الكفاءة المزعجة.. حين يصبح النجاح عبئا

الكفاءة المزعجة.. حين يصبح النجاح عبئا

وفاء الفتلاوي

2026-10-01T08:06:39+00:00

في بيئات العمل، يفترض ان تكون الكفاءة واحدة من اهم المعايير التي تقوم عليها المؤسسات الناجحة، وان يجد الموظف القادر على الانجاز والتطوير مساحة اكبر للنمو وتحمل المسؤولية. لكن المفارقة التي باتت واضحة ومثيرة للتساؤل اليوم هي ان الكفاءة قد تتحول، في بعض البيئات الادارية، من قيمة يحتفى بها الى صفة تثير القلق والانزعاج.

المشكلة هنا لا تتعلق بالكفاءة بحد ذاتها، وانما بطريقة التعامل معها. فالمؤسسة التي لا تمتلك ثقافة عادلة في تقدير الاداء قد تقع في خطأ استخدام الموظف الكفوء كحل دائم لكل مشكلة، فتمنحه المزيد من الاعباء بدل منحه المزيد من الفرص، وتتعامل مع نجاحاته وكأنها امر مفروغ منه لا يستحق التقدير.

لكن محاربة الكفاءة لا تتخذ شكلا واحدا دائما. فبينما تستنزف بعض الكفاءات باغراقها بالمهام، قد تواجه كفاءات اخرى اسلوبا اكثر هدوءا واشد اثرا، يتمثل في ابعادها عن العمل اصلا، وحجب المسؤوليات عنها، وتقليص حضورها داخل المؤسسة، حتى يبدأ الموظف بالتساؤل عن قيمة وجوده ودوره. وهنا يصبح التجاهل وسيلة للاقصاء، ويصبح عدم منح الفرصة نوعا اخر من العقوبة.

وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة: موظف كفوء يجري التعامل معه بطريقة تجعله يشعر بان قدرته ليست محل تقدير. مرة بارهاقه حتى يستنزف، ومرة بتهميشه حتى يفقد الاحساس بقيمته.

والاكثر ارباكا ان المسألة قد تتجاوز اهمال الكفاءة الى اعادة ترتيب مواقع القرب داخل المؤسسة؛ فيبعد الموظف الكفوء عن دوائر التاثير، لا لضعف في ادائه، وانما لان حضوره المهني واستقلاليته قد لا ينسجمان مع بعض انماط الادارة، بينما يفتح المجال امام اشخاص اقل قدرة، لكنهم اكثر قربا وانسجاما مع المزاج الاداري السائد.

وهنا لا تعود المشكلة في اختيار الاشخاص فحسب، بل في معيار الاختيار نفسه: هل تكون الكفاءة هي الطريق الى القرب والمسؤولية، ام يصبح القرب هو الطريق الى الفرصة حتى على حساب الكفاءة؟

والاكثر غرابة ان الظاهرة لم تعد خفية. ففي بعض البيئات، يكفي ان يثبت الموظف قدرته حتى يصبح تحت رقابة اكبر، وان يبادر حتى تزداد المطالب منه، وان ينجز اكثر من المطلوب حتى يصبح المطلوب منه اكبر في كل مرة. وفي المقابل، قد يمنح الاقل كفاءة مساحة اكبر وحضورا اوسع، ليس بسبب ما يقدمه من انجاز، وانما بسبب قربه من دوائر القرار.

وهذه الثقافة لا تؤثر في شخص واحد فقط، بل ترسل رسالة الى بقية العاملين: لا تكن مختلفا كثيرا، لا تتحمل مسؤولية اضافية، ولا تجعل قدراتك ظاهرة اكثر مما ينبغي. وعندما تصل هذه الرسالة الى الموظفين، تبدأ الكفاءة بالانكماش من الداخل، لان الانسان حين يرى ان تميزه لا يفتح له بابا، بل قد يجعله اكثر عرضة للتهميش او الاستنزاف، قد يتعلم مع الوقت ان يعمل بقدر ما يطلب منه فقط.

المؤسسة الناجحة لا تقاس بعدد موظفيها، بل بقدرتها على اكتشاف الكفاءات والحفاظ عليها ومنحها المساحة التي تستحقها. فالكفاءة ليست مشكلة تحتاج الى معالجة، وانما ثروة تحتاج الى ادارة واعية.

فالمؤسسة التي تبعد الاكفأ وتقرب الاقل قدرة لا تخسر موظفا واحدا فحسب، بل تخسر معيارا كاملا كان يمكن ان يقودها الى التطور. وحين يصبح القرب اهم من الانجاز، والمجاملة اهم من القدرة، فان الخلل لا يعود في الموظفين، بل في البيئة التي تحدد من يستحق ان يتقدم ومن ينبغي ان يبقى في الهامش.

ولعل السؤال الذي ينبغي ان تطرحه المؤسسات اليوم ليس: كيف نسيطر على الموظف الكفوء؟ بل: كيف نحافظ عليه، ونمنحه البيئة التي تجعله اكثر قدرة على النجاح؟

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon