توظيفُ الْمُدَّخَراتِ بين الإرباءِ والغَرَرِ

شوان زنكَنة

2023-01-15T16:04:36.000000Z

يسعى الإنسانُ إلى اِدِّخَارِ قسطٍ من وارداتِه الماليةِ، طيلةَ حياتهِ، بهدف التَّحَوُّطِ، والاستخدامِ عند الحاجةِ، وبطَبيعةِ الحَالِ، يَهُمُّهُ المحافَظةُ على قيمةِ هذه الْمُدَّخَراتِ.. ولهذا، فمِن الطبيعي أن يبحثَ عن مَلاذاتٍ آمنةٍ لِمُدَّخَراتهِ، وطُرقِ إنمائِها، وإربائِها، وجَنْيِ الأرباحِ من تَوظِيفِها.

والفردُ في المجتمع، لا يكونُ مُلِمًّا، في العادةِ، بالمعلوماتِ عن الأسواقِ والاستثمارِ والتجارةِ، وطُرقِ توظيفِ المال، كما أنّه، في العادةِ، يَجهَلُ الأحكامَ الشرعيّةَ الخاصّةَ بالْمُعامَلاتِ الماليّةِ وتوظيفِ النّقودِ، فهو يُجَابِهُ، على العُمومِ، مَخاطِرَ تَوظيفِ مُدَّخَراتهِ من جهةٍ، ومَخاطِرَ وقوعِه في الرِّبا المحرَّمِ والمعامَلاتِ الْمَنْهِيَّةِ عَنها شرعًا، من جهةٍ أخرى، ويَهدِفُ هذا المقالُ إلى التَّنبيهِ لهذه المخَاطِر، وتَجنُّبِ الوقوعِ فيها.

يَحرِصُ أصحابُ المدَّخرات على توظيفِ مُدَّخراتِهم، دون احترازٍ، لدى جهاتٍ (أفراد أو مؤسسات)، يعتقدون أنها تُثْرِي مُدَّخَراتِهم بعَوائِدَ مُجزيَةٍ وسريعةٍ، من خلال معرفتِهم بهذه الجهات أو سَماعهم بأنشطتِها الاقتصادية، وهم، بِعَمَلِهم هذا يُعرِّضُون ما تَعِبُوا على اِدِّخارِه شَطرًا من عمرِهم، إلى مَخاطِرَ ضَياعِه، أو خسارةِ جزءٍ كبيرٍ منه، ناهيكَ عن وقوعِهم في إثمِ مُمارسةِ مُعامَلاتٍ ماليّةٍ مَنهِيَّةٍ عنها.

لذلك.. يُلفِتُ هذا المقالُ نظرَ المدَّخِرينَ، قبلَ الاِقْدام على توظيفِ أموالِهم، إلى مُراعاتِ الحقائقِ الاقتصاديةِ والشرعيةِ، التي يَغفُلون عنها، في الغالبِ، والتي يمكنُ ايجازُها بالآتي:

1- يُوظِّفُ المدَّخِرون أموالَهم، عادةً، بناءً على ما يَسمعونه من الآخرين، فيُقلِّدونَهم، أو بناءً على معرفةٍ شخصيةٍ، أو صلةِ قَرابةٍ، أو ما شاكلَ ذلك، ويَندُرُ أن يَقوموا بدراسةِ المشاريع التي يَنوُون الاشتراكَ فيها، أو دراسةِ جَدواها، بل وأحيانًا، يدفَعون كلَّ مدَّخَراتهم لتوظيفِها فيما لا يُعْلَمُ عنه شيئًا، لا من قريبٍ، ولا من بعيدٍ، فتَتعرّضُ أموالُهم للضّرر الشديد، ويدخلون في مَعْمعَةِ النزاع، والتَّخاصُمِ، والمحاكِمِ.

2- لا يُنظِّمُ المدَّخِرون، في الغالبِ، عُقودًا قانونيةً، وشرعيةً، مع الجهاتِ التي يُوظِّفون أموالَهم لدَيها، وإن فَعلوا، فهي، في الغالبِ، عُقودٌ عَقيمةٌ، ناقصةٌ، تَخلو من التَّكْيِيفِ الشرعيِّ، ممّا يُؤدِّي إلى خَلَلٍ، وغَبْنٍ يقعُ على الأطرافِ عندَ التَّحاكُمِ القانُونيِّ، أو الشرعيِّ.

3- توظيفُ المالِ من غيرِ دراسةٍ واضحةِ المعَالِم، هو ضَياعٌ صريحٌ للمالِ، بسبب انعدامِ الرَّقابَةِ المحاسَبيّةِ، وضعفِ المتابَعة، وتَحوُّلِ الاستثمارِ إلى مالٍ سائِبٍ، في الغالبِ، وأما توظيفُه من غير تَكييفٍ شرعيٍّ، وتحديدٍ لصورتهِ العَقْدِيَّةِ، فهو مُعامَلةٌ رِبَويَّةٌ مُحرَّمَةٌ شرعًا، بسبب الغَرَرِ والغَبْنِ الفاحشِ فيها، غالبًا، وعدمِ وضوحِ صورةِ تَوَلُّدِ الأرباحِ، وطبيعتِها، وطريقةِ حسابِها، وكيفيةِ توزيعِها.

ولِتَجْنِيبِ المدَّخِرين مَخاطِرَ الخسائرِ والوقوع في الرِّبا، يُوصي المقالُ بما يلي:

أ- عدمُ دفعِ المال إلى أيّةِ جهةٍ بشكلٍ عشوائيٍّ، وبدون انضِباطٍ، سواء لمشروعٍ معيّن، أو لخلطِه في أموال تلك الجهاتِ، إلا بعد التأكُّد من سلامة المشروع، والجهةِ الْمُنْشِأَةِ له أولا، وبعد دراسةٍ جادّة للمشروع، وللأنشطة الاقتصادية التي تُمارسها الجهاتُ التي تستثمرُ الأموالَ، ولا بُدَّ بهذا الخصوص من اِستشارةِ أهل الخِبرة، والتجرِبة، العامِلين في السُّوق. والسببُ لهذا التحذيرِ هو انقطاعُ علاقةِ المدَّخِرِ بمالِه بعد دفعِه للاستثمار، وعدمُ قدرتِه على الرقابةِ والمتابعةِ والمساءَلةِ، لذلك، يجبُ إعدادُ عقدٍ اقتصاديٍّ مُتكامِلِ الأركانِ، من قِبل مُختصِّين، يَهَبُ المدَّخِرَ كافةَ حقوقهِ كشريكٍ بقَدَرِ حصَّتِه، وبالأخصِّ، حقَّ المتابعةِ والمحاسبةِ.

ب- عدمُ دفعِ المالِ إلى أيّةِ جهةٍ قبل إنشاءِ عَقدٍ شرعيٍّ، يَتِمُّ بموجبِه تَكييفُ المعاملةِ شرعًا، وتَحديدُ شكلِها، بأحدِ أشكالِ المعامَلاتِ الماليّةِ، كالمضارَبةِ أو الشركةِ، أو المرابحةِ، أو الاستِصْناعِ، أو غيرِها، وتحديدُ نِسَبِ الشراكةِ، والارباحِ، وكيفيةِ توزيعِها، وبيانُ نوعيةِ التوظيفِ، من حيث استثمارِه في مشروع معيّنٍ، أو خَلطِه في مالِ الشريكِ، مع بيانِ حقوقِ وواجباتِ أطرافِ العقدِ بكلِّ وضوحٍ.

ج- عدمُ توظيفِ المالِ في السِّلَعِ المحرَّمةِ، أو في الْمُضارَباتِ في الأسواقِ والبورصاتِ، أو في تَجارةِ العُمْلاتِ الْمُشَفَّرَةِ، فكلُّ ذلك من الرِّبا المحرّمِ شرعًا، والْمُضِرِّ اقتصادًا.

والخلاصةُ.. يُحذّرُ المقالُ أصحابَ الْمُدَّخَراتِ من توظيفِ أموالِهم في استثماراتٍ غيرِ مَدروسَةٍ، ومجهولةِ المعالمِ، وفي استثماراتٍ بلا عُقودٍ شرعيةٍ مُتكاملةِ الأركانِ، ويُحَذِّرُ كذلك، من تَوظِيفِ أموالِهم في المضارَباتِ في الأسواقِ والبورصاتِ والعُمْلاتِ المشفّرةِ، وذلك، للمُحافَظةِ على سَلامةِ أموالِهم ومنعِهم من الوقوعِ في الرِّبا، بسببِ الغَرَرِ والغَبْنِ الْمُفْضي إلى النِّزاعِ، والخُصومةِ، والمحَاكِمِ.

ألَا هلْ بَلَّغْتُ، اللّهم فاشْهَدْ

Shafaq Live
Shafaq Live