المسيحيون في العراق.. ألفا عام من الحضور وحق أصيل في صناعة القرار

المسيحيون في العراق.. ألفا عام من الحضور وحق أصيل في صناعة القرار

د. ضحى السدخان

2026-08-15T12:04:21+00:00

ليس السؤال: ماذا نعطي المسيحيين في العراق؟

بل السؤال: ماذا بقي من حقهم التاريخي في وطن كانوا وما زالوا جزءاً أصيلاً من تاريخه وحضارته؟

حين نتحدث عن المسيحيين العراقيين، فإننا لا نتحدث عن جماعة وافدة إلى العراق في العصر الحديث، ولا عن جالية جاءت من خارج المنطقة. نحن نتحدث عن مكوّن ديني وحضاري ارتبط ببلاد الرافدين منذ القرون الأولى للميلاد، وأصبح جزءاً من تاريخ العراق الاجتماعي والثقافي والديني والسياسي على مدى نحو ألفي عام.

ومن المهم هنا أن نكون دقيقين: حضارات العراق أقدم من المسيحية بآلاف السنين، ولذلك لا يصح القول إن المسيحيين كانوا «أول سكان العراق». لكن الصحيح تاريخياً أن المسيحية وصلت إلى بلاد الرافدين في مرحلة مبكرة جداً، وأن مسيحيي العراق يمثلون أحد أقدم المجتمعات المسيحية المستمرة في العالم. 

المسيحية في بلاد الرافدين منذ القرن الأول

تشير المصادر إلى وجود سكان من بلاد الرافدين في القدس في زمن انتشار المسيحية الأولى، كما تربط التقاليد المسيحية وصول المسيحية إلى بلاد الرافدين بالرسل وتلاميذهم، ومن أبرز الأسماء المرتبطة بهذا التقليد أدي وماري.

وبحلول القرون الأولى للميلاد كان للمسيحية وجود في مناطق متعددة من بلاد الرافدين، ثم أخذت تنمو بصورة واضحة، خصوصاً في شمال العراق وجنوبه.

وتشير الدراسات الأكاديمية إلى أن المسيحية كانت موجودة في العراق منذ أقدم عصورها، وأن شمال بلاد الرافدين شهد نمواً مبكراً للمسيحية حول أربيل، بينما ازدهرت كنائس مسيحية في جنوب بلاد الرافدين وصولاً إلى البصرة. 

وهذا يعني أن الحضور المسيحي لم يكن محصوراً بمدينة واحدة أو منطقة واحدة، بل امتد على مساحة واسعة من العراق التاريخي.

من سلوقية-طيسفون إلى بغداد

لم يكن العراق مجرد منطقة استقبلت المسيحية، بل أصبح في مراحل تاريخية مركزاً مهماً للمسيحية الشرقية.

ففي سلوقية-طيسفون، قرب بغداد الحالية، انعقد أول مجمع معروف لكنيسة المشرق عام 410م، وكانت الكنيسة قد أصبحت قبل ذلك متجذرة في العراق منذ فترة طويلة. ثم تحولت المنطقة إلى مركز كنسي وفكري مهم للمسيحية الشرقية. 

وخلال القرنين الخامس والثامن الميلاديين كانت سلوقية-طيسفون مركزاً رئيسياً لكنيسة المشرق، ثم انتقل مركزها إلى بغداد بعد أن جعلها العباسيون عاصمة للخلافة سنة 762م تقريباً. 

ومن العراق امتدت المسيحية الشرقية في اتجاهات واسعة، ووصل تأثيرها إلى مناطق بعيدة في فارس وآسيا الوسطى والهند وحتى الصين.

وهنا تظهر حقيقة مهمة:

العراق لم يكن مجرد موطن للمسيحيين، بل كان أحد المراكز التاريخية التي خرجت منها المعرفة والثقافة المسيحية إلى مناطق واسعة من آسيا.

الحيرة.. صفحة أخرى من تاريخ المسيحية العراقية

ومن المحطات المهمة أيضاً مدينة الحيرة، التي قامت قرب الكوفة الحالية.

كانت الحيرة مركزاً عربياً مهماً قبل الإسلام، ووجدت فيها جماعات مسيحية وكنائس وأديرة، وتشير الأدلة الأثرية إلى وجود كنائس تعود إلى القرنين السادس والسابع الميلاديين.

وهذا يكشف أن المسيحية كانت جزءاً من النسيج الاجتماعي والثقافي لجنوب العراق أيضاً، وليس فقط من مناطق شماله.

السريانية.. لغة العلم والثقافة

ارتبط تاريخ مسيحيي العراق كذلك باللغة السريانية، وهي إحدى اللغات الآرامية التي أصبحت لغة دينية وثقافية وعلمية مهمة في بلاد الرافدين.

وقد لعب العلماء والمترجمون والأطباء المسيحيون أدواراً مهمة في نقل المعارف الطبية والفلسفية والعلمية، خصوصاً في العصور الإسلامية.

وفي العصر العباسي تحديداً برز علماء وأطباء ومترجمون مسيحيون في بغداد، وأسهموا في حركة الترجمة ونقل علوم اليونان والسريان إلى العربية.

وبذلك لم يكن المسيحي العراقي مجرد فرد يعيش في المجتمع، بل كان مشاركاً في إنتاج المعرفة العراقية والعربية والإسلامية نفسها.

من بناء المدارس إلى بناء الدولة الحديثة

وفي العراق الحديث برز للمسيحيين حضور واسع في:

التعليم، والطب، والصيدلة، والهندسة، والصحافة، والأدب، والموسيقى، والإدارة، والدبلوماسية، والترجمة والثقافة.

وكانت المدارس والمؤسسات التعليمية المسيحية جزءاً من تاريخ التعليم الحديث في العراق.

ولهذا فإن الحديث عن المسيحيين ليس حديثاً عن كنائس فقط؛ وإنما عن مدرسة وطبيب ومهندس وصحفي ومثقف وموظف ودبلوماسي وفنان وأستاذ جامعي.

لكن ماذا حدث بعد 2003؟

هنا تبدأ الصفحة الأكثر ألماً.

قبل عام 2003 كانت تقديرات عدد المسيحيين في العراق تتراوح تقريباً بين 800 ألف و1.4 مليون نسمة، بحسب مصادر دولية مختلفة. 

وبحلول السنوات اللاحقة، تراجعت أعدادهم بصورة حادة؛ ففي تقرير صادر عن لجنة الولايات المتحدة للحريات الدينية الدولية عام 2018، نُقلت تقديرات بأن عدد المسيحيين أصبح أقل من 250 ألفاً، مقارنة بتقدير سابق بلغ نحو 1.4 مليون. 

كما قدرت اللجنة في تقريرها لعام 2020 عدد المسيحيين في العراق بنحو 200 ألف، مقابل نحو 1.5 مليون قبل 2003. 

أي أننا نتحدث عن انخفاض هائل خلال أقل من عقدين.

وهذا الانخفاض لم يكن نتيجة عامل واحد، بل نتيجة تراكم:

الحروب.

الإرهاب.

العنف الطائفي.

الهجرة.

تدهور الأوضاع الاقتصادية.

ضعف الأمن في بعض المناطق.

احتلال تنظيم داعش لمناطق واسعة عام 2014.

النزوح من الموصل وسهل نينوى.

وقد وثقت جهات دولية جرائم داعش ضد المسيحيين، إلى جانب جرائمه ضد الإيزيديين ومكونات عراقية أخرى. 

المشكلة ليست في عدد المسيحيين فقط

قد يقول البعض: إذا انخفض عدد المسيحيين، فلماذا نطرح موضوع تمثيلهم السياسي؟

والجواب بسيط:

الديمقراطية ليست حساباً عددياً فقط.

الديمقراطية الحقيقية تعني أن المواطن، مهما كان دينه أو قوميته أو مذهبه، يشعر بأنه شريك في الدولة.

والدستور العراقي نفسه ينص في المادة 14 على مساواة العراقيين أمام القانون دون تمييز بسبب الدين أو المذهب أو القومية أو الأصل، وتنص المادة 16 على أن تكافؤ الفرص حق مكفول لجميع العراقيين. كما يضمن الدستور حرية العقيدة والممارسة الدينية للمسيحيين وغيرهم. 

إذن، القضية ليست منّة من الأغلبية، وإنما حق دستوري في المواطنة والمشاركة.

خمسة مقاعد.. ولكن هل هي مشاركة حقيقية؟

يتكون مجلس النواب العراقي من 329 مقعداً. وفي النظام الانتخابي خصصت 9 مقاعد للمكونات، منها 5 مقاعد للمسيحيين في بغداد ودهوك وأربيل وكركوك ونينوى. 

وهنا يجب أن نتوقف.

خمسة مقاعد من أصل 329 تعادل نحو 1.52% من مجموع مقاعد مجلس النواب.

لكن القضية ليست فقط في عدد المقاعد.

السؤال الأهم:

هل يستطيع المسيحيون اختيار ممثليهم بحرية؟ وهل يستطيع هؤلاء الممثلون التأثير في القرارات الكبرى للدولة؟

فإذا أصبح مقعد الكوتا مرتبطاً بقوة سياسية أكبر من المكوّن نفسه، فإن الكوتا قد تتحول من وسيلة لضمان التمثيل إلى وسيلة لتقليص استقلالية التمثيل.

ولهذا فإن المطلوب ليس مجرد «مقاعد مسيحية»، بل تمثيل سياسي حقيقي ومستقل وفاعل.

أين حق المسيحيين في القرار السياسي؟

إذا كان المسيحي العراقي مواطناً كامل الحقوق، فلماذا لا يكون له حضور أكبر في:

مجلس الوزراء؟

مؤسسات الدولة العليا؟

السلك الدبلوماسي؟

الجامعات؟

المؤسسات الثقافية؟

الإدارات المحلية؟

صناعة السياسات العامة؟

لجان مجلس النواب المؤثرة؟

القرارات المتعلقة بالمناطق التي تشكل تاريخياً موطنه؟

إن المشاركة السياسية لا تعني أن يكون للمسيحيين «امتياز»، وإنما أن تكون أمامهم فرص متساوية للوصول إلى المواقع العامة على أساس المواطنة والكفاءة والاستحقاق.

سهل نينوى.. الاختبار الحقيقي

ربما تكون قضية سهل نينوى من أكثر القضايا التي تختبر جدية الدولة في حماية التنوع العراقي.

فهناك بلدات وقرى ارتبط بها الوجود المسيحي العراقي عبر قرون طويلة.

وعندما اضطر أهلها إلى النزوح، لم تكن الخسارة مجرد فقدان منزل.

إنها خسارة:

كنيسة، ومدرسة، ومقبرة، وذاكرة عائلية، ولغة، وتراث، وهوية مكان.

لذلك فإن إعادة المسيحيين إلى مناطقهم لا تتحقق بمجرد إعادة بناء البيوت.

بل تحتاج إلى:

أمن + خدمات + عمل + تعليم + حماية للملكية + إدارة محلية مستقرة + مشاركة سياسية حقيقية.

هل يريد المسيحيون امتيازاً؟

لا ينبغي أن يكون النقاش بهذه الطريقة.

المسيحي العراقي لا يحتاج إلى امتياز.

إنه يحتاج إلى مواطنة كاملة.

ولا ينبغي أن نقول:

«نعطي المسيحيين خمسة مقاعد».

بل ينبغي أن نقول:

«نضمن للمسيحي العراقي حقه في الوصول إلى مؤسسات الدولة مثل أي مواطن عراقي آخر».

فإذا كان مسيحياً وكفؤاً، فمن حقه أن يصبح وزيراً.

وإذا كان كفؤاً، فمن حقه أن يكون سفيراً.

وإذا كان أكاديمياً، فمن حقه أن يكون رئيس جامعة.

وإذا كان مؤهلاً، فمن حقه أن يتولى أي منصب في الدولة.

المعيار يجب أن يكون الكفاءة والمواطنة، لا الدين.

لماذا يجب أن نحافظ عليهم؟

لأن العراق الذي يخسر مكوّناً أصيلاً من مكوناته يخسر جزءاً من تاريخه.

عندما ينخفض مجتمع عاش في العراق قرابة ألفي عام من تقديرات تصل إلى 1.4–1.5 مليون قبل 2003 إلى تقديرات تقارب 200 ألف في السنوات التالية، فهذه ليست قضية ديموغرافية عابرة. 

إنها إنذار بأن التنوع العراقي نفسه يتراجع.

والتنوع ليس ضعفاً.

التنوع قوة اجتماعية وحضارية وسياسية، إذا أُدير على أساس المواطنة.

ماذا نريد؟

نحتاج إلى رؤية وطنية جديدة تتضمن:

أولاً: تطوير نظام الكوتا بما يضمن استقلال إرادة الناخبين من أبناء المكوّن، وعدم تحويل مقاعدهم إلى أدوات سياسية بيد قوى أخرى.

ثانياً: ضمان مشاركة المسيحيين في مؤسسات الدولة العليا وفق الكفاءة والاستحقاق.

ثالثاً: وضع برنامج وطني لإعادة النازحين المسيحيين إلى مناطقهم الأصلية.

رابعاً: حماية أملاكهم ومنع الاستيلاء أو التجاوز على عقاراتهم.

خامساً: دعم المدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية التي تحفظ التراث السرياني والكلداني والآشوري والمسيحي العراقي.

سادساً: حماية الكنائس والأديرة والمواقع التاريخية باعتبارها جزءاً من التراث الوطني العراقي.

سابعاً: ضمان أمن سهل نينوى ومنع تحويله إلى ساحة صراع بين القوى السياسية والمسلحة.

ثامناً: تشجيع الاستثمار وخلق فرص العمل في المناطق المسيحية لتقليل دوافع الهجرة.

تاسعاً: إشراك ممثلي المكونات في صياغة القرارات التي تمس مناطقهم ومستقبلهم.

الخاتمة: المسيحي ليس ضيفاً في العراق

العراق بلد عمره آلاف السنين، والمسيحية جزء من تاريخه منذ القرون الأولى للميلاد.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس:

ماذا نعطي المسيحيين؟

بل:

كيف نحفظ حق مواطن عراقي أصيل في أن يعيش في وطنه آمناً، وأن يشارك في إدارة دولته، وأن يحافظ على أرضه وتراثه ومستقبل أبنائه؟

المسيحي العراقي ليس ضيفاً حتى نمنحه حق الإقامة.

وليس أقل عراقية لأنه يختلف عنا في الدين.

وليس وجوده مرتبطاً بعدد مقاعد الكوتا.

إنه عراقي أولاً، ومسيحي عراقياً ثانياً، وجزء من ذاكرة العراق وحضارته.

وإذا كان العراق قد علّم العالم معنى الحضارة والكتابة والقانون، كما تقول ديباجة دستوره نفسها، فإن التحدي أمام الدولة العراقية اليوم هو أن تثبت أن الحضارة ليست آثاراً في المتاحف فقط، وإنما هي أيضاً قدرة الدولة على حماية الإنسان والتنوع والذاكرة. 

العراق الذي يحافظ على مسيحييه لا يحمي طائفة فقط؛ بل يحمي جزءاً من نفسه.

والعراق الذي يعطي المسيحي حقه في القرار السياسي لا يمنحه فضلاً، وإنما يعيد إليه حقاً من حقوق المواطنة.

*فمن كان شريكاً في تاريخ العراق منذ نحو ألفي عام، يجب ألا يكون غائباً عن صناعة مستقبله.*

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon