الزيدي يقلد من سبقه في رفع سعر صرف الدولار.. الدوافع والآثار
د. شوان زنكَنة
قرّر مجلس الوزراء العراقي في جلسته المرقمة الثانية والعشرين، والمنعقدة بتاريخ 6/10/2026، وبناءً على ما عرضه وزير المالية ومحافظ البنك المركزي، تعديل أسعار صرف الدينار العراقي مقابل الدولار الأمريكي كما يلي:
1- يكون 1500 دينار عراقي للدولار الأمركي الواحد هو سعر شراء البنك المركزي العراقي للدينار من وزارة المالية.
2- يكون سعر بيع الدينار العراقي من قبل البنك المركزي العراقي لكافة المصارف والمؤسسات المالية المحلية 1510 دينار عراقي للدولار الواحد الأمريكي.
3- يكون سعر بيع الدينار العراقي من قبل المصارف والمؤسسات المالية المحلية للمستفيد النهائي 1520 دينار عراقي للدولار الأمريكي الواحد.
على أن يتم تنفيذ القرار بدءً من تأريخ 7/10/2026
السيد علي الزيدي يقلد من سبقه
بهذا القرار، قلّد رئيس وزراء العراق ما قام به وزير مالية العراق السيد علي عبد الأمير علاوي في حكومة السيد مصطفى الكاظمي نهاية عام 2020م، حينما خفّض سعر صرف الدينار العراقي تجاه الدولار الأمريكي من (1190، 1200، 1210) دينار عراقي إلى (1450، 1460، 1470) دينار عراقي للدولار الأمريكي الواحد، بنسبة انكماش للعملة العراقية مقدارها 22%.
وهو، بذلك، يعزز التصور عند المراقبين السياسيين بأنه لا يختلف عن سابقيه، في حين يجب عليه أن يثبت اختلافه الجذري، كي يتسيّد المشهد السياسي في العراق ويساهم في تأسيس نظام حكم جديد في الشرق الأوسط.
ويبدو أن الانكماش الحالي للعملة العراقية البالغ حوالي 15%، جاء أقل من سابقه، وتمّ تحديده بما يتوائم مع السعر في السوق الموازية، وبصيغة تتمكن فيها الأسواق من استيعاب وطأته، وتجاوز صدمته، من خلال ارتفاعٍ معقولٍ لسعر صرف الدولار قد يتراوح بين 1650 و1750 دينار عراقي للدولار الواحد.
الدوافع خلف هذا القرار
بعيدا ن نظريات المؤامرة، واضح أن هذا القرار اقتصادي محلي بحت، جاء على أثر جملة الدوافع والأسباب التالية:
* انخفاض الواردات النفطية جراء الأزمة في مضيق هرمز، الأمر الذي خلق عجزا كبيرا في الموازنة العامة، وهو ما دفع الحكومة والبنك المركزي إلى اتخاذ إجراء تحوّطي استثنائي مُسبَق لإدامة السيولة النقدية وتوفير احتياجات تمويل الموازنة وسدِّ عجزها.
* عزوف الحكومة عن الاقتراض لتوفير السيولة وتغطية عجز الموازنة، بسبب صعوبة الاقتراض، وآثاره المُثقِلة لكاهل الموازنة.
* حاجة الحكومة إلى اتخاذ إجراء نقدي عاجل لتوفير السيولة، في ظل الظروف الجيوسياسية المحيطة بالمنطقة والتي سيتأثر منها العراق.
* عدم قدرة الحكومة على ابتكار وسائل كفوءة لتوفير النقد المحلي، لأسباب تتعلق بالواقع السياسي والاقتصادي العراقي، وعدم نضوج حكومة الزيدي في التعامل معه.
* اختيار أهونِ الشرَّينِ من قبل الحكومة، فإما عدم القدرة على دفع الرواتب والإنفاق الحكومي، أو انكماش العملة العراقية، والتسبب بغلاء محدود، ولكن ملحوظ، في المعيشة.
* التخصيصات المالية اللازمة لتعيين وتثبيت أعداد كبيرة جدا من العقود والأجراء اليوميين والخريجين الأوائل، حسب ما وعد به السيد رئيس مجلس الوزراء، مقلِّدًا مَن سبقَه من نُظرائه، ولأسباب سياسية محضة، ومتجاهلًا العجز الذي سيصيب الموازنة بهذا الإجراء.
آثار القرار على الاقتصاد والأسواق والمواطنين
لاشكَّ أن لهذا القرار آثارًا سيئة ومؤلمة على العراق، وأنه قرار مجحِف وخاطئ، تمَّ اتخاذه لتلافي أخطاء أخرى، ناتجة عن سوء الإدارة والفساد المالي، ولكنه لا يخلو من جوانب إيجابية، قد لا تظهر لأول وهلة، ويمكن بيان هذه الآثار كالآتي:
فأثره على الاقتصاد العراقي، يكمن في تسبّبه برفع معدل التضخم، من جهة، وغلاء المعيشة الناتج عن ارتفاع أسعار السلع والمنافع، من دون قيام القطاع العام والخاص برفع مستويات الرواتب لمجاراة هذه الزيادة الطارئة، من جهة أخرى.
وكان التضخم الشامل (المعلَن) في شهر آب الماضي قد سجل ارتفاعا مقداره 0.7% على أساس شهري، قياسا بشهر تموز الماضي، وسجل ارتفاعا سنويا مقداره 3.3% قياسا بشهر آب من عام 2025م.
أما التضخم الأساس (ماعدا الغذاء والطاقة)، فقد سجل في شهر آب ارتفاعا مقداره 0.5% على أساس شهري قياسا بشهر تموز الماضي، وسجل ارتفاعا سنويا مقداره 3.4% قياسا بشهر آب من عام 2025م.
وأعتقد أن قرار انكماش الدينار العراقي سيدفع بالتضخم (الشامل والأساس) إلى الارتفاع ليتراوح بين (4-5)%.
وسيساهم هذا القرار بتوفير السيولة النقدية بالعملة الوطنية وتمكين الحكومة على الإنفاق العام، وبالأخص رواتب الموظفين، والتحسب لحالات الطوارئ التي قد تطرأ في ظل الأوضاع الإقليمية المتأزمة، ودق طبول الحرب.
كما أن هذا القرار ليس مجردَ تغييرٍ لسعر الصرف، أو قرارًا نقديا ذي آثار اقتصادية بل أصبح يتضمن أبعادًا قانونية وتعاقدية ستظهر آثارها في العقود طويلة الأجل والمشاريع الاستثمارية وعقود المقاولات والعلاقات التعاقدية مع الجهات الأجنبية، إذ سيتطلب تحديد الطرف الذي يتحمل مخاطر تغيير سعر صرف الدينار العراقي في تلك العقود.
وأما أثره على الأسواق، فسيقع بشكل مباشر على أسعار السلع والمنافع، وحسب المرونة السعرية لها، وتحكّم العرض والطلب فيها، وسنشهد، حتما، ارتفاعا في أسعار السلع والمنافع، وخاصة السلع المستوردة، إلا أنني أعتقد أن هذا الارتفاع سيكون محدودا، وستتوائم معه الأسواق مستقبلا.
وقد يتيح ارتفاع أسعار السلع المستوردة الفرصة لتعزيز الإنتاج المحلي الذي كان يعاني من المنافسة السعرية مع المنتج المستورد، وهو ما يجب أن تستغله الحكومة والمستثمرون.
وسيدفع هذا القرار المستوردين إلى الاستيراد عن طريق المنصة وبسعر الصرف الجديد الذي كان هو السعر السائد في السوق الموازية، والذي بُنِيتْ عليه أسعارُ السلع في الأسواق، وذلك، للمحافظة على مستويات الأسعار، وبالتالي التخفيف من وطأة تراجع المبيعات والمحافظة على مستوياتها الحالية، مما يعني تراجع المعاملات الجمركية خارج المنصة، والتقليل من التهرّب الضريبي.
ومن الآثار الجانبية لهذا القرار على الأسواق، هي تسوية المديونيات بالدولار والدينار بين التجار والمتعاملين معهم في الأسواق، فهذه المعظلة تتزامن مع حالات التغيير في أسعار الصرف أو تذبذبها، بسبب قرار حكومي، أو أزمة في الأسواق.
وأما أثر هذا القرار على المواطنين، فيتجلى في فقدهم 15% من القدرة الشرائية لمواردهم، وستكون وطأة هذا القرار السيئة جدا على الموظفين والعاملين في القطاعين العام والخاص، باعتبار ثبات مواردهم، فإذا لم تقم الحكومة برفع رواتبهم بما يتناسب مع انكماش العملة الوطنية، فهم، حتما، سيعانون من غلاء المعيشة، من الآن فصاعدا.
ويُعدُّ توقيتُ هذا القرار سيئ الصيت خاطئا بالنسبة للمواطنين، إذ جاء في ظل ارتفاع عالمي في الأسعار، ومخاطر جيوسياسية، وسوء الإدارة السياسية والاقتصادية للحكومة العراقية، مما يثقل كاهله بشكل متسلسل وقاس ومؤلم.
أرقام وتقديرات مشروع الموازنة العامة لسنة 2027م
* حجم الإنفاق الإجمالي: يتراوح بين 200 و217 تريليون دينار عراقي
* الإيرادات المتوقعة: تبلغ حوالي 170 تريليون دينار عراقي
* الطاقة التصديرية للنفط الخام مقدرة بـ (4) ملايين برميل من النفط يوميا
* العجز المالي : يُقدر بنحو 30-50 تريليون دينار عراقي
* سعر برميل النفط المقدر: يتراوح لدى تخمينات الحكومة بين 58 و70 دولارًا للبرميل.
* سعر صرف الدولار: جرى اعتماد سعر صرف يبلغ نحو 1500 دينار عراقي للدولار الأمريكي الواحد
هذه الأرقام التقديرية ليست واقعية، بشكل عام، مما يعني ظهور عجز أكبر من المتوقع في الموازنة، قد يدفع الحكومة إلى اتخاذ قرار لاحق في النصف الثاني من العام القادم بتغيير سعر صرف الدينار العراقي إلى (1700-1800) دينار عراقي للدولار الأمريكي الواحد، ما لم تَقُمْ باتخاذ الإجراءات الاقتصادية والسياسية اللازمة لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي.
ماذا كان يجب على الزيدي أن يفعله
كان أمام الزيدي خيارات عديدة، صعبة التنفيذ وطويلة الأجل، أو خيارات لا يمكن تنفيذها، وكان على عجالة من أمره، وأراد أن يستبق الأحداث، فاختار أسهلها التي نفذها بجرة قلم.
إلا أنني أعتقد أن مستشاريه قد وجّهُوه الوجهةَ الخطأ، فدفعوه لمعالجة جملة الأخطاء المتراكمة بخطأ شنيع آخر، بينما كان يمكنه اللجوء إلى الخيارات التالية لمعالجة أزمة العجز في الموازنة العامة، وتنفيذ المشاريع الاستثمارية:
1- نظرا لعزوف الحكومة عن إصدار السندات السيادية، لقلة الإقبال عليها، ولأنها أدواة دَيْنٍ، تثقل كاهل الحكومة، فإنه يمكنها أن تصدر صكوك استثمارية إسلامية على أصول وأعيان نفطية، والمشاركة في وارداتها وخدماتها، وهي أدوات شراكة شرعية وليست أدوات دَينٍ، قادرة على جذب مدخرات المواطنين والرأسمال الأجنبي معا، ولدي بحث مفصل عن هذا الإجراء، سأقدمه للحكومة قريبا إن شاء الله.
2- إلغاء العملة القديمة، وإصدار عملة جديدة، ومبادلتها بالقديمة وفق ضوابط محددة، وتسليمها خلال فترات، فالعملات التي تسلم في الداخل يتم تسليم بدائلها خلال شهر، والعملات التي تأتي من الخارج يتم تسليم بدائلها بعد سنة واحدة، وبذلك يتم توفير سيولة كافية للحكومة، لسعد عجز موازنتها مؤقتا، لحين اتخاذ الإجراءات النقدية الأخرى.
3- رفع الاحتياطي الإلزامي من العملة المحلية للمصارف العراقية من 22% إلى 30%، وذلك لتوفير سيولة نقدية من العملة المحلية للبنك المركزي الذي بدوره سيقرضه للحكومة.
4- استقطاع 10% من رواتب الموظفين الذين يتقاضون رواتب فوق 1.5 مليون دينار عراقي، وتأجيل دفعها لهم إلى موعد تتمكن فيه الحكومة من اعادتها إليهم كاملة.
5- إيقاف التوظيف الحكومي في موازنة 2027م، وترشيد الإنفاق فيها، قدر الإمكان، وتأجيل تنفيذ المشاريع الاستثمارية لمدة سنة واحدة، كل ذلك، وإضافة إلى اتخاذ إجراءات مالية أخرى، سيوفر للحكومة سيولة نقدية ويخفف العجز في الموازنة.
6- هناك إجراءات نقدية ومالية تتخذ في مثل هذه الحالات، وفق مبادئ الاقتصاد، لكنني لم أتطرق إليها، لأنها إجراءات كلاسيكية معروفة، من جهة، ولأن حكومة الزيدي لا تستطيع تنفيذها بكفاءة في ظل الظروف الراهنة، كالسيطرة على الموارد عير النفطية، وإجبار العملة العراقية المهرَّبة على الدخول في العملية التنموية العراقية، واستحصال الضرائب من الشركات العالمية العاملة في العراق، وبالأخص الشركات النفطية، وغيرها.
الخلاصة، كنت أنتظر من حكومة الزيدي أن تكون مختلفة عن سابقاتها، ولكنها تثبت، يوما بعد يوم، أنها تشبهها في كثير من تصرفاتها وإجراءاتها، وحتى طريقة تفكيرها، وهذه ليست بادرة خير.