"الرد على فتوى بخصوص حق المعتمر في الصرف بالسعر الرسمي"
د. شوان زنكَنة
الرد على الفتوى الصادرة عن لجنة الفتوى في مجلس علماء العراق
الندوة الفقهية في المستجدات المصاحبة لأداء العمرة في العراق، التي أقامها القسم العلمي ولجنة الفتوى في مجلس علماء العراق في مقره في اليرموك – بغداد، بتأريخ 22/8/2026
ناقش الفقهاء فيها خمس مسائل عُرضت على لجنة الفتوى في مجلس العلماء، وأجابت عليها كالآتي:
س1/ هل يجوز لشركة العُمرة أن تعرض سعر العمرة إلى بيت الله بالنقد كذا وبالقسط كذا مع زيادة في السعر؟
ج/ نعم يجوز وما تفعله شركات العُمرة هو عرض لبرامجها المتضمنه خدماتها بسعر حال أو آجل.. وفي النهاية يستقر الزبون على أحد العقدين فقط ويعرف السعر والخدمات ولا يوجد في هذا العقد غرر، وهذه الصورة ليست من الصور المنهي عنها كالنهي عن بيعتين في بيعة.
ردّي على فتوى اللجنة: كان على لجنة الفتوى أن تسوق الأدلة الشرعية لإسناد فتواها، فالقول ليس قول أعضاء اللجنة بل القول هو قول الشرع، لذلك يجب بيانه بوضوح وتفصيل.
وتفصيل المسألة، أن شركةَ العمرة تبيع خدمتها بمبلغ من المال، سواء باعتها نقدا أو بالأجل، فأما صحة عقد بيع الخدمة بالنقد، فبالفطرة البشرية التي جعلت البيع ظاهرة من ظواهرها الملازمة لها، وبنص قوله تعالى: "وأحلَّ اللهُ البيعَ، وحرَّمَ الرِّبَا" (البقرة: 275)، وبممارسة الصحابة للبيوع في سوق المدينة1، وبروح المبادئ الاقتصادية التي تقتضي، بالضرورة، ممارسة تبادل النقود والأثمان بالسلع والخدمات منذ أن بدأ الإنسان بالإنتاج ومبادلة منتجه بمنتج غيره.
وأما صحة عقد بيع الخدمة بالأجل، فبطبيعة الأسواق التي لا تنفكّ عن المداينات والبيوع الآجلة، وبنص القرآن الكريم، في قوله تعالى: "يَا أيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا إذا تَدَايَنْتُم بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فأكْتُبُوهُ.."(البقرة: 282)، وبفعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير، عن بيع آجل2، وأما الزيادة على المبيع بسبب الأجل، فقد ثبتت إباحتها وصحة عقودها بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل الصحابة، وفق ما وردت من الروايات، والتي نستعرض بعضها كالآتي:
* عن عَمْرِو بْنِ حَرِيشٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إِنَّا بِأَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا ذَهَبٌ وَلَا فِضَّةٌ، أَنَبِيعُ الْبَقَرَةَ بِالْبَقَرَتَيْنَ وَالْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ وَالشَّاةَ بِالشَّاتَيْنِ؟ فَقَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أُجَهِّزَ جَيْشًا فَنَفِدَتِ الْإِبِلُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ نَفِدَتِ الْإِبِلُ، فَقَالَ: "خُذْ فِي قِلَاصِ الصَّدَقةِ" قَالَ: فَجَعَلْتُ آخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ3.
* وورد في البخاري، بَابُ بَيْعِ الْعَبِيدِ وَالْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً: "وَاشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ رَاحِلَةً بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ يُوفِيهَا صَاحِبَهَا بِالرَّبَذَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ يَكُونُ الْبَعِيرُ خَيْرًا مِنَ الْبَعِيرَيْنِ، وَاشْتَرَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ بَعِيرًا بِبَعِيرَيْنِ فَأَعْطَاهُ أَحَدَهُمَا وَقَالَ آتِيكَ بِالْآخَرِ غَدًا رَهْوًا إِنْ شَاءَ اللهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: لَا رِبَا فِي الْحَيَوَانِ، الْبَعِيرُ وَالشَّاةُ بِالشَّاتَيْنِ إِلَى أَجَلٍ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا بَأْسَ، بَعِيرٌ بِبَعِيرَيْنِ نَسيئَةً"4.
وصحة البيع الآجل مع الزيادة بسبب الأجل، ثابتة بالقياس أيضا، إذ يقاس البيع الآجل مع الزيادة لأجل الزمن على السَّلَم، والسَّلمُ هو عكس البيع الآجل، ففي السلم يتمُّ دفع الثمن مقدما، ويتأخر تسليم السلعة إلى أجل محدَّد، ويتمُّ خصم نسبة من ثمن السلعة بسبب تعجيل دفعه، وفي البيع الآجل يتأخر الثمن ويتم تعجيل تسليم السلعة، على أن تتم إضافة نسبة على الثمن بسبب تأخير تسليمه، وقد ورد في صحة عقد السلم عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما يلي: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قال: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ فِي الثَّمَرِ الْعَامَ وَالْعَامَيْنِ، أَوْ قَالَ: عَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، شَكَّ إِسْمَاعِيلُ، فَقَالَ: "مَنْ سَلَّفَ فِي تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ"5.
واضح مما سبق أن بيع شركة العمرة خدمته بالنقد وبالأجل مع الزيادة نظير الأجل جائز ومباح بلا خلاف.
س2/ هل يجوز لشركة العُمرة إلى بيت الله أن تعرض سعر البرنامج بكذا والتصريف من حق المعتمر؟ وبكذا والتصريف للشركة؟
ج/ نعم يجوز لأن التصرف في حق التصريف جائز.
ردّي على فتوى اللجنة: هذا الجواب ليس في محله، ويدل على عدم وجود تصور سليم وواضح عن ضوابط وتعليمات البنك المركزي بخصوص حق المسافر في الوصول إلى العملة الصعبة بسعر الصرف الرسمي، إذ لم أجد أية إشارة في الفتوى هذه إلى توجيهات وأوامر البنك المركزي بهذا الخصوص، فالبنك المركزي هو الذي أصدر هذا الحق وفق ضوابطه، فكان لا بد للجنة الفتوى دراسة هذه الضوابط قبل إصدار الفتوى.
ولبيان هذا الأمر، ننقل من الموقع الرسمي للبنك المركزي العراقي بهذا الخصوص ما يلي:
* ورد في فحوى البيان الصادر عن البنك المركزي العراقي بشأن التعامل بالدولار وسعر الصرف، بتأريخ 3/8/2023 ما يلي: "الفقرة ت- توفير الدولار النقدي للمسافرين بالسعر الرسمي المقرّر، عبر المصارف وشركات الصرافة والتوسط، وتُنَفَّذُ تلك العمليات عبر منصة إلكترونية للتحقّق من سلامة العمليات، وصحة استخدام تلك المبالغ من قبل المواطنين المسافرين، ويجري تطوير تلك المنصة حاليا بما يُشدّد من إجراءات التحقق وحصر استخدامها للغرض المحدّد وبالسعر المقيّد. إنّ النظام المذكور، بأبعاده الثلاثة (الفقرات أ، ب، ت) يحدُّ من أيّة ممارسات من شأنها تعريض العراق وقطاعه المصرفي ومؤسساته المالية إلى المخاطر، وبتوفير تلك القنوات وفتحها للأغراض المشروعة، يجعل التعامل بالدولار خارجها ممارسة غير مشروعة، تخضع للمحاسبة القانونية تجاه الأطراف المشتركة في ممارستها، إذ لا يحقّ لأيّ طرف أو شخص المتاجرة بدولار مصدره البنك المركزي، وهو يحدّد سعرًا، وقنواتًا، وحدودًا، وأغراضًا لاستعماله، وإنّ تداوله والمتاجرة به خارج الجهات المرخّصة يُعدُّ نشاطًا محذورًا بموجب القانون، إذ نصَّ قانون المصارف رقم 94 لسنة 2004 في المادة 3، على أنّه لا يحق لأيّ شخص أن يمارس أعمال تسلُّم الودائع، أو أموال أخرى قابلة للدفع من الجمهور، من دون حصوله على ترخيص أو تصريح صادر عن البنك المركزي العراقي.6"
* كشف البنك المركزي العراقي، بتأريخ 4/7/2024 عن الآلية الجديدة لاستلام المسافرين العملة الأجنبية (الدولار) والتي ستكون حصراً عبر منافذ الشركات والمصارف في المطارات الدولية، مؤكداً بأن الهدف من الآلية الجديدة التي ستدخل حيّز التنفيذ في 14 من شهر تموز الحالي هو وصول الدولار للمسافر الحقيقي وتمرير معاملات سليمة، فضلاً عن تسهيل وصول المسافرين الى الدولار بشكل أسرع، واستعرض البنك المركزي الآلية الجديدة لاستلام المسافرين لحصتهم من العملة الأجنبية (الدولار) عبر قيام المواطن المسافر بالتوجه إلى شركات الصرافة المجازة، المنتشرة في جميع المدن لتسليم المبلغ بالدينار المعادل لحصة المواطن من الدولار وفق سعر الصرف الرسمي للبنك المركزي العراقي إذ ستعمل الشركة على إدخال بيانات المواطن المسافر ورفع اسمه في المنصة الالكترونية الخاصة بالبنك المركزي العراقي وتسليمه وصلاً يؤيد عملية إيداعه الدينار، لاستلام الدولار النقدي داخل المطار حصراً، مبيناً أنه عند إكماله إجراءات المغادرة سيتم تسليمه المبلغ بالدولار عبر المنافذ المتاحة في المطار وعلى مدار 24 ساعة باليوم و7 أيام في الأسبوع7.
تعليمات وضوابط البنك المركزي العراقي بخصوص التعامل بالدولار واستلام المسافر للعملة الصعبة تؤكد الحقائق التالية:
1- البنك المركزي العراقي هو الجهة الوحيدة التي توفر الدولارات للمسافرين والتي يتم صرفها من تخصيصاته المالية وبسعر الصرف الرسمي.
2- تقوم المصارف وشركات الصرافة والتوسط المجازة من قبل البنك المركزي العراقي بتنفيذ عمليات الصرف الرسمي للمسافر العراقي، وبالتالي فهذه المؤسسات المالية تمارس عملها كوكيل عن البنك المركزي العراقي في تنفيذ سياسته النقدية بخصوص المسافرين.
3- حق المسافر في سعر الصرف الرسمي بما يعادل 2000 دولار، هو حق حصري مؤقت، ومنضبط بتعليمات البنك المركزي العراقي وسياسته النقدية، تم منحه له وحده حصرا دون غيره على أن يستفيد منه بعد إنهاء إجراءات السفر. وبالتالي، فهو حق مشروط بالحصرية وبالسفر الحقيقي، لذلك لا يحق للمسافر التصرف فيه خارج ضوابط البنك المركزي العراقي، ولا يحق له التنازل عنه لغيره، ولا المساومة بخصوصه مع الغير لأي سبب كان.
4- في بيانه لآلية استلام المسافر للدولار، يؤكد البنك المركزي العراقي أن المسافر يقوم بإيداع الدنانير العراقية لدى المصرف ويستلم منه وصلا بما يعادلها بالدولار، وهو وصل مضمون من قبل البنك المركزي، وبالتالي، يكون المسافر قد باع دنانيره بالدولار في المصرف، يدا بيد وفي مجلس العقد، لأن الوصل يمثل ورقة مالية مصدقة من البنك المركزي.
5- هذا الوصل المصدق، ورقة مالية قيمتها 2000 دولار، وهو بالمصطلح الاقتصادي والشرعي يُسمّى السُّفتَجَة أو الشيك، يحيل به المصرفُ المسافرَ إلى فرعه في المطار ليستلم محتواه من الدولارات التي اشتراها من المصرف.
6- إن الهدف من الآلية المتَّبَعة من قبل البنك المركزي في تأمين العملة الصعبة للمسافرين، هو وصول الدولار للمسافر الحقيقي، وتمرير معاملات سليمة، فضلاً عن تسهيل وصول المسافرين الى الدولار بشكل أسرع، علما بأن هذا النظام سيحدُّ من أيّة ممارسات من شأنها تعريض العراق وقطاعه المصرفي ومؤسساته المالية إلى المخاطر، وأن وجود هذا النظام يعني أن التعامل بالدولار خارجه يُعَدُّ ممارسةً غيرَ مشروعة، تخضع للمحاسبة القانونية تجاه الأطراف المشتركة في ممارستها، إذ لا يحقّ لأيّ طرف أو شخص المتاجرة بدولار مصدره البنك المركزي، وهو يحدّد سعرًا، وقنواتًا، وحدودًا، وأغراضًا لاستعماله، وإنّ تداوله والمتاجرة به خارج الجهات المرخّصة يُعدُّ نشاطًا محذورًا بموجب القانون، إذ نصَّ قانون المصارف رقم 94 لسنة 2004 في المادة 3، على أنّه لا يحق لأيّ شخص أن يمارس أعمال تسلُّم الودائع، أو أموال أخرى قابلة للدفع من الجمهور، من دون حصوله على ترخيص أو تصريح صادر عن البنك المركزي العراقي.
7- يمنع البنك المركزي العراقي قيام أية جهة باستغلال حق صرف المسافر لتحقيق مكاسب مادية خارج القوانين والضوابط، ولا يسمح إلا للمسافر الاستفادة من هذا النظام حصرا وبشرط السفر الشخصي الحقيقي، وإذا قامت أية جهة، كشركات العمرة باستغلال هذا النظام لتسويق منتجاتها والترويج لها ورفع حجم المعتمرين، وذلك لتحقيق مكاسب مادية وأرباح غير مشروعة ولا قانونية، فإنها ستعرض نفسها لمسائلة قانونية ومحذور شرعي، لأن نشاطها هذا يضر الاقتصاد العراقي ويعرض قطاعه النقدي للمخاطر.
يتضح مما سبق، أن الحق الذي منحه البنك المركزي العراقي للمسافرين والمعتمرين، إنما هو حق حصري مشروط غير قابل للتداول، وأن المضارات عليه من قبل شركات العمرة هي أنشطة محظورة قانونا، وبالتالي لا يستسيغها الشرع مطلقا.
س3/ المعتمر لا يملك مبلغ التصريف .. فيلجأ إلى الاستقراض الحسن. أو يلجأ لصاحب الشركة، وصاحب الشركة إما يقرضه قرضا حسنا أو يطلب جزءا من الربح.
ج/ الإسلام رغب بالقرض الحسن بين الناس بلا زيادة، وفيه الأجر العميم، وفيه تنفيس الكربات عن المؤمنين لقوله تعالى (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) البقرة. وفي الحديث (ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقة مرة).
أما إذا طلب صاحب الشركة أو غيره جزءا من الربح على القرض! فهذا هو الربا بعينه.
أن تقرض شخصا مبلغا ماليا بشرط الزيادة عليه عند الاسترداد. والربا كبيرة من الكبائر، قال تعالى (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة. و صاحب الربا ملعون ممحوق لقوله تعالى (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) .وأعلن اللهُ تعالى ورسولهُ الحربَ على المرابي فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) البقرة.
ولكنْ ما جعل الله في الدين من حرج، حيث عرضت الشريعة الإسلامية صورا شرعية للمسألة بمخارج شرعية بين الطرفين الأول المعتمر والثاني صاحب الشركة. منها:
المخرج الأول: الوكالة بأجرة:
يقول المعتمر لصاحب الشركة وكلتك بالعمل على انجاز حقي في التصريف مقابل كذا من المال. فيقول صاحب الشركة قبلت التوكيل. ثم يقوم صاحب الشركة بعد أن أصبح وكيلا بتحضير الأوراق المطلوبة في معاملة التصريف ويقول للمعتمر: إذهب لدفع المبلغ في الصيرفه واستلام الدولار من المطار لأن القانون يشترط حضور المسافر بنفسه. ويدفع إليه أوراق المعاملة مع مبلغ بالعراقي موازي للقيمة المطلوبة منه عند تصريف 2000$ بالسعر الرسمي. فيذهب المعتمر بهذه الصورة لانجاز المعاملة ثم بعد استلام الدولار بالمطار يعيده لصاحب الشركة بدون أرباح ويعطية أجرة الوكالة المتفق على قيمتها سابقا.
المخرج الثاني: بيع الحق. يتنازل المعتمر عن حقه في التصريف لصاحب الشركة مقابل مبلغا معلوما.. وبيع الحق المعنوي الأصيل جائز على أغلب أقوال الفقهاء. فيجوز الاعتياض عنه بمبلغ معين بالتنازل وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة وعند المتأخرين من الحنفية.
بعد التنازل والاتفاق على المبلغ .. يعطي صاحب الشركة الأوراق المطلوبة من المعتمر مع قيمة ال (2000$) بالعراقي وبالسعر الرسمي. ويوجه المعتمر بدفع المبلغ في الصيرفة واستلام الدولار من المطار لأن القانون يشترط حضور المسافر بنفسه.
بعد استلام الدولار يعطيه لصاحب الشركة ويستلم مبلغ التنازل عن حقه.
المخرج الثالث: المضاربة.
صورتها: عقد بين طرفين الأول صاحب المال والثاني العامل في المال يضارب به. وتقسم الأرباح حسب النسبة المتفق عليها. فإذا خسرت المضاربة فصاحب المال يخسر من ماله، والعامل يخسر جهده.
وفي مسألتنا:
الطرف الأول: صاحب المال هو صاحب شركة العمرة.
الطرف الثاني: العامل هو المعتمر.
يتفق الطرفان على المضاربة ويحدد العمل بشراء الدولار وبيعه، ويقوم صاحب الشركة بتسليم المبلغ العراقي للمعتمر كي يضارب به في شراء الدولار وبيعه. فيعمل المعتمر بشراء الدولار وهي حصته للمسافر واستلامه من المطار ثم يقسم الأرباح حسب النسبة المتفق عليها.
المخرج الرابع: الجعالة.
عقد بين طرفين يقول صاحب الشركة للمعتمر أجعلك على تخليص حقك في تصريف الدولار بمبلغ قدره كذا. ثم بقية الخطوات تشبه خطوات الوكالة بأجرة. وبيع الحق.
هذه المخارج الأربعة تكسر الصورة الأولى المحرمة (صورة المقترض الربوي) وتحولها إلى معاملة وكالة بأجرة أو متنازل عن حقه مقابل مبلغ معين أو مضارب أو جعالة.
ردّي على فتوى اللجنة: كان يجب على لجنة الفتوى أن ترد على السائل بأن الذي لا يملك المال غير مكلَّفٍ بالحج، ناهيك عن العمرة، وأن الاقتراض، بأي شكل من الأشكال لا يجوز لإداء عبادة اسقطها الله عن الذين لا يستطيعون أداءها، والوقوعُ تحت طائلة الديون لإداء عبادة غير مكلَّفٍ بها، إثقالٌ لكاهل الفرد والأسرة، كما أن البحث عن المخارج يجب أن لا يكون ديدن اللجان الفقهية ولجان الفتوى.
وأَستدِلُّ على ما ذكرتُه آنفًا بنصِّ قوله تعالى: "وللهِ على النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنْ استَطاعَ إليهِ سَبيلًا" (آل عمران: 97).. فبالعودة إلى الآثار التي تمَّ سردُها في تفسير هذه الآية، والابتعادِ عن الآراء والاجتهادات، والاستنادِ إلى أقوال السلف، أنقلُ بعضَ الاقتباسات من تفسير الطبري بهذا الشأن، وكما يلي:
ففي تفسير كلمة الاستطاعة ذكر الطبري: "واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "من استطاع إليه سبيلا"، وما السبيل التي يجبُ مع استطاعتها فرض الحج؟
فقال بعضهم: هي الزّاد والراحلة.
حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن بكر قال، أخبرنا ابن جريج قال، قال عمر بن الخطاب: "من استطاع إليه سبيلا "قال: الزاد والراحلة.
وقال آخرون: السبيلُ إلى ذلك: الصحةُ.
حدثنا محمد بن حميد ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم والمثني بن إبراهيم قالوا، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال، حدثنا حيوة بن شريح وابن لهيعة قالا أخبرنا شرحبيل بن شريك المعافري: أنه سمع عكرمة مولى ابن عباس يقول في هذه الآية:"ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا"، قال: السبيلُ الصحةُ.
حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا"، قال: من وجد قُوّة في النفقة والجسد والحُمْلان"8.
واضح من هذا التفسير أن ملكية المال الكافي لأداء فريضة الحج شرط للقيام بهذا التكليف الشرعي، وإلا فلا يدخل المسلم تحت طائلة هذا التكليف، ونستدلُّ على ذلك باقتباس آخر من تفسير الطبري، إذ يذكر: " وأما" مَن "التي مع قوله" :من استطاع"، فإنه في موضع خفض على الابدال من "الناس" لأن معنى الكلام: ولله على من استطاع من الناس سبيلا إلى حجّ البيت، حَجُّهُ: فلما تقدم ذكر"الناس "قبل" مَنْ"، بيَّن بقوله: "من استطاع إليه سبيلا"، الذي عليه فرضُ ذلك منهم. لأن فرضَ ذلك على بعض الناس دون جميعهم"9.
لذلك، فالذي لا يملك مالا لأداء الحج والعمرة، غير مكلََّفٍ بهما، والاقتراض لأدائهما تعسّفٌ وإثقالٌ للكاهل، وديونٌ تتحملها الأسرة، لا يستسيغه الشرع، بل ويأمر بتجنُّبه.
أما مفهوم القرض بزيادة، وخلطه بالربا، فهو مفهوم لا أصل له، ولا يستند على دليل شرعي مُعتبَر، ناهيك عن أن إدراجه في هذه الفتوى، وسوق الأدلة التي لا علاقة لها به، في حين لم تستند كافة الأجوبة على الأسئلة التي وردت في الفتوى على أي دليل شرعي، إنما هو حشوٌ وإدراجٌ متعسِّفٌ ليس في محله، ولا حاجة له، ولن أردَّ على هذه الجزئية لعدم علاقتها بالمسألة، سوى بياني لتعريف الفائدة كمصطلح اقتصادي وتعريف الربا في الكتاب والسنة، وذلك للوقوف على حقيقة المفهومين المختلِفَين:
فالفائدة كمصطلح اقتصادي هي: المبلغ الذي يدفعه المُقترِضُون آلى المُقرِضِينَ كتعويض عن استخدام أموالهم لتمويل الاستثمار بمختلف أنواعه، أو الاستهلاك الخاص، وتمثّل الفائدة المدفوعة تكلفةَ الفرصةِ البديلة للمُقرِضِينَ نظيرَ عدمِ استخدام أموالهم في الوقت الحاضر وتحمّلِهم مخاطر إقراض الأموال.
والرِّبا في المصطلح الشرعي نوعان:
الأول: مذكور في القرآن، وهو ربا الجاهلية، وهو جَدوَلةُ الدَّينِ الذي في الذّمة بعد تعذّر أدائه.
وهذا التعريف لا علاقة له بالفائدة.
والثاني: ربا البيوع، وهو ربا متعلق ببيوع الاموال الربوية، ففي بيوعها يُحرَّم بيع الفضل وبيع النسيئة. وهذا النوع لا علاقة له بالديون ولا بالفائدة.
وأما سعي لجنة الفتوى إلى استصناع المخارج لتمكين المواطن الذي لا يملك المال وشركة العمرة من الوصول إلى العملة الصعبة وتحقيق ربح غير مشروع، على حساب المصلحة العامة واستقرار سوق النقد، فأمرٌ لا استطيعُ تصوُّرَه، إذ يُعتبَر هذا السعيُ مساهمةً من لجنة الفتوى في ممارسة نشاط غير قانوني ولا شرعي، علما بأن هذه المخارج معطوبة وتعاني من خلل وتناقض يدلُّ على عدم وجود تصور سليم لدى لجنة الفتوى بخصوص نظام الصرف للمسافر، وضوابط البنك المركزي العراقي.
ففي المخرج الأول (الوكالة بالأجرة): لا يمكن للمعتمر أن يوكل أحدا نيابة عنه لإجراء عملية الصرف، حسب ضوابط البنك المركزي العراقي، والغريب أن لجنة الفتوى أشارت في هذا المخرج إلى هذه الحقيقة، ولكنها رغم ذلك بَنتْ مَخرجها عليها، كما أنه ليست هناك معاملة ولا أوراق مطلوبة في عملية الصرف غير إبراز المعتمر جواز سفره وبطاقة سفره، التي سيبرزها المعتمر في المصرف تلقائيا من دون الحاجة للوكالة، أما المبلغ بالدينار العراقي الذي يستلمه المعتمر من شركة العمرة فهو قرض، بلا خلاف، لعدم وجود شيء اسمه الوكالة، وما يستلمه المعتمر من الدولارات في المطار هو حق صاحب المال، واستحصال المعتمر على أي جزء من المبلغ هو زيادة على القرض، وليس أجرة وكالة، وبذلك يفقد المعتمر حقه الذي كفَّلَه له البنكُ المركزي العراقي لصالح شركة العمرة، وهو ما منعه القانون ويُعرِّض المشاركين فيه للمساءلة القانونية.
وفي المخرج الثاني (بيع الحق): لا يحِقُّ للمعتمر التنازل عن حقه، بتاتا، وفق ما تم ذكره من تعليمات البنك المركزي العراقي، آنفا، وقياس هذا الحق بالحق المعنوي الذي تدعي لجنة الفتوى أن كافة المذاهب أجازته من غير سوق أي دليل أو نص بهذا الخصوص، قياس باطل لا أساس له، فحق المعتمر حق مادي وليس معنوي، وهو حق حصري مشروط ومخصوص وليس حقا بالمعنى العام، ولا بالمعنى الفقهي المجرد، ومشاركةُ شركة العمرة في هذه العملية إرباحٌ غير مشروع يساهمُ في توفيره لها المعتمرُ ولجنةُ الفتوى إذا تمَّ العمل بهذا المخرج المعطوب، وهو أمر يخالف القانون والشرع.
وفي المخرج الثالث (المضاربة): وهو مخرج يدلُّ على عدم وجود فهم سليم لصيغة المضاربة الشرعية، فالمضاربة تجري في نشاط اقتصادي تنموي، يقوم رب المال بتوفير النقد لشريكه المضارب الذي يقوم بدوره بتوظيف هذه النقود في نشاط اقتصادي بحت، أما ما تتصوّره لجنة الفتوى فهو غريب جدا، ولا علاقة له بالمضاربة الشرعية، إذ كيف يمكن تصوُّرُ عمليةِ مضاربةٍ في حقٍّ حصري مشروط لطرف معين، ولهدف معين، عائدُها فرق سعر صرف عملة محلية وأجنبية بين السعر الرسمي والموازي؟
هذا المخرج ليس إلا صيغة تعسفية، لا تمت للشريعة بصلة، هدفها إرباح شركات العمرة وتمكينها مما لا حق لها فيه، ولا ينبغي أن يكون.
وفي المخرج الرابع (الجعالة): وهذا مفهوم مقلوب للجعالة، إذ يضع صاحب الجعالة جعلا لشخص آخر لتحقيق مطلب من مطالبه أو جلب شيء له، لا يمكنه الوصول إليه، وفي هذا المخرج تَعتبرُ لجنةُ الفتوى أن شركة العمرة هي صاحبة الجُعْلِ، أي صاحبة حق الصرف، وليس المعتمر، وتطلبُ من المعتمر أن يأتي بالعائد وهو فرق السعر الرسمي والموازي، ويعطيه شيئا منه، كجعالة، في حين أن صاحب الحق هو المعتمر وليست شركة العمرة، ومرة أخرى تسعى لجنة الفتوى إلى تمكين شركات العمرة من ربح لا تستحقه، وذلك باستغلال حق المعتمر في الصرف.
كل هذه المخارج معطوبة وغير شرعية، وإلتفاف صريح على القانون والشرع، يعاقب عليه القانون، ويحرّمه الشرع، ويجب تجنّبه، والإكتفاء باحتفاظ المعتمر بحقه، وتخفيض سعر خدمة شركة العمرة من خلال فرق سعر الصرف الذي يحصل عليه من غير إشراكٍ لشركة العمرة ولا لغيرها في التمتع بهذا الحق.
س4/ صاحب الشركة لا يملك مالا عراقيا يعطيه للمعتمر لتحصيل التصريف بالصور الأربعة الماضية، فيلجأ إلى مستثمر لمساعدة المعتمرين وللانتفاع بجزء من ربح التصريف.
ج/ إذا هنا علينا توصيف العلاقة بين صاحب الشركة والمستثمر.
الصورة المحرمة: يدخل المستثمر ويقول أقرض صاحب الشركة مبالغا مالية تغطي عدد المعتمرين بشرط يرجع رأس المال مع زيادة بدون تعرض رأس المال للخسارة.
وهذه صورة محرمة لأن التعاملات الإسلامية مبنية على الربح والخسارة. عدا القرض يشترط فيه استرداد المال بلا زيادة، والمستقرض ضامن للقرض.
والصورة هذه ربا قطعا لأن المستثمر يعطي مبلغا هو قرض مضمون ويسترجعه مع الزيادة. وهذا عين الربا، للقاعدة الفقهية المشهورة (كل قرض جر منفعة فهو ربا).
الصورة الحلال: مضاربة مقيدة. وصورتها كالاتي:
المستثمر هو صاحب المال.
صاحب الشركة هو العامل. لأن المضاربة يُشترط فيها رأس المال من طرف والعمل من الطرف الأخر.
يقول المستثمر أدخل معك مضاربة مقيدة أن تعمل بمالي في موضوع شراء الدولار والتصريف للمسافرين فقط بنسبة ربح بيني وبينك مقدارها كذا وهذه المضاربة تتحمل الربح والخسارة.
بهذه الطريقة (المضاربة) وفرنا مالا لصاحب الشركة بطريقة مشروعة.
ثم يقوم صاحب الشركة بالتعامل مع المعتمرين فمن طلب منه مبلغا ماليا للتصريف يضعة بسجل خاص يكتب علية عمل مع المستثمر .. ثم يتعامل صاحب الشركة مع المعتمر بأحد المخارج الشرعية السابقة كالوكالة بأجر مثلا، ويربح منه بالوكالة.
ثم عندما تنتهي العمرة يقوم صاحبة الشركة بجرد السجل الذي قيد فيه المعتمرين الذين طلبوا مبالغ التصريف. ثم يحسب الأرباح ويقسمها بينه وبين المستثمر على النسبة التي تم الاتفاق عليها سابقا.
ردّي على فتوى اللجنة: هنا، لا تكتفي لجنة الفتوى بتمكين شركات العمرة من ربح لا تستحقه فحسب، بل تفتي بدخول المستثمرين معها لاستغلال حق المعتمر، وهذا أمر يدعو للعجب.
أكرر.. لا يمكن اعتبار المعاملة بين المستثر وشركة العمرة معاملة مضاربة، لأن محل العقد، الذي هو حق الصرف للمعتمر، هو حق حصري مشروط ومخصوص للمعتمر، لا تجوز المضاربة عليه، وتَحرّي الربح منها، علما بأن هذه العملية مضمونة ومكفولة من البنك المركزي العراقي، بمعني: أنها ليست عملية تنموية قائمة على الربح والخسارة، إذ إن عائد الصرف معلوم ومضمون ولا يتضمّن أية مخاطرة تجارية، وتسميةُ هذه العملية بالمضاربة ليست إلا سوء فهم لواقع حال المضاربة ولضوابط البنك المركزي العراقي.
علما أن قانون المصارف رقم 94 لسنة 2004 في المادة 3، نصَّ على أنّه لا يحق لأيّ شخص أن يمارس أعمال تسلُّم الودائع، أو أموال أخرى قابلة للدفع من الجمهور، من دون حصوله على ترخيص أو تصريح صادر عن البنك المركزي العراقي، وعليه فجمع الأموال من قبل شركات العمرة بهدف تمويل عمليات صرف المعتمرين أمر محظور قانونا.
س 5/ هل يجوز تسليم مبلغ التصريف بالعراقي في مكتب الصيرفة وقبض وصل رسمي بالمبلغ المودع.. ثم بعد ثلاثة أيام نستلم الدولار من المطار ؟؟
أ ليس يشترط في الصرف التقابض يدا بيد وهاك بهاك.
ج/ إن العملية التي تجري بين المعتمر وصاحب الصيرفة من إيداع المبلغ العراقي هي ليست عملية صيرفة (عراقي بدولار) بل هي عملية إيداع فقط تثبت فيها أنك سددت المبلغ بالعملة العراقية وعندك إيصال رسمي بذلك.
عملية التصريف الحقيقية ستكون في المطار، وهي المبادلة بين الوصل المالي بالدولار، فالوصل الرسمي الذي يمثل قيمة مالية حقيقية لمبلغ بالدينار العراقي يوازي قيمة الدولار الأمريكي بالسعر الرسمي، وبهذا تمت العملية بصورة صحيحة.
هناك تصور أخر للمسألة حيث ذهب بعض الفقهاء في الندوة العلمية إلى أن عملية التصريف حدثت في محل الصيرفة وأن التأخر لعدة أيام واستلامه بالمطار هو نقض لشرط الصرف بالتقابض في نفس المجلس.
وعليه فالتصريف بهذه الطريقة حرام، وعلى ولي الأمر في المسألة تدارك تصحيح المعاملة.
بينما ذهب بعض الفقهاء في الندوة إلى صحة المعاملة لأنها مبنية على اعتبار قبض الوصل المالي الرسمي هو القبض الحكمي.. وأن القبض الحقيقي يكون بعد ثلاثة أيام في المطار وهذه المدة وهي قصيرة تسمى مدة الاغتفار بسبب تنظيمات إدارية ولوجستيات ضرورية للمحافظة على سير العملية بلا تلاعب أو إزدحام.
ردّي على فتوى اللجنة: جواب لجنة الفتوى على هذا السؤال فيه عدة إشكالات، ناجمة عن عدم وجود تصور سليم للمسألة، وسوء فهم للمصطلحات، وعطب في التكييف الشرعي.
فقول لجنة الفتوى: "إيداع المبلغ العراقي هي ليست عملية صيرفة (عراقي بدولار) بل هي عملية إيداع فقط تثبت فيها أنك سددت المبلغ بالعملة العراقية وعندك إيصال رسمي بذلك".
فلجنة الفتوى، وفق هذا التعبير، استخدمت كلمة الإيداع الاقتصادية والشرعية، على أنها تثبيت سداد فقط، وهذا قصور، شرعي واقتصادي، في فهم مصطلح الإيداع، إذ إن الإيداع ليس تثبيت لشيء، وإنما تعني مفاهيم تتكيَّفُ تحتها صيغٌ من العاملات يتطلّبُ ذكرُها، وبيانُ ما يتناسب منها مع هذه المسألة.. فالإيداع شرعًا، قد يكون وديعة، ولها أحكام خاصة، وقد يكون قرضا، وله أحكامه، وقد يكون استثمارا، بصيغة من صيغ المعاملات المالية، أو قد يكون بيعَ نقدٍ بنقدٍ في الحال، وأما مفهوم الإيداع اقتصادا، فهو إما على شكل حساب مصرفي جاري، أو قرض لأجل لدى الآخرين، أو إيداع بهدف الاستثمار بصيغة من الصيغ، أو بهدف الصرف وهو بيع العملة بالعملة.
وكمثالٍ على تَكْيِيف الإيداع، أوردَ البخاري نصًّا لتَمييز الصحابة بين الإيداع كوديعة والإيداع كقرض، فذكر: "فهذا الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه، كان يأتي إليه الناس ليودعوا أموالهم عنده، ولا يقصدون بذلك مساعدة الزبير رضي الله عنه وإنما يقصدون كانوا حفظ أموالهم، ولكن لم يرض الزبير رضي الله عنه بقبول هذه الودائع إلا إذا أذنوا له بالتصرف في هذه الأموال على أن تكون مضمونة عنده، فكان يقول لهم: لا، لكن هو سلف"10.
وقول لجنة الفتوى بأن الدنانير يتمُّ إيداعُها بدون بيان تكييفها، ولتثبيت السداد فقط، وصفٌ مَبتورٌ لا يصلحُ للبناء عليه، لذلك، فقولها أن عملية الصرف لم تتمَّ في المصرف، بل هو إيداع للتثبيت، قصورٌ كبير في توصيف المسألة، وخلَلٌ واضحٌ في الفتوى.. والصحيح أن الإيداع في المصرف هو بهدف بيع الدنانير بالدولارات، وبمجرد تسليم العملة العراقية، واستلام صكِّ المصرف المضمون من البنك المركزي العراقي بالدولار، تجري عمليةُ الصرف الشرعية، يدًا بيدٍ، وفي مجلس العقد، ويتمُّ تحويلُ المعتمر إلى فرع المصرف في المطار لاستلام العملة الأجنبية وفق الوصل الذي يحمله المعتمر، لأسباب تتعلّق بضوابط السياسة النقدية.
ومَن ذهبَ إلى أن عملية الصرف حدثت في محل الصيرفة وأن التأخر لعدة أيام واستلامه بالمطار هو نقض لشرط الصرف بالتقابض في نفس المجلس، مُتوهِّمٌ، وفي منظوره هذا قصورٌ واضحٌ، وقد أصدرتُ فتوىً بصحةِ عقدِ صرف المسافر في المصرف بشكل مفصَّل، ونشرتُها، وأوصي بقراءتها ودراستها بإمعان.
وهناك من ذهب إلى اعتبار قبض الوصل المالي الرسمي قبضًا حكميًّا، وأن القبض الحقيقي يكون بعد ثلاثة أيام في المطار، وهذه المدة، وهي قصيرة، وتسمى مدة الاغتفار بسبب تنظيمات إدارية ولوجستيات ضرورية للمحافظة على سير العملية بلا تلاعب أو إزدحام.. وهذا أيضا، سوءُ فهمٍ لمفهوم القبض في البيوع، إذ إن قبض الوصل، الذي هو الشيك المصدق من البنك المركزي العراقي، هو قبضٌ حقيقيٌّ ومن الدرجة الأولى لأنه قبضٌ باليد المَحسوسة.
وليس هناك مفهوم اسمه "مدة الاغتفار" في المعاملات المالية الإسلامية، ومن أطلقها، فلكي يجيزَ فترةَ تبادل العملات في بورصات الفوركس التي تستغرق يومي عمل، وهي فتوى غير صائبة ولا سليمة، فالتقابض في مجلس العقد، في بيوع الأموال الربوية شرطٌ، في ظلِّ أية حالة كانت، وبأي شكل من الأشكال.
هذا هو ردّي على ما توصّلتْ إليه لجنةُ الفتوى في مجلس علماء العراق بخصوص حق الصرف بالسعر الرسمي للمعتمر والمسافر، ومحاولات شركات العمرة للاستحواذ عليه، والذي كان ردًّا على الأسئلة الخمسة المُوجَّهة لمجلس علماء العراق، أرجو أن تدرسه لجنة الفتوى، وتبحث فيه، وتنتفع منه، وتأخذ منه ما يناسبها، كما وأوصي لجنة الفتوى بدراسة تعليمات وضوابط البنك المركزي العراقي، وتدقيق المصطلحات، ومراعاة النظام العام، وسلامة الاقتصاد العراقي، وإعادة تقييم فتواها بموجبها.
المصادر
1- منصة وزارة الأوقاف المصرية، إقامة السوق الإسلامي وتطهير المدينة بعد الهجرة: الصراع الاقتصادي وتمرد يهود المدينة،23/6/2026، www.awkafonline.gov.eg
2- محمد بن ‘سماعيل البخاري، صحيح البخاري، باب الرهن، حديث 2916
3- أحمد بن علي البيهقي، السنن الكبرى للبيهقي، ط3، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003م، ج5، 470
4- محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، الطبعة السلطانية، المطبعة الكبرى الأميرية، القاهرة، 1311هج ، ج3، 83
5- محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، الطبعة السلطانية، المطبعة الكبرى الأميرية، القاهرة، 1311هج ، ج3، 85
6- موقع البنك المركزي العراقي، بيان صادر عن البنك المركزي العراقي بشأن التعامل بالدولار وسعر الصرف، 3/8/2023، www.cbi.iq
7- موقع البنك المركزي العراقي، البنك المركزي العراقي يوضح الآلية الجديدة لتسليم دولار المسافرين، 4/7/2024، www.cbi.iq
8- محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار التربية والتراث، مكة، ج6، 37-44
9- محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار التربية والتراث، مكة، ج6، 46
10- صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب بركة الغازي في ماله، مع فتح الباري 6/175