الأستاذ.. بائع السمك أنموذجًا
د. علي أحمد الزبيدي
في خضمّ التحولات العاصفة التي يشهدها العالم العربي، وإزاء ما يجري في سوريا من اضطرابات متسارعة، تتبدّى أمامنا تلك المؤشرات التي طالما سمعنا عنها منذ الصغر، والتي كانت تحذّر من أن هذه المنطقة ستغدو ساحة مفتوحة لصراعات محتدمة، ولا سيما في الشريط الحدودي السوري التركي، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة ومباشرة على العراق، خصوصًا محافظاته الحدودية التي ستكون أول المتأثرين وأثقلهم دفعًا للأثمان.
ومن هنا، نوجّه رسالة واضحة لا لبس فيها إلى المسؤولين والسياسيين والمنتفعين من هذا البلد، أحزابًا وأفرادًا: كفّوا عن صراعاتكم العبثية، وتوقّفوا عن اللهاث خلف المغانم والمناصب، فالتاريخ لا يرحم، والكرسي زائل، والسلطة عابرة، والجاه لا يدوم، وكل ما يُبنى على الظلم والانتهازية مصيره الانهيار، مهما بدا متماسكًا.
إن في تجارب العالم القريب عبرةً لمن يعتبر، فما جرى لبعض قادة الدول دليل ساطع على أن لا شيء ثابت في عالم السياسة، فقد يكون المرء رئيسًا في الصباح، وسجينًا في المساء، لتثبت الوقائع أن السلطة ليست ضمانة، وأن النفوذ لا يحمي من السقوط حين تختل الموازين.
نحن ندرك، بوعيٍ تام، أن المنطقة تمرّ بمرحلة حرجة تمتلئ بالظلم والجور، وأن الفوضى حين تستفحل تفتح الأبواب أمام الإرهاب ليخرج من كل فجّ، ولا سيما في بلدنا الذي تحوّل، للأسف، إلى محطة احتواء لعناصر إرهابية، يتمتعون بامتيازات داخل السجون، وتُصرف عليهم أموال طائلة من قوت الشعب، ليبقوا قنبلة موقوتة تهدّد الاستقرار الهش الذي نعيشه.
وفي مقابل ذلك، لا يمكن إعفاء المجتمع من مسؤوليته، فالشعوب شريكة في صناعة واقعها، ومن المؤلم أن نرى مظاهر الجهل والفساد والبذخ تتسع، وكأن الإسراف أصبح قيمة، والتفاهة معيارًا، والانحدار الأخلاقي أسلوب حياة. بالله عليكم، أليس من واجب الدولة أن تتصدى لهذه الظواهر، بدل الاكتفاء بإثقال كاهل الموظفين، واستقطاع رواتبهم، وفرض الجبايات على المواطنين؟
كيف يعقل أن يتحول أشخاص معدودون إلى رموز مؤثرة، لا لأنهم علماء أو مفكرون أو مثقفون أو مبتكرون، بل لأنهم أتقنوا استعراض المال أو إثارة الغرائز أو تسويق السطحية؟ ولماذا غاب صاحب الفكر والعلم عن دائرة الضوء، فيما تصدّر المشهد من لا يحمل أي قيمة معرفية أو أخلاقية، وكأنهم صُنّاع مجد هذا الوطن؟
نرى من يبيع سمكًا أو يدير مطعمًا فيتحول إلى “قدوة”، لا بسبب عمله الشريف، بل بسبب تضخيم ثروته واستعراضها، ونرى من كانوا متسولين بالأمس وقد أصبحوا اليوم “صنّاع محتوى”، ونرى نماذج للابتذال والانحراف تُسوّق في الشارع وعلى منصات التواصل، وتُقدَّم على أنها نجاح وشهرة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في المهن بحد ذاتها، بل في تحويل التفاهة إلى نموذج، وفي تسويق الثراء السريع بوصفه غاية الحياة، حتى بات الفقير يحلم بتقليد هذه النماذج، فيهجر الدراسة، وينبذ العلم، ويندفع إلى الشارع بلا ضوابط ولا قيم، باحثًا عن شهرة زائفة أو مالٍ سريع، ليقوده ذلك إلى الانفلات والسقوط.
وهكذا أصبح المال معيارًا للهيبة، وتُشترى الألقاب، وتفقد الشهادات قيمتها، حتى غدت سلعة رخيصة في سوق المصالح، وحصل عليها من لا يستحق، بل ومن يتصدر المشهد السياسي ذاته، فيما تُدار العقول بالدعاية، وتُصاغ القيم بالإعلان، حتى فقد الطعام نكهته، لأن من يروّج له بلا ذائقة ولا وعي.
وفي ختام ذلك، نقولها بوضوح: يا دولة، ويا حكومة، قفوا بوجه هؤلاء المتضخّمين بالمال، وافرضوا عليهم ضرائب عادلة وقوانين صارمة، واسألوهم السؤال الذي طال غيابه: من أين لك هذا؟ دقّقوا في مصادر ثرواتهم المتراكمة، فهم أولى بالمحاسبة، وأجدر بتحمّل الأعباء، بدل أن تُستنزف أرزاق الموظفين، وتُقتطع رواتبهم، وتُفرض الضرائب لا على كبار التجار وأصحاب النفوذ، بل على كاهل المواطن المسكين. إن العدالة لا تُبنى بإضعاف الضعفاء، ولا بالإجحاف بحق البسطاء، بل بمساءلة المتخمِين، وإعادة التوازن، وحماية المجتمع، قبل أن يتحول الصمت إلى شراكة، والتأخير إلى خسارة لا يمكن تداركها.