التحديات التاريخية والمعاصرة أمام الكورد في سوريا
ماجد سوره ميري
التحديات التاريخية والمعاصرة أمام الكورد في سوريا: من مآسي الماضي إلى "اتفاقية السلام" في أربيل
في سياق الشرق الأوسط المتقلب، يظل مصير الكورد واحداً من أبرز التحديات الإنسانية والسياسية التي تختبر ضمير المجتمع الدولي. واليوم، وبينما تطوي سوريا صفحة نظام الأسد، يجد الكورد أنفسهم أمام مفترق طرق تاريخي: إما تكرار سيناريوهات التهميش، أو صياغة عقد وطني جديد يضمن الحقوق والخصوصية.
السياق التاريخي: دروس من الثمانينيات
لا يمكن فهم القلق الكوردي الراهن بمعزل عن دروس الماضي المأساوية. ففي العراق، كانت حملة الثمانينيات ضد الكورد الفيليين نموذجاً للتمييز العرقي المنهجي؛ حيث أدى مرسوم 666 لعام 1980 إلى إسقاط الجنسية عن مئات الآلاف وتهجيرهم، وما تبع ذلك من إبادة البارزانيين وجرائم الأنفال المروعة وسط صمت دولي مطبق.
هذا النمط التاريخي هو ما يخشى الكورد تكراره في سوريا؛ ورغم أن القيادة الجديدة في دمشق برئاسة أحمد الشرع قدمت إشارات إيجابية مؤخرا—كاعترافها باللغة الكوردية لغة وطنية وتبني عيد نوروز عطلة رسمية في كانون الاول/يناير 2026—إلا أن التحركات العسكرية على الأرض في الرقة ودير الزور أثارت مخاوف من "خيانة" التضحيات الكوردية في محاربة داعش.
أربيل: محرك الدبلوماسية والحل السلمي
وسط هذا التصعيد، برزت أربيل كمركز ثقل دبلوماسي لا غنى عنه؛ اذ يقود الزعيم الكوردي مسعود بارزاني وساطة رفيعة المستوى تهدف إلى نزع فتيل الانفجار. فبعد زيارته التاريخية للفاتيكان في 21 كانون الثاني/يناير لطلب دعم البابا ليو الرابع عشر، تحولت أربيل إلى ساحة لصياغة "اتفاقية السلام" السورية.
شهدت منطقة (بيرمام) اجتماعات ماراثونية ضمت أطرافا دولية ومحلية لها ثقلها ومنهم:المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك والجنرال كيفن لامبارت، وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، ورئيس المجلس الوطني الكوردي (ENKS) محمد إسماعيل.
هذا الحراك يعكس رؤية بارزاني في ضرورة توحيد الصف الكوردي وضمان انخراطهم في الدولة السورية الجديدة بضمانات دولية، وليس عبر "استسلام عسكري".
اتفاقية السلام: الـ 14 نقطة والفرصة الأخيرة
المؤشر الأهم في الأحداث الجارية هو الاجتماع "الحاسم" الذي عقد في 22 كانون الثاني/يناير 2026، والذي يهدف لإبرام معاهدة سلام نهائية تتضمن 14 نقطة. هذه الاتفاقية ليست مجرد وقف لإطلاق النار، بل هي خارطة طريق تهدف إلى:
الدمج الإداري والعسكري: تنظيم وضع "قسد" ضمن الجيش الوطني مع مراعاة الخصوصية المحلية.
خفض التصعيد: إنهاء الاشتباكات التي اندلعت في الحسكة وتأمين السجون التي تضم عناصر داعش.
الضمانات الدولية: الدور الأمريكي المباشر في الإشراف على الاتفاق يمنح الكورد الطمأنينة التي افتقدوها في تجارب سابقة.
ورغم إعلان وزارة الدفاع السورية عن هدنة لأربعة أيام، إلا أن التحدي يكمن في تحويل هذه "التفاهمات المؤقتة" إلى استقرار دائم يحمي الهوية الكوردية داخل إطار الدولة الموحدة.
خاتمة: نحو سوريا جديدة
إن نجاح "مسار أربيل" واتفاق النقاط الـ 14 يمثل الفرصة الأخيرة لسوريا لتجنب الانزلاق نحو صراعات عرقية مدمرة؛ وجهود الزعيم مسعود بارزاني والوساطة الأمريكية تضع النقاط على الحروف: الاستقرار لن يتحقق إلا بالاعتراف بالحقوق.
هنا نؤكد انه يجب على المجتمع الدولي أن يتعلم من مآسي الثمانينيات؛ فلا يمكن بناء "سوريا الجديدة" عبر إقصاء المكون الكوردي أو تفكيك قواه الأمنية دون بدائل سياسية ودستورية متينة؛ إن ما يحدث اليوم في أربيل قد يكون حجر الزاوية في بناء دولة المواطنة التي تضمن الكرامة للجميع.