خارج حدود المادة 140.. القيمة الجديدة للأرض المتنازع عليها
علي حسين فيلي
لعقدين وأكثر ظلت مشكلة المناطق المتنازع عليها، مثل كركوك وخانقين وسنجار ومخمور وغيرها، راكدة ومحبوسة داخل النصوص الدستورية والمادة 140. ولطالما أظهر الخطاب السياسي السائد المشكلة وكأنها صراع إداري حول رسم خطوط الحدود او تقاسم بعض المناصب المحلية. ولكن عندما ننظر بعمق ومن وجهة نظر معاصرة الى الجانب الداخلي لهذه الجغرافيا نرى بأن مفهوم الأرض من وجهة نظر قومية مجردة، شهدت تحولات جذرية. وهذا الواقع الجديد لا يمكن معالجته بالأسلوب القديم وتتطلب هندسة مختلفة.
إن الثقل الجيوسياسي لهذا الملف لا يختزل في مساحته المقدرة بـ40 ألف كلم، بل يكمن في الفسيفساء البشرية المعقدة (نحو 5 ملايين نسمة) التي تهيمن على الشريان الحيوي لأغنى مصادر الطاقة والمياه والأمن الغذائي. وتاريخ الصراعات يكشف عن أن استحضار النماذج الدولية المشابهة يمكن أن يفتح آفاقا جديدة لفهم هذه المعضلة.
فعلى سبيل المثال، كانت منطقة "الالزاس واللورين" بين فرنسا وألمانيا بمثابة "كركوك أوروبا" لأكثر من قرن كامل! فقد كانت منطقة غنية بالمصادر الطبيعية ولها تركيبة سكانية مختلطة، سالت من أجلها الدماء لعدة عقود من الزمان. ولكن لم تحل المشكلة لا بفرض اللغة الفرنسية ولا عبر القوة العسكرية الالمانية، بل حلت عندما أبصر مشروع "الجماعة الأوروبية للفحم والصلب" النور، فتحولت هذه المنطقة من نقطة تصادم وصراع الى ممر اقتصادي مشترك. وفي المقابل هناك نموذج منطقة "أبيي" بين السودان وجنوب السودان، وبسبب وجود النفط والتداخل العشائري تمت صياغة فقرة مشابهة للمادة 140 لإجراء الاستفتاء عليها، غير أن الصراعات السياسية والعسكرية، عطلت الاستفتاء لتصبح المنطقة ضحية الشلل الإداري وساحة للكوارث الانسانية.
اليوم، يقف العراق حائرا بين اتباع النموذج المشلول لمنطقة "ابيي" او نموذج "الالزاس" الديناميكي، وهنا تسببت ثلاثة عوامل معاصرة في تغيير القيمة الجوهرية لهذه الأرض:
العامل الأول- التوازن الجديد للطاقة: في الوقت الذي يتجه فيه العالم الى الغاز الطبيعي والطاقة النظيفة بخطوات ثابتة، تحول الخط الجغرافي الذي يربط حقول الغاز غير المكتشفة (من ديالى الى نينوى)، الى مركز ثقل لتوازن القوى، فتحولت السجالات الكلامية على الدستور بين اربيل وبغداد، الى تنافس ذكي على إدارة هذه الطاقة الجديدة.
العامل الثاني- الممرات الدولية: أن مشروع طريق التنمية يهدف لربط الخليج بأوروبا، مجبر على المرور وسط هذه الجغرافيا، وهذا ما حول القضية من مشكلة داخلية إلى التنافس بين القوى الاقليمية مثل أنقرة وطهران على المنافذ الاقتصادية.
العامل الثالث- الامن الغذائي والمائي: أن الجفاف في الوسط والجنوب، غير نظرة بغداد الى هذه المنطقة الخصبة وباتت تراها بمثابة "سلة الغذاء الاخيرة".
وعلى المستوى الداخلي، أصابت المكونات القومية الانقسام في الرؤى. فالجبهة الكوردية تعاني من غياب خطاب إداري موحد. والجبهة العربية انقسمت بين رغبة السكان الأصليين في التعايش واجندات الوافدين، ويعيش التركمان هواجس التهميش. ومع ذلك فان التحول الإنساني الاكثر عمقا، هو بروز "جيل ما بعد 2003".
فهذا الجيل الشاب الذي يشكل غالبية أصوات الناخبين، لم يعد يعيش تحت وطأة ذكريات الماضي المشحونة بالتوترات، فهو جيل براجماتي يطالب بفرص العمل والازدهار الاقتصادي ولا يلتفت الى الشعارات التقليدية.
في هذه الاثناء انتهجت بغداد استراتيجية جديدة عن طريق تخصيص الموازنة الثلاثية المرتبطة بهذه المناطق، والمتمثلة بنقل ميدان الصراع من "السيادة الادارية" الى "حرب الموازنات والخدمات المباشرة" لكركوك وسنجار وغيرها، لكي تكون عملية الاستفتاء في المستقبل من الناحية العملية غير ذات أهمية وتفرغ من محتواها.
ومن أجل تجاوز هذا الانسداد، يمكن الاسترشاد بنموذج "جنوب تيرول" بين ايطاليا والنمسا ليكون أساسا للحل! هذه المنطقة التي واجهت المشروع الشوفيني للأيطلة (على غرار التعريب)، ولكن في النهاية تم حسم المشكلة عن طريق نموذج متطور للحكم الذاتي المالي والإداري، بشكل تخضع المنطقة لسيادة الدولة ولكنها تحتفظ بعائدات الضرائب واللغة والثقافة الخاصة بها، فأصبحت اليوم من أغنى مناطق أوروبا.
على الرغم من ان المادة 140 كنص قانوني اصابها الشلل، ولكن المنظور الجديد للنظر الى الواقع الراهن في المنطقة المتنازع عليها يكشف لنا أنه لم يعد بالإمكان التعامل مع القضية كمشكلة على الحدود أو مشكلة قومية مجردة. في الوقت الحاضر يعد نموذج "الادارة الامنية المشتركة" في الفراغات العسكرية في المناطق المتنازع عليها هو المعمول به والمطبق من الناحية العملية!