بريطانيا تستعد لزمن لا يشبه الحرب .. وتكتب سيناريو الفوضى القادمة
دعاء هزاع الجابري
في ذاكرة الدول هنالك أوراق لا تموت حتى حين تنام طويلا في خزائن مغلقة ، تبقى صامتة وتنتظر لحظة يصبح فيها الماضي أقل بعدا عن الحاضر مما اعتقد الناس ، ولهذا تبدو عودة " كتاب الحرب " اليوم إلى بريطانيا أكثر من مجرد إعادة إحياء لوثيقة قديمة ، إنها علامة على أن العالم الذي اعتاد أن يطمئن إلى فكرة السلام الدائم بدأ يفقد شيئا من يقينه
فالطالما كان " كتاب الحرب " في زمن سابق أشبه بخريطة سرية للدولة عندما تسقط الحياة الطبيعية تحت ثقل الحرب ، حيث يحدد مسؤوليات المؤسسات وكيف تتحرك الحكومة وماذا يحدث عندما تصبح البلاد أمام تهديد استثنائي ، وبعد انتهاء الحرب الباردة بدء ذلك العالم يبتعد بما يكفي لكي توضع خططه في الأرشيف ، الا أن التاريخ لا يغلق أبوابه بهذه السهولة ، فاليوم تعود بريطانيا إلى تحديث خططها الحكومية المعروفة تقليديا باسم " كتاب الحرب " ضمن تصور أوسع للدفاع الداخلي الذي يربط بين المؤسسات المدنية والعسكرية ويستعد لاحتمالات امتداد الأزمات الدولية إلى الداخل البريطاني ، كما تستعد لندن لاختبار هذه الخطط في تمرين واسع خلال عام 2027
الا ان الأشد عمقا في تفسير هذا التحرك هو أن الحرب التي تخشاها الدول الحديثة لم تعد تشبه الحرب التي عرفتها الكتب القديمة ، فلم يعد الخطر بالضرورة طائرات تظهر في السماء ولا مدافع تعلن بداية المعركة ، فقد يكون الخطر أكثر هدوءا وأكثر قدرة على التسلل إلى تفاصيل الحياة الخدماتية اليومية ، حتى يصبح المجتمع نفسه ساحة للصراع ، لتتغير بذلك فلسفة الدفاع ذاتها ، حيث أن الدولة لا تستطيع حماية مجتمعها إذا كان المجتمع نفسه عاجزا عن الصمود أمام الساعات الأولى للأزمة ، لذلك تتجه بريطانيا اليوم إلى ترسيخ مفهوم أوسع للأمن لا يجعل الجيش وحده حارسا للبلاد بل يضع المؤسسات والاقتصاد والبنية التحتية والقطاع الخاص والمجتمع المدني وحتى الأسرة داخل دائرة الاستعداد الوطني
ومن ذلك تأتي الدعوات التي تبدو للوهلة الأولى بسيطة في الاحتفاظ بالماء والطعام غير القابل للتلف والبطاريات ووسائل الشحن والأدوية الضرورية ، الا أن خلفها فلسفة كبيرة ، فحين يصبح الماء المخزن في مطبخ منزل جزءا من مفهوم " الأمن الوطني " فإن معنى الحرب يكون قد تغير بالفعل ، فلا يعود الأمن صورة عسكرية على شاشة التلفزيون بل يصبح شيئا يسكن رفوف المنازل ، وهذه هي النقطة الأكثر إثارة في المشهد البريطاني ، فالحكومة لا تقول للمواطن إن الحرب ستقع وإنما تدربه على احتمال أن تتعرض الحياة الطبيعية لاضطراب مفاجئ ، لتشمل ايظا الإرشادات الرسمية أزمات متعددة من الطقس القاسي والكوارث إلى انقطاع البنية التحتية والهجمات السيبرانية وغيرها من حالات الطوارئ
فتظهر لنا من ذلك صورة لمجتمع بدأ يدرك أن هشاشة الحضارة الحديثة مخفية خلف وفرة تبدو ثابتة ، فما نعتبره بديهيا من " الضوء ، الماء ، الهاتف ، الإنترنت ، المتجر المفتوح ، المصرف ، والوقود " ليس إلا شبكة دقيقة من الأنظمة التي يجب أن تعمل معا في كل لحظة ، فإذا انقطع أحد خيوطها اكتشف الإنسان فجأة كم أصبح معتمدا على عالم لا يراه ، لهذا يبدو " كتاب الحرب " الجديد وكأنه لا يكتب فقط عن الحرب بل عن هشاشة السلام ، إنه محاولة لكتابة الساعات التي لا يعرف أحد كيف ستأتي ولا من أي باب ستدخل
ففي زمن أصبحت فيه الصراعات أكثر غموضا والهجمات الهجينة أكثر تعقيدا والحدود بين العسكري والمدني أقل وضوحا ، لا يكون أخطر ما في الحرب هو انفجارها بل قدرتها على الوصول إلى الناس دون أن يكتشفوا في اللحظة الأولى أنهم أصبحوا داخلها ، لذلك تبدو بريطانيا وهي تعيد فتح الملف القديم اليوم لا تستعيد الماضي بقدر ما تحاول أن تفهم المستقبل ، مستقبل قد لا تعلن فيه الحرب نفسها بصوت مرتفع ، حيث تبدأ بهدوء شديد .. حتى يصبح انقطاع النور أول صفحة في كتاب لم يكن أحد يريد قراءته .