن الملفات الأكثر حساسية.

وتشمل هذه الملفات مستقبل المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال وشرق سوريا، وشكل الإدارة المحلية، وآليات المشاركة السياسية، وتوزيع الصلاحيات، والحقوق الدستورية للكرد، وإدارة الموارد الاقتصادية، وضمان أمن جميع المكونات.

ولا يمكن لأي اتفاق أن ينجح إذا اقتصر على الترتيبات العسكرية أو الأمنية وحدها. فالقضية الكردية في سوريا ليست قضية سلاح أو تشكيلات عسكرية فقط، وإنما قضية شعب وهوية وحقوق وتاريخ طويل من التهميش والحرمان.

ومن هنا ينبغي أن يتحول اتفاق 29 كانون الثاني إلى مدخل لحل سياسي شامل، لا إلى تسوية مؤقتة يجري استخدامها لتجاوز مرحلة معينة ثم التخلي عنها عند تغير موازين القوى.

دمشق والقضية الكردية

تحاول دمشق من خلال استقبال رئيس إقليم كردستان بهذه الحفاوة أن تقدم نفسها بوصفها سلطة مستعدة للانفتاح على القضية الكردية، سواء في إقليم كردستان أو في شمال وشرق سوريا.

إلا أن الاختبار الحقيقي لهذا الانفتاح لن يكون في المراسم أو البيانات، وإنما في السياسات العملية التي ستتخذها الحكومة السورية تجاه الكرد.

فالانفتاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف الدستوري بوجود الشعب الكردي بوصفه مكوناً أصيلاً من مكونات سوريا، وضمان حقوقه اللغوية والثقافية والسياسية، وإيجاد صيغة عادلة للإدارة المحلية واللامركزية، بما يحفظ وحدة البلاد ولا يعيد إنتاج المركزية التي كانت أحد أسباب الأزمات السورية.

إن سوريا المستقرة لا يمكن أن تُبنى على إنكار أي مكون من مكوناتها، كما أن الحفاظ على وحدة الدولة لا يتناقض مع الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي. بل إن الاعتراف بهذا التعدد يمكن أن يصبح مصدر قوة للدولة الجديدة، إذا جرى تنظيمه ضمن دستور ديمقراطي وعقد وطني جامع.

أربيل دار المرجعية الكردية

برزت أربيل خلال السنوات الماضية بوصفها مركزاً سياسياً ودبلوماسياً مهماً للكرد في مختلف أجزاء كردستان. فقد أصبحت مكاناً تلتقي فيه شخصيات وقوى سياسية قادمة من باكور، أي كردستان تركيا، وروژهلات، أي كردستان إيران، وروژآفا، أي كردستان سوريا، إضافة إلى قوى جنوب كردستان.

ولا يعني ذلك أن أربيل أصبحت سلطة سياسية تفرض قراراتها على جميع القوى الكردية، أو أنها تلغي خصوصية كل جزء من أجزاء كردستان. فلكل ساحة كردية ظروفها السياسية والاجتماعية وتجربتها الخاصة.

لكن أربيل أصبحت، بما تمتلكه من مؤسسات دستورية وعلاقات دولية وخبرة سياسية ودبلوماسية، داراً للمرجعية الكردية ومركزاً طبيعياً للحوار والتشاور وتنسيق المواقف بشأن القضايا المصيرية.

لقد أثبتت التجارب أن غياب المرجعية السياسية الجامعة يؤدي إلى تشتت الموقف الكردي، ويسمح للقوى الإقليمية بالتعامل مع كل طرف كردي بصورة منفصلة، واستغلال الخلافات الداخلية لإضعاف الجميع.

أما وجود مساحة كردية آمنة للحوار، مثل أربيل، فيمنح القوى الكردية فرصة لمناقشة خلافاتها بعيداً عن التدخلات الخارجية، وصياغة حد أدنى من الرؤية المشتركة لحماية الحقوق والمكتسبات القومية.

ومن هنا فإن دعم مكانة أربيل والتمسك بدورها المرجعي يمثلان مصلحة كردية عامة، شريطة أن تبقى أبوابها مفتوحة لجميع الأحزاب والتيارات، وأن تقوم مرجعيتها على الشراكة والتعددية والاحترام المتبادل، لا على الإقصاء أو احتكار القرار.

إن أربيل ليست مرجعية لحزب واحد أو اتجاه سياسي واحد، بل ينبغي أن تكون داراً لجميع الكرد، ومساحةً تجمع المختلفين حول القضايا القومية الكبرى، وتحافظ في الوقت نفسه على استقلالية القرار السياسي لكل جزء من أجزاء كردستان.

وحدة البيت الكردي ضرورة جيوسياسية

تأتي أهمية وحدة البيت الكردي في ظل مرحلة إقليمية تتعرض فيها المنطقة لاحتمالات إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات. ولهذا لم تعد الوحدة الكردية مجرد شعار قومي أو عاطفي، بل أصبحت ضرورة جيوسياسية لحماية الشعب الكردي ومكتسباته.

فالخلافات الحزبية والأيديولوجية، مهما كانت عميقة، يجب ألا تتحول إلى صراعات تسمح للآخرين باستخدام طرف كردي ضد طرف آخر. كما ينبغي ألا تتحول الجغرافيا الكردية إلى ساحة لتصفية حسابات القوى الإقليمية والدولية.

إن توحيد الموقف الكردي لا يعني إلغاء التعدد السياسي، بل يعني الاتفاق على مجموعة من الثوابت، في مقدمتها حماية الوجود القومي الكردي، ومنع الاقتتال الداخلي، ودعم الحلول السلمية، واحترام خصوصية كل ساحة، وعدم السماح باستخدام القضية الكردية لخدمة مشروعات إقليمية تتعارض مع مصالح الشعب الكردي.

وكلما اقتربت القوى الكردية من صياغة رؤية مشتركة، ازدادت قدرتها على التفاوض مع دمشق وبغداد وأنقرة وطهران، وعلى حماية الاتفاقات التي توقعها مع هذه العواصم.

أما استمرار التشتت والانقسام، فيجعل كل اتفاق عرضة للانهيار، ويحول الكرد من فاعل سياسي مؤثر إلى أوراق متفرقة تستخدمها الأطراف الأخرى ضمن صراعاتها.

ولهذا يجب على القوى الكردية دعم المسار الذي تقوده أربيل، ليس من باب التبعية السياسية، وإنما من منطلق الحاجة إلى مرجعية جامعة تحمي المصالح المشتركة وتمنع تكرار أخطاء الماضي.

مسار السلام بين أنقرة وآمد

لا يمكن فصل زيارة رئيس إقليم كردستان إلى دمشق عن تطورات عملية السلام بين أنقرة وآمد، أو دياربكر، وما يرتبط بها من محاولات لإيجاد حل سياسي للقضية الكردية في تركيا.

فأي تقدم في المسار بين الدولة التركية والحركة السياسية الكردية سينعكس بصورة إيجابية على شمال وشرق سوريا، وقد يفتح الباب أمام تخفيف التوترات الأمنية والعسكرية التي أثرت لسنوات في مستقبل المنطقة.

أما تعثر مسار السلام وعودة المواجهة، فسيدفعان باتجاه المزيد من الضغوط على قوات سوريا الديمقراطية، وسيعقدان العلاقة بين دمشق وقامشلو، وقد يؤديان إلى إعادة تغليب الحلول العسكرية على الحل السياسي.

وتملك أربيل في هذا الملف أيضاً موقعاً مهماً، بحكم علاقاتها مع أنقرة والقوى الكردية المختلفة. ويمكنها أن تؤدي دوراً في تشجيع الحوار ومنع انتقال الصراعات من ساحة إلى أخرى.

إن القضية الكردية في تركيا وسوريا والعراق وإيران تحمل خصوصيات مختلفة، لكنها في الوقت نفسه مترابطة من الناحية الجيوسياسية. وأي حرب أو تسوية في أحد هذه الأجزاء تترك آثارها المباشرة في الأجزاء الأخرى.

الحشد الشعبي والحدود العراقية–السورية

تثير التحركات والتجمعات العسكرية للحشد الشعبي على الحدود العراقية–السورية مخاوف إضافية في هذه المرحلة الحساسة.

فبغض النظر عن الأسباب المعلنة لهذه التحركات، سواء ارتبطت بمواجهة تنظيم داعش أو بحماية الحدود، فإن وجود قوات وفصائل مسلحة متعددة الولاءات قرب الحدود يهدد بتحويل المنطقة إلى ساحة تنافس بين القوى الإقليمية.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة للكرد ولإقليم كردستان، لأن المناطق الكردية تقع عند تقاطع الممرات التي تربط إيران والعراق وسوريا وتركيا. وأي تصعيد عسكري على هذه الخطوط سيؤثر مباشرة في أمن الإقليم وشمال وشرق سوريا، وفي حركة التجارة والطاقة، وفي استقرار المدن والمجتمعات الحدودية.

كما أن تصاعد التوتر على الحدود قد يعطل تنفيذ التفاهمات بين دمشق وقامشلو، ويدفع مختلف الأطراف إلى إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية بدلاً من التركيز على الحلول السياسية.

ولذلك فإن من مصلحة إقليم كردستان والقوى الكردية والحكومتين العراقية والسورية منع تحويل الحدود إلى جبهة مفتوحة أو ممر للصراعات الإقليمية.

الضغوط على دمشق وخطر الحرب في لبنان

ترتبط زيارة رئيس إقليم كردستان إلى دمشق أيضاً بالضغوط الإقليمية والدولية المحيطة بسوريا، ومن بينها الحديث عن ضغوط أميركية على دمشق للدخول في مواجهة مع حزب الله أو الانخراط بصورة أكبر في الصراع الدائر حول لبنان.

وأي انزلاق سوري نحو حرب جديدة في لبنان ستكون له تداعيات خطيرة على الداخل السوري وعلى المنطقة بأكملها. فدمشق، الخارجة من سنوات طويلة من الحرب والدمار، تحتاج إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة ومعالجة أزماتها الداخلية، لا إلى فتح جبهات جديدة.

كما أن دخول سوريا في مواجهة إقليمية سيؤثر في الاتفاقات التي أبرمتها أو تحاول إبرامها مع القوى الداخلية، وفي مقدمتها التفاهم مع قوات سوريا الديمقراطية.

وسيكون الكرد من بين أول المتضررين من أي حرب جديدة، لأن مناطقهم تقع في قلب التنافس الإقليمي، ولأن القوى الكبرى قد تعيد استخدامهم كورقة ضمن الصراع ثم تتخلى عن التزاماتها عند تغير المصالح.

فالكرد ليسوا ضيوفاً على هذه المنطقة، بل هم من أبنائها التاريخيين وأحد شعوبها الأصيلة. ولذلك فإن كل حرب في العراق أو سوريا أو تركيا أو إيران تنعكس مباشرة على وجودهم ومستقبلهم واتفاقاتهم مع حكومات هذه الدول.

رسائل الزيارة إلى عواصم المنطقة

حملت زيارة رئيس إقليم كردستان إلى دمشق رسائل متعددة إلى العواصم الإقليمية.

فهي رسالة إلى بغداد بأن إقليم كردستان قادر على بناء علاقات إقليمية تخدم استقرار العراق وسوريا، من دون أن تكون هذه العلاقات موجهة ضد الحكومة الاتحادية.

وهي رسالة إلى أنقرة بأن الحل السياسي للقضية الكردية يمكن أن يحقق استقراراً أكبر من الحلول العسكرية، وأن إقليم كردستان يستطيع أداء دور إيجابي في تقريب وجهات النظر.

كما أنها رسالة إلى طهران بأن أمن الحدود والمجتمعات الكردية لا يمكن ضمانه من خلال الفصائل المسلحة أو صراعات النفوذ، بل من خلال بناء علاقات مستقرة بين الدول والاعتراف بحقوق الشعوب.

أما الرسالة الموجهة إلى دمشق، فهي أن إقليم كردستان مستعد لدعم وحدة سوريا واستقرارها، لكنه يرى أن هذه الوحدة يجب أن تقوم على الشراكة والاعتراف المتبادل، لا على عودة المركزية القسرية أو سياسات الإنكار.

أسباب نجاح الزيارة

يمكن تسجيل زيارة رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني إلى دمشق بوصفها خطوة سياسية ناجحة، على الأقل في مرحلتها الأولى، لعدة أسباب.

أولاً، لأن رئيس الإقليم يعرف بدقة الملف الذي جاء من أجله، ويدرك حدود دوره وطبيعة البروتوكول السياسي المتفق عليه مع الحكومة السورية. وقد تحرك بصفته وسيطاً وشريكاً في صناعة السلام، لا بصفته طرفاً يريد فرض شروطه على دمشق أو على ممثلي شمال وشرق سوريا.

ثانياً، لأن الحفاوة التي أظهرتها دمشق في استقبال رئيس إقليم كردستان شكلت إشارة واضحة إلى وجود تفاهمات إيجابية، وإلى اعتراف بالدور الذي تستطيع أربيل أداءه في حل الأزمات السورية والإقليمية.

ثالثاً، لأن الزيارة تزامنت مع استمرار الحوار بين دمشق والجنرال مظلوم عبدي والسياسية إلهام أحمد، ما يمنح الانطباع بأن جميع المسارات كانت تتحرك باتجاه هدف واحد، يتمثل في منع الحرب وتنفيذ التفاهمات القائمة.

رابعاً، لأن الزيارة أعادت التأكيد على مكانة أربيل بوصفها مركزاً للحوار الكردي والإقليمي، وعززت قدرتها على مخاطبة العواصم المؤثرة بصوت سياسي يقوم على الاعتدال والتوازن.

لكن النجاح النهائي لا يقاس بحفاوة الاستقبال وحدها، ولا بحجم الأعلام المرفوعة، وإنما بما ستنتجه الزيارة من خطوات عملية. فإذا أسهمت في تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني، ومنع المواجهة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، وضمان الحقوق الدستورية للكرد، فستكون قد فتحت بالفعل باباً جديداً في تاريخ سوريا والمنطقة.

تدل زيارة رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني إلى دمشق على أن القضية الكردية بدأت تنتقل، ولو بصورة تدريجية، من ساحات الصراع العسكري إلى فضاء الدبلوماسية والتفاوض.

كما تؤكد أن إقليم كردستان، بقيادته ومؤسساته وعلاقاته الدولية، يستطيع أن يؤدي دوراً محورياً في بناء السلام، ليس بين دمشق وقامشلو فقط، بل في العديد من الملفات الكردية والإقليمية.

غير أن نجاح هذا الدور يتطلب أولاً وحدة البيت الكردي، ودعم مكانة أربيل بوصفها داراً للمرجعية الكردية ومركزاً جامعاً للحوار والتنسيق.

وعلى الكرد بمختلف قواهم واتجاهاتهم أن يتمسكوا بهذه المرجعية، وأن يدعموا مسارها الدبلوماسي، مع الحفاظ على التعددية السياسية وخصوصية كل جزء من أجزاء كردستان.

فأربيل القوية والمنفتحة على جميع الكرد تستطيع أن تتحول إلى مصدر للاستقرار والحكمة السياسية، وإلى جسر بين الشعوب والدول، لا إلى طرف في صراعات المنطقة.

إن وحدة البيت الكردي ليست موجّهة ضد أي دولة أو شعب، وإنما هي وسيلة لحماية الكرد من التشتت، وتعزيز قدرتهم على المشاركة في بناء السلام، والحفاظ على حقوقهم ضمن أنظمة دستورية ديمقراطية.

فاستقرار سوريا لا يمكن أن يتحقق على حساب الكرد، كما أن حماية الحقوق الكردية لا يمكن أن تستمر في ظل انهيار الدول واتساع الحروب. وبين هذين المبدأين يبرز مسار أربيل بوصفه مشروعاً للحوار والشراكة ومنع تحويل الجغرافيا الكردية مرة أخرى إلى ساحة لتصفية صراعات الآخرين

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon