تلوث نهر ديالى: صراع الصلاحيات يمنح الضوء الأخضر للكارثة البيئية

تلوث نهر ديالى: صراع الصلاحيات يمنح الضوء الأخضر للكارثة البيئية

صادق الازرقي

2026-04-12T09:49:25+00:00

أزمة حادة شهدتها بغداد وتتأثر بها محافظتا واسط وميسان، اذ تسبب تلوث نهر ديالى "سيروان"، بعد زيادة الاطلاقات المائية بفعل امتلاء سد حمرين، بإيقاف محطات تصفية المياه وتدني نوعية مياه الشرب بشكل خطير، واستنادا الى التحذيرات المسبقة، فإن عجز الجهات الحكومية عن المواجهة ليس ناتجا عن قلة المعلومات، بل عن تداخل معقد في الأسباب البنيوية والإدارية.

وتعد محطة معالجة الصرف الصحي في "الرستمية" المتهم الأول في هذه الأزمة، اذ صممت بطاقة استيعابية لم تعد تتناسب مع الانفجار السكاني في بغداد، وتضطر المحطة لتصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة مباشرة إلى نهر ديالى؛ وتحول النهر بمرور السنين إلى مكب للمخلفات، وعندما ترتفع مناسيب المياه أو تزداد الإطلاقات المائية من سد حمرين كما حدث مؤخرا، تتحرك الرواسب الطينية والملوثات الثقيلة الراكدة من قاع ديالى لتندفع بقوة نحو نهر دجلة عند نقطة التقائهما، مما يسبب كارثة بيئية مفاجئة.

أحد أسباب العجز هو غياب المرجعية الموحدة، فكل جهة ترمي بالكرة في ملعب الأخرى، وزارة الموارد المائية، تقول أن دورها ينحصر في تأمين الحصص المائية، وتتهم أمانة بغداد ووزارة البلديات بالتقصير في معالجة مياه المجاري قبل رميها، وتسوغ الأمانة الأمر بتهالك الشبكات ونقص التخصيصات للمشاريع العملاقة، برغم إعلانها مؤخرا "نيسان 2026" عن تشغيل وحدات معالجة جديدة بطاقة 105 ألف متر مكعب يوميا لمحاولة احتواء الموقف، اما وزارة البيئة فدورها غالبا ما يقتصر على التشخيص والتحذير من دون امتلاك سلطة تنفيذية أو ميزانية قادرة على فرض التغيير على الوزارات والجهات الخدمية.

في السابق، كانت الإطلاقات المائية القوية تسهم في تخفيف تركيز الملوثات، أما الآن، ومع التغير المناخي وسياسات دول الجوار، فإن انخفاض منسوب مياه دجلة يجعل أي كمية من الملوثات القادمة من ديالى ذات تأثير سمّي مضاعف، لأن النهر يفقد قدرته على التنظيف الذاتي.

وتنتشر معامل الإسمنت والورش والمستشفيات على ضفاف النهر، وكثير منها يصرف مخلفاته الكيميائية والطبية مباشرة من دون معالجة، وتغيب المحاسبة وتفتقر القوانين البيئية إلى الرادع، فالغرامات المفروضة إن وجدت زهيدة مقارنة بتكلفة بناء وحدات معالجة خاصة لهذه المنشآت.

أي ان الحكومة لا تعجز عن رصد التلوث، بل تعجز عن تمويل وتنفيذ بنية تحتية تستوعب حجم الفضلات البشرية والصناعية لمدينة يقطنها نحو 9 ملايين نسمة. الحلول الحالية مثل زيادة الإطلاقات المائية لدفع الملوثات هي مجرد مسكنات ترحل المشكلة من بغداد إلى المحافظات الجنوبية، فيما يبقى نهر ديالى الضحية الأكبر لهذا الإهمال المزمن.

نهر ديالى حاليا ينظر إليه كـقناة لتصريف الفضلات، مما يقلل من قيمته العقارية والجمالية، وكانت قد طرحت حلول للاستثمار فيه مسبقا، انطلاقا من فكرة ان المستثمر عندما يمنح فرصة إقامة حدائق ومقاه، أي واجهات نهرية، فسيقوم بالضغط على الجهات الحكومية أو الاسهام في تمويل وحدات معالجة صغيرة لضمان جودة المياه المحيطة بمشروعه، و تتحول أكتاف النهر من مكبات للنفايات والأنقاض إلى مناطق جذب سياحي تدر أرباحا وتخلق فرص عمل للشباب في تلك المناطق، وعندما يرتاد الناس المتنزهات والمقاهي على ضفاف النهر،  يصبح المواطن هو المراقب البيئي الأول؛ فلن يقبل الزائر برؤية مخلفات أو شم روائح كريهة وهو يدفع ثمن خدمة سياحية، و سيضطر أصحاب المعامل والورش القريبة إلى التوقف عن الرمي المباشر خشية المساءلة القانونية أو الضغط الشعبي والنفور السياحي، وان الحدائق والمتنزهات تعمل كمصدات طبيعية، اذ تساعد الأشجار والمساحات الخضر على تثبيت ضفاف النهر ومنع انجراف التربة، و تعمل هذه المناطق كمرشحات طبيعية تقلل من وصول الملوثات السطحية إلى المجرى المائي.

اصطدم ذلك المشروع بانتشار العشوائيات والتجاوزات، اذ ان مساحات واسعة من ضفاف النهر مشغولة حاليا بمناطق سكنية غير رسمية أو أنشطة صناعية ملوثة، مما يتطلب إرادة سياسية لتعويض شاغليها أو تنظيمهم، وهو ما لم تنفذه الحكومة طوال أكثر من عشرين عاما.

  ان نهر ديالى يمر بمناطق ذات طبيعة جغرافية وأمنية خاصة، وتداخل الصلاحيات بين وزارة الموارد المائية المسؤولة عن حماية الضفاف وأمانة بغداد المسؤولة عن التخطيط العمراني قد يعرقل منح الرخص الاستثمارية، كما تتدخل "محافظة بغداد" ايضا في المشاريع المحلية. ان الاستثمار السياحي يتطلب مياها غير آسنة، وإذا بقيت محطات المعالجة الكبرى مثل الرستمية خارج الخدمة الكفؤة، فمن الصعب إقناع مستثمر ببناء مقهى بجانب مياه سوداء الرائحة.

في تجارب دولية مشابهة، مثل مشروع احياء نهر التايمز في لندن عاصمة بريطانيا، كانت الخطوة الأولى هي تطوير البنية التحتية للصرف الصحي تحت الأرض بالتزامن مع إطلاق الاستثمارات السياحية فوق الأرض.

المشكلة في العراق نادرا ما كانت ندرة الأموال، بل في كيفية إدارة هذه الأموال وحمايتها من دهاليز البيروقراطية، عندما تتحول المشاريع الخدمية إلى فرص للمساومة بين الدوائر المتعددة، يضيع الهدف الأساسي تحت ركام الأوراق والعمولات، ما يؤدي الى تشظيها وذلك يخلق ثغرة مثالية للفساد؛ اذ تضيع المسؤولية بين هذه الجهات، ويصبح "كتابنا وكتابكم" وسيلة لتعطيل أي مستثمر جاد لا يمتلك "ظهرا" سياسيا.

البيروقراطية ليست مجرد بطء إداري، بل هي أداة، وان تعقيد الإجراءات وتعدد التواقيع المطلوبة التي قد تصل لعشرات التواقيع للمشروع الواحد يخلق بيئة يضطر فيها المستثمر للبحث عن طرق مختصرة بالرشوة لتسريع معاملته، أو الانسحاب وترك الساحة للمقاولين المدعومين الذين لا تهمهم جودة التنفيذ بقدر ما تهمهم نسبة الربح السريع.

في مشاريع إحياء الأنهار الناجحة عالميا، تنشأ عادة هيئة تطوير مستقلة تمنح صلاحيات جميع الوزارات في داخل رقعة جغرافية معينة. في العراق، غياب مثل هذه الهيئات المستقلة يجعل أي مشروع لتطوير ضفاف ديالى يصطدم بقوانين تعود لسبعينات القرن الماضي تمنع إقامة منشآت ثابتة على الأكتاف، مما يقتل فكرة الاستثمار في مهدها، ولا يضع حدا نهائيا للتلوث.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon