العشائر وسياسات الهدم الديموغرافي: قراءة في جذور التاريخ

العشائر وسياسات الهدم الديموغرافي: قراءة في جذور التاريخ

وهاب شاه محمد

2026-10-15T08:53:31+00:00

إن فهم طبيعة الصراعات والتوترات المستمرة بين بعض التشكيلات العشائرية من جهة، والكرد والدروز وغيرهم من المكونات الأصيلة من جهة أخرى في المشهد السوري والعراقي والإقليمي، يتطلب قراءة موضوعية تمتد من الجذور التاريخية والامتدادات الأولى لهذه البنى، وصولاً إلى الهندسة الديموغرافية والتقاطعات السياسية المعاصرة.

أولاً: الأصول التاريخية وتطور بنية العشائر (منذ التمدد الأول حتى العصر الحديث)

1. الامتداد التاريخي وثقافة التوسع والسيطرة

تعود الجذور الأولى لبعض هذه التشكيلات العشائرية إلى الهجرات والغزوات الممتدة من الصحراء وشبه الجزيرة العربية باتجاه بلاد الشام والعراق وشمال إفريقيا عبر فترات تاريخية متعاقبة. وقد فرضت الطبيعة الجافة للبادية وشح الموارد اعتماد نظام "العصبية" والولاء القائم على صلة الدم، واعتبار الهجرة المنظمة للمناطق والقرى والمجتمعات الأخرى وسيلة للحصول على الموارد والعيش هناك بشكل دائم.

2. التغيير الديموغرافي كعقيدة سياسية وأمنية

إن التغيير الديموغرافي عبر الاستيطان الموجه كان عبارة عن عقيدة سياسية وأمنية ثابتة ومتوارثة عبر القرون في مختلف أرجاء العالم العربي والإسلامي، استُخدمت دائماً لضرب تماسك المجتمعات الأصلية وإخضاعها لسطوة المركز.

فعبر التاريخ، لم تقتصر هذه السياسات على المشرق فحسب، بل شملت أيضاً توجيه وجلب عشائر كثيرة من صحراء الجزيرة العربية نحو شمال إفريقيا إبان الغزوات والموجات التاريخية المتعاقبة، بهدف أساسي يتمثل في تغيير البنية الديموغرافية للمنطقة وإيجاد قواعد نفوذ عسكرية وسياسية موالية للمركز (الخليفة أو السلطان)، تكون قادرة على ضبط الأطراف وجمع الضرائب وإخماد الثورات.

3. تحول الوظيفية السياسية

على مر العصور، تراوحت علاقة هذه العشائر بالسلطة المركزية بين التمرد والاحتواء؛ وغالباً ما كانت السلطات تحول هذه العصبيات إلى قوى عسكرية رديفة أو أدوات لضبط الأطراف مقابل إعطائها امتيازات أو إقطاعات أو غنائم، مما رسخ ثقافة الولاء القبلي على حساب مفهوم الدولة والمواطنة الجامع.

ثانياً: جذور العنف الممنهج والسياسات الاستئصالية

إن الإشارة إلى مفاهيم تاريخية مثل "الفرهود" (النهب المنظم وسلب الأملاك) واستخدام سياسات الإخضاع والتعريب تفتح الباب أمام قراءة أعمق لطبيعة العنف الممنهج الذي عانت منه المكونات غير العربية أو ذات الخصوصية الثقافية والدينية (كالكرد، والكرد الإيزيديين، والدروز وغيرهم) في تاريخ المنطقة الممتد.

في أوقات ضعف الدول أو بتوجيه مباشر منها، كانت هذه العصبيات تعود لممارسة السلب الممنهج واستباحة أرزاق المكونات الزراعية المستقرة من غير العرب أو ذات الخصوصيات الدينية والمذهبية، مع استحضار أحياناً لتأويلات تاريخية وفقهية خارج سياقها لتبرير النهب والسيطرة.

ثالثاً: نشأة الدولة الحديثة وصعود البعث (الستينات): مأسسة سياسات التعريب والعشيرة

شكل تأسيس الدولتين الحديثتين في سوريا والعراق بعد الانتداب فرصة الذهبية غير مسبوقة لبناء آليات سيطرة وتغيير ديموغرافي ذات طابع قانوني ومؤسساتي، إذ أتاحت أدوات الدولة الحديثة (السجلات العقارية، الإحصاءات السكانية، وقوات الجيش والشرطة) إمكانات لم تكن متوفرة للإمبراطوريات القديمة. ومع وصول حزب البعث إلى السلطة في ستينيات القرن الماضي (1963 في سوريا والعراق، وثبات سلطته المطلقة لاحقاً)، تحولت الأيدولوجيا القومية إلى سياسة رسمية للدولة تُسخَّر لها كافة أجهزتها الأمنية والعسكرية والتخطيطية:

1. الإحصاءات الاستثنائية وتجريد المواطنة

بدأت سياسة الهدم الديموغرافي في سوريا بإجراء "إحصاء عام 1962" الاستثنائي في محافظة الحسكة، والذي أسفر بقرار إداري واحد عن تجريد عشرات الآلاف من المواطنين الكرد من جنسيتهم وتحويلهم إلى " أجانب ومكتومي القيد"، مما مهد الطريق لتجريدهم من أراضيهم العقارية وممتلكاتهم لاحقاً.

2. مشروع "الحزام العربي" و"الأحزمة التعريبية"

تُرجمت الأدبيات البعثية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي (مثل دراسة محمد طلب هلال عام 1963) إلى خطط تنفيدية؛ حيث تم إنشاء "الحزام العربي" بطول مئات الكيلومترات على الشريط الحدودي في الجزيرة السورية، وجرى إجلاء الفلاحين الكرد عن قراهم وتوطين عشائر عربية تم استقدامها من البادية والمناطق المتضررة من بناء سد الفرات (المغمورين)، مع إعطائهم أراضي الكرد ومساندتهم أمنياً ولوجستياً.

3. التعريب القسري واقتلاع المكونات في العراق

في العراق، وبخاصة منذ أواخر الستينات وطوال السبعينات والثمانينات، شنت السلطة البعثية حملات تعريب واسعة طالت مناطق كركوك، سنجار، خانقين، وجلولاء. وتم استقدام عشائر عربية من وسط وجنوب العراق وتوطينها في هذه المناطق عبر إغراءات مالية وسكنية ومناصب إدارية، بالتوازي مع عمليات تهجير وتدمير آلاف القرى الكردية والإيزيدية، وتجميع السكان الأصليين في "مجمعات قسرية" لسلبهم أرضهم وتفتيت بنيتهم الاجتماعية.

4. الإغراء والغلاف القانوني لممارسات "الفرهود"

عقدت السلطات المتعاقبة صفقات مع شيوخ وواجهات عشائرية، وتم تسليح وتأطير هذه المجموعات بشرعنة رسمية تحت مسمى "حماية الحدود" أو "الصحوات" أو "القوى الرديفة"، وتقديم غطاء قانوني وأمني لممارسات تشبه "الفرهود المؤسساتي" عبر قوانين التأميم، المصادرة الزراعية، وإلغاء الملكيات التاريخية للكرد والدروز والإيزيديين.

رابعاً: التغيير الديموغرافي الشامل وأثره على السلطة والقوانين

لم يقف تأثير نقل وتوطين العشائر عند حدود المناطق الحدودية والزراعية، بل امتد ليتسبب في تحول بنيوي وديموغرافي طال المدن الكبرى وعواصم القرار (مثل دمشق، حلب، بغداد، الموصل):

أريَفة وعشيرة مراكز المدن: أدى التدفق العشائري الممنهج نحو المدن التاريخية إلى إحلال الولاءات دون الوطنية (العشائرية والمناطقية) محل مفاهيم الدولة المدنية والمواطنة المتساوية.

كما أثرت هذه التحولات على طبيعة السلطة والتشريعات الناظمة للأرض والملكيات؛ حيث صُيغت القوانين والمراسيم لتكرس نتائج الاستيلاء والتغيير الديموغرافي وتضفي عليها شرعية رسمية.

خامساً: الأبعاد الإقليمية المعاصرة واستمرار المشهد

إن الانفلات التسليحي والدعم اللوجستي والإعلامي والمادي الذي تحظى به بعض التشكيلات العشائرية المتفلتة اليوم في هجماتها ضد الكرد والدروز –الذين يدافعون عن أرضهم وعرضهم ومدنهم من الاعتداءات– هو امتداد مباشر لهذه السياسة الممتدة عبر القرون:

الدور التركي: استخدام وتوظيف هذه التشكيلات كقوات وكيلة لوأد أي مشروع إداري محلي أو ديمقراطي ولتقويض الوجود الكردي في الشمال السوري.

التمويل الخارجي وشبكات النفوذ: استمرار استخدام أموال وشبكات التمويل العابرة للحدود لإبقاء مناطق الأطراف في حالة استنزاف دائم، وإعادة إنتاج أدوات السيطرة والتعريب القديمة بلبوس جديد.

خلاصة

إن ما تشهده المنطقة اليوم ليس نزاعاً أهلياً عفوياً أو عارضاً، بل هو حصيلة استراتيجية تاريخية وسياسة ممنهجة استُخدمت فيها الورقة العشائرية والديموغرافية كأداة لتغيير موازين القوة، وإخضاع المكونات الأصيلة التي تخوض معركة وجودية مشروعة للدفاع عن أرضها وهويتها وحقها في البقاء.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon