الحوارات العراقية.. الاستحواذ على كل شيء أو لاشيء

صادق الازرقي

2022-08-15T08:47:34.000000Z

يقول الفيلسوف اليوناني أرسطو ان الهدف الذي يسعى إليه الناس هو السعادة التي نحققها عندما نؤدي وظيفتنا، ولأنَّ الإنسان بحسب أرسطو هو الحيوان العاقل، فان وظيفته هي أن يعقل الأمور، وتبعا لذلك تكون الحياة السعيدة للإنسان هي تلك الحياة التي يحكمها العقل؛ و ان الفضيلة الأخلاقية تكمن في تحاشي التطرُّف في السلوك وإيجاد الحد الوسط بين طرفين، على وفق طروحاته.

اردنا من هذه المقدمة ان تكون عونا لنا في الالمام بنظرة عامة لمجمل الخطاب او الحوار العراقي بشتى انواعه، لاسيما في مجال الحوار السياسي وحتى الثقافي، اذ نرى انه بأكثريته خطاب غير منتج؛ فالسمة السائدة في الحوارات العراقية التشنج والتطرف ودعاوى امتلاك الحقيقة والاستئثار بها ومحاولة الحط من تفكير الآخر وردعه الى حد التجريح والشتيمة.

يبرز ذلك بوضوح في زمان نحن بأمس الحاجة فيه الى خطاب انساني سليم في وقت يدعي الجميع انهم يسعون الى حياة قويمة ومجتمع مرفه، فيما تبرز مخرجات هذا الخطاب لتكرس النزعة الاستعلائية والانغلاق والاستبداد الفكري؛ فكيف نبني الانسان والمجتمع في ظل خطاب متشنج يسعى فيه كل محاور الى الغاء الآخر والتقليل من قيمته والتهوين من شأنه، طالما ان الفرد المتحاور المقابل يمثل رأيا واتجاها مجتمعيا بالتأكيد، مثلما ان فيه سلبيات فان لديه ايجابيات من الضروري اخذها بالحسبان و التعويل عليها في رسم ملامح خطاب مشترك ينفع الناس ويرسم طريق خلاصهم؛ في وقت هم بأمس الحاجة فيه الى تلاقح الافكار للخروج بحصيلة وخطاب موحد يتوافق مع طبيعة المجتمع المتنوع.

تتجذر الاهواء الفردية وتنحسر الهموم المشتركة للناس لتفسح المجال لنزعات تسلطية ومقولات جاهزة، بأسس غير منطقية ومخرجات تسلطية وحتى عنصرية، ففي الحديث عن المرأة تتكرس النزعة الذكورية ويجري الاستخفاف بالنساء وكأن المرأة ليست اما او زوجة او اختا، و يجري التعامل معها بصفتها الجنسية البيولوجية فحسب، وكأنها ليست من هذا المجتمع ومن اسس تكوينه المتنوعة؛ وحتى الطفل يجري التعامل معه بأسلوب عنصري على اساس وضعه البيولوجي وكأننا في الوقت الذي نتحدث فيه عن تنوير المجتمع لسنا بصدد تحسين اوضاعه لتكون الطفولة عونا لنا في رسم معالم المجتمع السليم، فلا يسعى الخطاب العراقي الى التطرق الى مشكلات عمالة الاطفال ومعدلات الفقر المرتفعة وظاهرة تسول الاطفال بشتى اشكالها، ولا يتناول سبل الارتقاء بتعليم الطفل ورفده بالزاد الثقافي والمعرفي، فاذ لم نفسح في المجال لدراسة ومناقشة واقع الطفولة والأسرة والمرأة فكيف نبني حياة ملائمة للجميع في ظل مجتمع متسامح متفتح يمهد السبيل لمستقبل افضل عماده الطفولة الحالية، وما تجلبه لنا من سعادة انطلاقا من طبيعة تصرفنا ازاءها وأسلوب نقاشنا ومعالجتنا لقضاياها المتوالدة بقوة.

وما يصح قوله بشأن الطفل والمرأة وكذلك كبار السن وجميع افراد المجتمع، ينطبق ايضا عند الحديث عن المختلف قوميا او دينيا او مذهبيا، اذ يجري الغاء صفة الانسان لديه والتركيز على سمات خارجية، ليس من ضمنها صفته البشرية ونزوعه الى السعادة التي هي حقه و أمل الجميع، فيجري شتمه على اساس قوميته او دينه مثلا بدلا من البحث عن المشتركات الانسانية التي هي واحدة لدى جميع البشر والمتمثلة بالنزوع الى الخير والسلم والرفاه والاستقرار .

لقد فتح لنا التطور التكنولوجي ووسائل التواصل الاجتماعي المتعددة ابوابا ملائمة للإبحار في حوارات منتجة، والتعامل مع آراء ايجابية تحفل بالإنسان من حيث كونه انسانا يزعم الجميع انهم بصدد الرفع من شأنه والارتقاء بحياته وواقعه؛ فلم تعد المسألة حكرا على الافراد والجماعات الثقافية والسياسية، بل هي واقع مرير ينبغي تطويره والارتقاء به لرسم معالم حياة اجتماعية سليمة.

الملاحظ ان اتجاهات التحاور والنقاش يجري تسويفها وحرفها باتجاه تكريس الكراهية والبغضاء والتخوين، وليس مثلما تسعى اكثرية الناس "الصامتة" التي تأمل في حياة مرفهة سلسة سليمة يؤمنها لهم المتحاورون سياسيوهم ومثقفوهم، بالضغط على الجهات التنفيذية لتوفيرها لهم.

المفارقة ان المتحاورين كثيرا ما يلجؤون الى كيل الاتهامات لبعضهم البعض بنمط من التحاور يرون انهم بوساطته يمتلكون الحقيقة المطلقة، وان المحاور الآخر هو الخاطئ مسبقا؛ وكثيرا ما تتغير طبيعة الحوارات والأهداف استنادا لمصالح شخصية واتجاهات سياسية، المجتمع غير معني بها، بل انها تؤثر سلبا على حياته اذ تؤدي الى ادامة التوتر ومظاهر الكآبة في الحياة الفردية والجماعية، التي انتجت في الواقع العراقي تفاقما لمعدلات الانتحار والجريمة والهجرة القسرية و الطوعية للسكان الى بيئات ومجتمعات اخرى ربما تكون اكثر رأفة بهم.

لقد اصبح الناس في ظل الخطاب والحوار السياسي والثقافي المتشنج في متاهة ودوامة، نغصت عليهم حياتهم وأفقدتهم رغبة الحياة ذاتها، فلم تك نتائج الحوارات العقيمة التي تواصلت لعقدين من الزمن في اقل تقدير سوى مزيد من الالم والمعاناة وكل ما يكرس انعدام السعادة المطلوبة.. تخلف الخدمات والبطالة والفقر والفساد المالي والإداري وانعدام الرعاية الصحية والاجتماعية، وزيادة معدلات الجريمة وكل ما يكرس النتائج السيئة لحوار لا ضرورة له، نحن بأمس الحاجة لأن نبحث عن البديل له.

الحوارات في الحياة العراقية التي يدعون اليها بصفتها مخرجا يجب ان يجمع مطلقوها والساعون اليها مسبقا على التحاور بشأن هموم السكان ومشكلاتهم ونزوعهم الى الحياة الأمثل، ولا تتمثل في الاصرار على التحاور لأجل التحاور وما يثيره من مشكلات وخلافات متكاثرة تتعلق بأسلوب الخطاب التحاوري والأحكام المسبقة التي يجيء بها الساعون اليها، بالإصرار على محاولة فرض نمط تفكيرهم بتكريس السلبيات والقفز على الايجابيات المفترضة فيه؛ فمثل هذا الخطاب الاستحواذي لن ينفعنا بشيء ويكرس الازمات ويقودنا من خسارة لأخرى ويفاقم المشكلات، ولن يعالج امرا يطمح اليه الناس، الذين يسعون دائما بأغلبيتهم وفي جميع الظروف الى حياة هادئة نيرة مليئة بالفرح والتفاؤل والسعادة من اجل ضمان حياتهم الحالية ومستقبل اطفالهم وعائلاتهم؛ ومن دون ذلك ليس بمقدورنا بناء بيئة سليمة راسخة معززة بالكرامة والأمل، ومن دون تلك الاسس والمضامين والتوجهات تصبح حواراتنا عقيمة والحياة التي نسعى اليها مجرد وهم.

Shafaq Live
Shafaq Live