11 June - 19 July 2026
00 days
00 hours
00 mins
00 secs

التدريب العسكري لطلبة وأساتذة الجامعات.. من الذاكرة المنسية إلى مأساة أجيال

التدريب العسكري لطلبة وأساتذة الجامعات.. من الذاكرة المنسية إلى مأساة أجيال

ماجد سوره ميري

2026-06-12T18:17:31+00:00

في مثل هذا اليوم، الثاني عشر من حزيران (عام 1986)، تقفز إلى المخيلة أوراق صفراء مضى عليها عقود، لكن حبرها ما زال ينضح بمرارة لا تمحوها السنون. في هذا الصباح المحدّد، وتحديدا عند الساعة الثامنة، كانت باحات الجامعات العراقية —ومنها الجامعة المستنصرية— تشهد تجمعا غريبا من نوعه؛ لم يكن تجمعا لطلبة يستعدون للامتحانات النهائية أو يخططون لعطلة صيفية يستجمون فيها، بل كان سوقا قسريا نحو المجهول. شباب في مقتنع العمر، يحملون تطلعات علمية وأدبية رفيعة، ويسعون جاهدين لاتخاذ مقاعد الدراسة درعا واقيا يحميهم من طاحونة الحرب المستعرة على الحدود، وجدوا أنفسهم يركبون مركبات المغادرة نحو معسكرات التدريب ومدارس القتال، وتحت طائلة تهديد صريح ومكتوب: "إما الطاعة والزحف في الطين، أو الإلغاء الفوري للتأجيل الدراسي والسوق كوقود للجبهات".

إن الانطلاق من هذه الذكرى السنوية الخاصة ليس مجرد نبش في دفاتر الألم الشخصي، بل هو بوابة لفتح ملف قضية وطنية كبرى وعامة صبغت تاريخ العراق الحديث بالسواد، ألا وهي جريمة "العسكرة الشاملة للمجتمع العراقي" التي انتهجها النظام السابق، والتي لم تستثنِ أحدا، ووصلت ذروتها بتجريد الحواضن الأكاديمية من قداستها المعرفية وتحويلها إلى فروع تابعة للثكنات العسكرية.

هندسة الترهيب: المقايضة بالحياة

لقد قامت فلسفة العسكرة الأكاديمية في ثمانينيات القرن الماضي على معادلة مرعبة ومجحفة أدارتها الأنظمة الشمولية بيد من حديد. فالقرارات الصارمة التي كانت تصدر لزج الطلبة والأساتذة — من حملة أعلى الشهادات العلمية والأدبية — في معسكرات تدريبية شاقة، لم تكن إجراءات تنموية أو دفاعية، بل كانت عملية "إذلال ممنهج" تهدف إلى كسر هيبة العلم وتذويب الفوارق الطبقية والثقافية لصالح سيكولوجية الطاعة العسكرية المطلقة.

إن استخدام "الرسوب الدراسي" أو "التخلف عن التدريب العسكري الصيفي" كذريعة لإلغاء التأجيل العسكري، يمثل ذروة الإرهاب الفكري والتحطيم النفسي. في تلك البيئة القسرية، تحول طلب العلم من رغبة في الابتكار والتطوير واللحاق بركب الحداثة العالمية، إلى مجرد محاولة يائسة لتأجيل الموت المحتوم.

تداعيات "عسكرة الوعي" على المجتمع العراقي

إن إجبار الطاقات الشبابية والنخب الفكرية على الانخراط في بيئة عسكرية خشنة، لا تتناسب مع طبيعة تخصصاتهم الرفيعة في الآداب والعلوم والهندسة والطب، أنتج تداعيات كارثية ما زال المجتمع العراقي يدفع ثمنها إلى اليوم، ومنها:

اغتيال الشغف وتجفيف الإبداع: عندما يدرك المبدع أو الباحث أن تفرده المعرفي لن يقوده إلى مراكز الأبحاث أو المحافل الدولية، بل سينتهي به المطاف في "خندق" تحت رحمة عسكريين يجهلون قيمة المعرفة، تنطفئ لديه جذوة العطاء، ويتحول المجتمع من مجتمع منتج للأفكار إلى مجتمع مستهلك للخوف.

هجرة العقول والنزيف المعرفي: أسست هذه الممارسات القمعية لأكبر موجة هجرة كفاءات في تاريخ المنطقة. فالعالم والأديب والمترجم والمخترع الذين ركبوا آليات السوق إلى المعسكرات، أدركوا مبكرا أن بيئتهم الوطنية طاردة للعلم، مما دفع بآلاف العقول الفذة للهروب خارج البلاد بمجرد سنوح أول فرصة، ليخسر العراق أعمدته الحضارية.

تشويه السلم المجتمعي وثقافة العنف: إن غرس المفاهيم العسكرية، وتعميم لغة الأوامر الصارمة، وإحلال العقوبات البدنية المهينة محل الحوار الأكاديمي، ساهم في خلق مجتمع مشحون بـ"سيكولوجية الحرب". هذا التحول أنتج مظاهر العنف المجتمعي، وضعف قيمة المدنية، وجعل السلاح والسطوة القسرية معيارا للقوة بدلا من الكفاءة العلمية والأخلاقية.

إدانة تفرضها الذاكرة

إن إدانة ممارسات النظام السابق في عسكرة المجتمع ليست مجرد بكاء على أطلال الماضي، بل هي ضرورة وطنية وتاريخية لتفكيك إرث "الدولة الثكنة". إن مشهد الأستاذ الجامعي وطالب اللغات أو العلوم وهو يُهان في معسكرات التدريب سيبقى وصمة عار في جبين تلك الحقبة، وشاهدا على كيف يمكن للأنظمة الشمولية أن تدمر مستقبل الأوطان من خلال تدمير أثمن ما تملك: شبابها وعقولها.

إن الدرس الأكبر الذي يجب أن يعيه العراق اليوم، وهو يستشرف مستقبله، هو أن قوة الأوطان لا تُقاس بعدد البنادق والمستسلمين لثقافة الحرب، بل بعدد المختبرات العلمية، والجامعات الرصينة، ومساحات الحرية التي تُمنح للمبدعين لبناء وطن مدني مستقر، يتسع للأمل والشغف بالعلم والحياة.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon