الأقليات في العراق: شركاء في الوطن وصنّاع في القرار

الأقليات في العراق: شركاء في الوطن وصنّاع في القرار

د. ضحى السدخان

2026-08-22T21:05:32+00:00

حين نتحدث عن الأقليات في العراق، فإننا لا نتحدث عن جماعات وافدة أو مكونات طارئة على تاريخ البلاد، بل عن جماعات دينية وقومية واجتماعية ارتبط وجودها بأرض العراق عبر قرون طويلة، وأسهمت في بناء حضارته ومدنه واقتصاده وثقافته وذاكرته الوطنية.

فالمسيحيون، والإيزيديون، والصابئة المندائيون، والشبك، والكرد الفيليون، والتركمان، والكاكائيون وغيرهم، يمثلون جزءاً أصيلاً من النسيج العراقي. وبعض هذه المكونات عاش في مناطق وجوده التاريخية قبل قيام الدولة العراقية الحديثة، وارتبط بالأرض والقرية والمدينة والنهر والمعابد والكنائس والمقابر والأسواق والعلاقات الاجتماعية التي تشكلت عبر أجيال.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل الأقليات عراقية؟

بل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: كيف نضمن أن تكون هذه المكونات شريكاً حقيقياً في صناعة القرار، لا مجرد مكونات يجري تمثيلها عند الحاجة؟

أولاً: الانتماء إلى الأرض ليس مرتبطاً بالأكثرية العددية

من الأخطاء السياسية والاجتماعية النظر إلى الانتماء الوطني من زاوية العدد.

فالوطن ليس ملكاً للأكثرية وحدها، ولا تُقاس المواطنة بحجم السكان. الإنسان الذي ولد في العراق، وعاش أجداده على أرضه، ودفن آباءه فيها، وأسهم في اقتصادها وثقافتها وتعليمها، هو جزء من تاريخها وحقها الوطني.

إن وجود المسيحيين في بلاد الرافدين، ووجود الصابئة المندائيين في جنوب العراق، ووجود الإيزيديين في سنجار ومناطق نينوى، والشبك في سهل نينوى، والتركمان في مدن وقرى متعددة، والكرد الفيليين في بغداد وواسط ومناطق أخرى، ليس ظاهرة حديثة يمكن اختزالها في مفهوم الأقلية السياسية.

إنها مكونات من مكونات العراق التاريخية.

ومن هنا فإن الدفاع عن حقوقها لا يعني منحها امتيازاً على حساب بقية العراقيين، وإنما يعني حماية مبدأ المواطنة المتساوية.

ثانياً: الدستور اعترف بالتنوع العراقي

أقر الدستور العراقي مبدأ المساواة أمام القانون وعدم التمييز، كما اعترف بحقوق المكونات المختلفة في ممارسة شعائرها الدينية والثقافية واللغوية.

وهذا يعني أن التنوع العراقي ليس مشكلة ينبغي التخلص منها، وإنما ثروة وطنية ينبغي إدارتها بصورة صحيحة.

والدولة التي تحمي تنوعها تكون أكثر استقراراً من الدولة التي تدفع مكوناتها إلى الهجرة أو العزلة أو الشعور بأن مستقبلها السياسي والاجتماعي غير مضمون.

ثالثاً: الكوتا خطوة مهمة لكنها ليست الحل الكامل

خصص النظام الانتخابي العراقي مقاعد للمكونات في مجلس النواب؛ ففي الانتخابات التي جرت وفق قانون انتخابات 2020، خُصصت تسعة مقاعد للمكونات: خمسة للمسيحيين، ومقعد واحد لكل من الإيزيديين والصابئة المندائيين والشبك والكرد الفيليين.

وهذه الكوتا تمثل ضمانة مهمة لعدم اختفاء صوت بعض المكونات من المؤسسة التشريعية.

لكن الكوتا يجب ألا تتحول إلى سقف سياسي يحصر المكون في عدد محدد من المقاعد.

فالمطلوب أن يستطيع العراقي المسيحي أو الإيزيدي أو الصابئي أو الشبكي أو الفيلي أو التركماني الوصول إلى البرلمان أيضاً من خلال القوائم الوطنية والدوائر الانتخابية العامة، لا أن تكون مشاركته السياسية محصورة بالمقعد المخصص لمكونه.

والأهم أن يكون النائب ممثلاً حقيقياً لأبناء مكونه، لا مجرد اسم يُستخدم لاستكمال مشهد سياسي.

رابعاً: من التمثيل إلى المشاركة الحقيقية في صناعة القرار

المشكلة لا تكمن دائماً في غياب ممثلي الأقليات عن البرلمان، وإنما في مدى قدرتهم على التأثير في القرار.

فالتمثيل الحقيقي يعني أن يكون لأبناء المكونات حضور في:

- مجلس النواب واللجان البرلمانية المؤثرة.

- الحكومة والوزارات والمؤسسات المستقلة.

- الإدارة المحلية.

- الأجهزة والهيئات الحكومية.

- السلك الدبلوماسي.

- المؤسسات الثقافية والتعليمية.

- مواقع صنع السياسات الوطنية.

- لجان المصالحة والحوار الوطني.

- القرارات المتعلقة بالمناطق التي يعيشون فيها تاريخياً.

وقد أشارت تقارير أممية سابقة إلى أن جماعات إثنية ودينية صغيرة واجهت محدودية في وسائل التعبير السياسي والمشاركة في الشأن العام، وهو ما يوضح أن وجود المقعد البرلماني وحده لا يعني بالضرورة تحقق المشاركة السياسية الفعلية.

خامساً: المسيحيون... ذاكرة العراق وعمقه الحضاري

المسيحيون العراقيون ليسوا مجرد أقلية دينية؛ إنهم جزء من تاريخ العراق الثقافي والحضاري.

من سهل نينوى إلى الموصل وبغداد والبصرة وغيرها، ترك المسيحيون بصمتهم في التعليم والطب والثقافة والإدارة والصحافة والاقتصاد.

وقد تعرضوا خلال العقود الماضية إلى موجات من التهجير والعنف، وكان تنظيم داعش أحد أخطر الاعتداءات التي تعرضت لها المكونات العراقية، ولا سيما المسيحيين والإيزيديين في عام 2014 وما بعده. وتشير الأمم المتحدة إلى أن العديد من أبناء هذه المكونات ما زالوا نازحين أو يعيشون خارج مناطقهم الأصلية.

إن بقاء المسيحيين في العراق ليس قضية دينية فقط، وإنما قضية وطنية وحضارية؛ لأن تهجيرهم يعني خسارة جزء من الذاكرة العراقية.

سادساً: الإيزيديون... أرض سنجار وحق العودة

الإيزيديون من المكونات العراقية الأصيلة، وارتبط تاريخهم بصورة خاصة بسنجار ومناطق نينوى.

وقد تعرضوا إلى واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش، بما شمل القتل والخطف والاستعباد والتهجير.

لكن حماية الإيزيديين لا تتحقق فقط بتعويض الضحايا أو منحهم مقعداً برلمانياً.

إنها تبدأ من حقهم في العودة الآمنة إلى مناطقهم، وإعادة إعمار مدنهم وقراهم، وحماية ممتلكاتهم، وضمان أمنهم، وإتاحة المجال أمامهم للمشاركة في إدارة مناطقهم وصناعة مستقبلها.

وقد اتخذت السلطات العراقية إجراءات لتعويض بعض ضحايا داعش وإعادة بناء دور عبادة ومساعدة المتضررين، إلا أن التحدي الأكبر يبقى في تحويل هذه الإجراءات إلى واقع مستدام على الأرض.

سابعاً: الصابئة المندائيون... أبناء الجنوب وذاكرة الأنهار

عندما نتحدث عن الصابئة المندائيين، فإننا نتحدث عن مكون ارتبط تاريخياً بمياه العراق وأنهاره، ولا سيما مناطق الجنوب.

وجودهم في بغداد والبصرة وميسان ومناطق أخرى جزء من تاريخ العراق الاجتماعي.

والصابئة المندائيون لم يكونوا منعزلين عن المجتمع العراقي؛ بل شاركوا في المهن والحرف والتجارة والتعليم والحياة الاجتماعية.

ومن المؤلم أن تتحول الهجرة وانكماش أعداد أبناء هذا المكون إلى تهديد لاستمراره داخل وطنه.

لذلك فإن حماية الصابئة المندائيين لا تعني فقط حماية شعائرهم، وإنما توفير البيئة التي تجعل أبناءهم يشعرون بأن لهم مستقبلاً في العراق.

ثامناً: التركمان والكرد الفيليون والشبك والكاكائيون

ولا يمكن الحديث عن التنوع العراقي من دون التوقف عند التركمان والكرد الفيليين والشبك والكاكائيين وغيرهم من المكونات التي أسهمت في تشكيل الشخصية العراقية.

فالتركمان جزء مهم من تاريخ مدن وقرى شمال العراق، والكرد الفيليون ارتبطوا تاريخياً ببغداد وواسط ومناطق أخرى، فيما يمثل الشبك والكاكائيون مكونات أصيلة من التنوع الاجتماعي في نينوى والمناطق المحيطة بها.

المطلوب هنا هو تجاوز النظرة التي تجعل كل مكون ملفاً أمنياً أو انتخابياً.

هذه المكونات يجب أن تُرى باعتبارها جزءاً من المجتمع العراقي وشريكاً في بناء الدولة.

تاسعاً: الخطر الأكبر هو تحويل الأقليات إلى ورقة سياسية

أخطر ما يمكن أن يحدث للمكونات العراقية هو أن تتحول إلى أدوات في الصراع السياسي.

عندما تستخدم جهة سياسية مكوناً معيناً لتعزيز نفوذها، ثم تتخلى عنه عندما تنتهي الحاجة إليه، فإنها لا تضر بذلك المكون فقط، وإنما تضر بفكرة المواطنة نفسها.

كما أن محاولة احتكار تمثيل أي مكون من قبل حزب أو جهة سياسية واحدة قد تؤدي إلى إضعاف التعددية داخل المكون نفسه.

لذلك يجب أن تكون المشاركة السياسية قائمة على الانتخابات الحرة، والكفاءة، والنزاهة، وحرية الاختيار، لا على فرض الوصاية السياسية.

عاشراً: هل الأقليات جزء من القرار السياسي أم مجرد ضيوف عليه؟

هذا السؤال يجب أن يكون محور النقاش الوطني.

لا يكفي أن نقول إن لدينا نواباً من المسيحيين أو الإيزيديين أو الصابئة أو الشبك أو الفيليين.

السؤال الأهم:

هل يشاركون في صياغة القرار؟

هل لهم حضور في رسم السياسة الاقتصادية؟

هل يشاركون في وضع السياسة الأمنية؟

هل لهم صوت في قضايا الأراضي والممتلكات؟

هل تؤخذ آراؤهم عند رسم مستقبل مناطقهم؟

هل يشاركون في إدارة ملفات إعادة الإعمار؟

هل يحصل أبناؤهم على فرص متساوية في الدولة؟

وهنا يجب الانتقال من مفهوم "تمثيل الأقليات" إلى مفهوم "المواطنة المتساوية والشراكة الوطنية."

الحادي عشر: حماية الأرض جزء من حماية المكون

لا يمكن حماية أي مكون من دون حماية ارتباطه بالأرض.

فالكنيسة ليست حجراً فقط، والمعبد ليس بناءً فقط، والمقبرة ليست أرضاً فقط.

إنها رموز للذاكرة والانتماء.

ولهذا فإن حماية ممتلكات المكونات ومنع الاستيلاء عليها أو تغيير ملكيتها بصورة غير قانونية، وإعادة النازحين، وتوفير الخدمات في مناطقهم، وحماية دور العبادة، كلها سياسات وطنية وليست مطالب فئوية.

فالتهجير لا يحدث فقط عندما يُجبر الإنسان على مغادرة منزله بالقوة؛ أحياناً يحدث التهجير بصورة تدريجية عندما تصبح الحياة في المنطقة غير ممكنة بسبب انعدام الأمن أو الخدمات أو فرص العمل.

الثاني عشر: العراق لا يستطيع بناء دولة قوية من دون تنوعه

قوة العراق ليست في تشابه أبنائه، وإنما في قدرته على إدارة اختلافهم.

فالعراق الذي يضم العربي والكردي والتركماني والكلداني والآشوري والسرياني، والمسلم والمسيحي والإيزيدي والصابئي والكاكائي وغيرهم، يمتلك تنوعاً ثقافياً واجتماعياً لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للصراع.

إن الدولة الحديثة لا تسأل المواطن عن طائفته قبل أن تمنحه حقه، ولا عن قوميته قبل أن توفر له الأمن، ولا عن دينه قبل أن تفتح له أبواب التعليم والعمل.

الدولة تسأل عن المواطنة والكفاءة والقانون.

الثالث عشر: المطلوب إصلاح سياسي لا مجرد شعارات

إن تعزيز دور الأقليات يحتاج إلى مجموعة من الإجراءات العملية:

1. ضمان المساواة الكاملة في الحقوق السياسية والمدنية.

2. تطوير نظام الكوتا بحيث تكون وسيلة للتمثيل لا وسيلة للعزل السياسي.

3. منع استغلال مقاعد المكونات من قبل القوى السياسية الكبرى.

4. ضمان مشاركة أبناء المكونات في مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والاستحقاق.

5. حماية الممتلكات والأراضي التاريخية للمكونات.

6. تسريع إعادة إعمار المناطق المتضررة من الإرهاب.

7. توفير الأمن والخدمات وفرص العمل في مناطق العودة.

8. حماية اللغات والتراث والآثار ودور العبادة.

9. إشراك ممثلي المكونات في القرارات التي تتعلق بمناطقهم ومستقبلهم.

10. بناء خطاب وطني يرفض وصف أي مكون بأنه "ضيف" أو "وافد" أو أقل عراقية من غيره.

خاتمة: العراق وطن الجميع

إن الأقليات العراقية ليست أقلية في الانتماء، حتى لو كانت أقلية في العدد.

والمواطنة لا تُقاس بعدد الأصوات، ولا بعدد المقاعد، ولا بحجم المكون السكاني.

العراق وطن المسيحي الذي عاش في نينوى، والصابئي الذي ارتبط بأنهر الجنوب، والإيزيدي الذي ارتبط بسنجار، والتركماني الذي عاش في مدن الشمال، والفيلي الذي كان جزءاً من بغداد وواسط، والشبكي والكاكائي وسائر المكونات التي ساهمت في صناعة التاريخ العراقي.

ومن هنا فإن حماية الأقليات ليست منّة من الدولة، بل واجب دستوري وأخلاقي ووطني.

والدولة التي تحمي أصغر مكوناتها تثبت أنها دولة لجميع مواطنيها.

أما الدولة التي تسمح بخروج مكوناتها واحداً بعد آخر، ثم تكتشف بعد سنوات أنها فقدت جزءاً من تاريخها، فإنها لا تخسر سكاناً فقط؛ بل تخسر ذاكرتها وهويتها وتنوعها الحضاري.

إن المطلوب اليوم ليس أن يعيش العراقيون المختلفون بجوار بعضهم فقط، بل أن يعيشوا شركاء في الوطن، وشركاء في القرار، وشركاء في المستقبل.

فالعراق لا يُبنى بالأكثرية وحدها، وإنما يُبنى عندما يشعر كل عراقي، مهما كان دينه أو قوميته أو مذهبه، أن هذه الأرض أرضه، وأن الدولة دولته، وأن صوته جزء من القرار الوطني.

 

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon