"الأنفال: عندما تبتلع الصحراء وجوه الجبال
سيروان سعد
في تاريخ الشعوب، هناك جروح تلتئم وتترك ندوباً، وهناك جروح ترفض أن تغلق لأنها لم تكن مجرد إصابة، بل كانت محاولة لاقتلاع الوجود من جذوره. ذكرى الأنفال ليست مجرد رقم في رزنامة الأحداث التاريخية، وليست مجرد مأساة حلت بالكورد؛ إنها الوجع الذي يسكن في تفاصيل كل بيت في كوردستان، والصرخة التي لا تزال تتردد في تلال "كرميان" وجبال "بادينان".
الأنفال لم تكن حرباً بين جيشين، بل كانت حملة منظمة وممنهجة استهدفت الإنسان لكونه إنساناً، والطفل لكونه مستقبلاً، والشجر لكونه شاهداً. 182 ألف حلم وئدت في رمال الصحراء البعيدة، بعيداً عن مياه الزاب وعيون الجبال.
تخيل اللحظة التي يُجبر فيها الأب على ترك يد ابنه، أو الأم التي تُنتزع من رضيعها وسط غبار الشاحنات المظلمة. هذا هو الجانب البشري الذي لا تنقله كتب التاريخ الجافة؛ الأنفال هي رائحة التفاح المسموم التي غدرت بحلبجة، وهي ذكريات العرائس اللواتي لم يرتدين فساتين الزفاف، بل ارتدين الكفن الجماعي في حفر "نقرة السلمان" وغيرها من المقابر التي لا تزال تُكتشف يوماً بعد آخر.
رغم بشاعة المحاولة، أثبتت الأيام أن الروح الكوردية كانت أقوى من "الأنفال". فالحياة التي أرادوا مسحها، عادت لتزهر من جديد. اليوم، ونحن نستذكر هذه الفاجعة، لا نفعل ذلك لننكأ الجراح، بل لكي نؤكد أن الذاكرة أمانة، والوفاء للضحايا يبدأ برواية قصصهم بأسماء ملامحهم، وليس كمجرد أرقام. كما أن العدالة حق حيث المطالبة بتعويض الأحياء مادياً ومعنوياً، والاعتراف الدولي بهذه الجريمة كإبادة جماعية، والسلام هدف، لكي نضمن ألا تتكرر "أنفال" أخرى في أي مكان في العالم، ضد أي إنسان.
إلى الأمهات اللواتي ينتظرن خلف الأبواب منذ عقود، والآباء الذين لم تجف مآقيهم، إن أحباءكم ليسوا في التراب فقط، بل هم في كل شجرة بلوط تنمو، وفي كل أغنية كوردية حزينة، وفي إصرار هذا الشعب على البقاء والازدهار.
الأنفال غصة في القلب، لكنها أيضاً الدرس القاسي الذي علمنا أن الحرية ثمنها غالٍ، وأن الوجود لا يُمنح بل يُنتزع بالصمود.
"إنهم يستطيعون قطف كل الزهور، لكنهم لا يستطيعون منع الربيع من المجيء."
نرددها اليوم وكل يوم، لتبقى ذكرى شهدائنا منارة لا تنطفئ.