البراغماتية السياسية.. "حُنكَة" نيجيرفان بارزاني في تفكيك أزمات بغداد وأربيل

البراغماتية السياسية.. "حُنكَة" نيجيرفان بارزاني في تفكيك أزمات بغداد وأربيل

فينوس بابان

2026-10-02T15:23:07+00:00

​في لحظات التحول التاريخي الكبرى، لا تُقاس حكمة القادة بحدّة الخطابات أو بالانكفاء على الذات بل بمدى قدرتهم على ابتداء الخطوات الشجاعة وصناعة الحلول الوطنية الجامِعة، إن الحضور الاستثنائي لرئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني، في العاصمة بغداد وإلقاء كلمته باللغة العربية الفصحى بمناسبة اليوم الوطني العراقي لم يكن مجرد مشاركة بروتوكولية كلاسيكية بل كان التدشين العملي لعقيدة البراغماتية السياسية،  الفلسفة الدبلوماسية الراسخة التي تقود بها رئاسة الإقليم المشهد السياسي.

​لقد قامت هذه الفلسفة على مزيج استراتيجي يجمع بين أقصى درجات المرونة الواقعية والدبلوماسية الناعمة وبين التثبيت القاطع للحقوق السيادية والدستورية للإقليم، إن التحدث بلغة المكون الأكبر في العراق لم يكن تنازلاً عن الخصوصية القومية بل كان مبادرة دبلوماسية استباقية كسر بها السيد نيجيرفان بارزاني الحواجز النفسية ونزع عبرها ذرائع التأزيم السياسي، محولاً المظلة الكوردستانية من ملجأ جغرافيا آمن حَمَى النازحين والمهجرين في المحن إلى مشروع دولة متكامل يمد ظله ليغطي كل أطياف العراقيين من الفاو إلى زاخو.

​تعتمد عقيدة البراغماتية السياسية في الفكر السياسي لرئيس إقليم كوردستان على أربعة مرتكزات استراتيجية تشكل عمودها الفقري:

​الخطاب المباشر للوجدان الوطني.. تخطي الحواجز والكتل المتصارعة للوصول المباشر إلى الشارع العراقي عبر إعادة صياغة الخطاب بلغة جامعة تكرس المواطنة الدستورية بديلًا عن المحاصصة الضيقة.

​الاستقرار الكلي كشرط للأمن الذاتي.. الإيمان البراغماتي بأن قوة أربيل واستقرارها ينبعان ويترابطان وثيقاً مع استقرار بغداد وسائر المحافظات، وبناءً عليه فإن حماية تجربة الإقليم تتطلب المبادرة الحثيثة لبناء التوافقات في العاصمة الاتحادية.

​تحويل القوة الناعمة إلى أداة تثبيت دستوري.. تبديد أسباب التشكيك في التزام الإقليم بالدولة الاتحادية وبناء بيئة تفاوضية قائمة على الثقة المتبادلة تجعل الالتزام بالحقوق الفيدرالية واجباً أخلاقياً وسياسياً على الجميع.

​تثبيت المفهوم الأمني الموحد.. غلق أي ثغرة سياسية أو أمنية يمكن أن تستغلها الجماعات الإرهابية أو السلاح المنفلت للتغلغل بين خطوط البيشمركة والقوات الاتحادية.

البراغماتية السياسية في مشرحة الملفات المعقدة

​عند تطبيق هذه الفلسفة الدبلوماسية على الملفات الشائكة بين أربيل وبغداد تتضح مكاسب هذا التحول الاستراتيجي:

​ملف النفط وقوانين الطاقة

​تغيير منطق الحوار.. تبتعد البراغماتية السياسية عن سجالات الإدارة والأحكام لتركز على المنفعة الاقتصادية الوطنية المتبادلة، الخطاب يُظهر استئناف تصدير النفط وقوانين إدارة الثروات كضرورة اتحادية لرفد الخزينة العامة مما يدفع باتجاه التفاهم وإقرار قانون النفط والغاز المعطل بروحية الشراكة.

​إعادة الثقة للشركات العالمية..  توفر هذه النبرة الدبلوماسية المنسجمة للشركات الأجنبية والشركاء الدوليين بيئة سياسية آمنة تُبعد ملف الطاقة عن التجاذبات المفاجئة.

​ملف الموازنة المشاريع الممتدة (طريق التنمية)

​تأمين الاستحقاقات كحق سيادي.. تحول البراغماتية السياسية ملف مستحقات موظفي الإقليم وحصته المالية من خانة التجاذبات الانتخابية إلى التزام دستوري واجب النفاد، يضمن كرامة وحقوق كافة المواطنين دون تمييز.

​تكامل مشاريع البنية التحتية.. تفتح هذه الأجواء التفاهمية الباب أمام اندماج إقليم كوردستان في مشاريع اقتصادية سيادية كبرى مثل طريق التنمية، ليصبح الإقليم بوابة العراق التجارية نحو أوروبا وتركيا.

​الملف الأمني الجيوسياسي: (انسحاب التحالف وحصر السلاح)

​صياغة بديل استراتيجي لإعادة تموضع التحالف الدولي.. في ظل التحولات الجارية بشأن شكل الوجود العسكري للتحالف الدولي والقوات الأمريكية في العراق يرسل خطاب السيد نيجيرفان بارزاني إشارة استراتيجية مفادها أن الضامن الحقيقي للاستقرار ومنع فراغ السلطة هو الشراكة العسكرية العضوية بين البيشمركة والقوات الاتحادية، إن إظهار التماسك الرئاسي والمؤسساتي يُطمئن واشنطن والعواصم الدولية على مقدرة العراق بجغرافيتيه (الاتحادية والإقليم) على إدارة ملفه الأمني بذاتية واقتدار.

​الضغط المؤسساتي الناعم لحصر السلاح بيد الدولة.. يمثل التمسك بالدستور ولغة الدولة الاتحادية نقدًا ضمنيًا ونوعيًا لمنطق السلاح الموازي والسلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية (الفصائل)، فالخطاب يعيد التأكيد على أن الشراكة الوطنية لا يمكن أن تستقيم إلا تحت سقف سيادة القانون واحتكار الدولة الشرعي للسلاح، مما يضع أي سلوكيات مسلحة خارج إطار المنظومة الأمنية الرسمية في موضع الحرج السياسي ويُسقط عنها ذرائع التمدد أو فرض الإرادات.

​ خطوط التأثير على صناعة القرار والمكونات والمنطقة

​صناع القرار ورعاة الدستور.. يُثبت الخطاب أمام المحكمة الاتحادية والمؤسسات السيادية أن روح الدستور قائمة على التوازن والتوافق والشراكة، إن صيانة هذه الأركان هي الضمانة الوحيدة لاستقرار العراق ككل.

​العرب، الكورد، التركمان، المسيحيون والإيزيديون.. يعيد السيد نيجيرفان بارزاني تقديم إقليم كوردستان كنموذج عملي لـ العراق المصغر المتعدد، وطن لا يُقصي أحداً وتتسع مظلته لحماية النسيج المجتمعي بأكمله تحت سقف التعايش والأمان.

​الأبعاد الإقليمية والدولية (أنقرة، طهران، العواصم العربية والمجتمع الدولي).. تلقت القوى الإقليمية والدولية هذه المبادرة بتقدير عالٍ حيث أثبتت أن رئاسة إقليم كوردستان هي صمام الأمان ورصيد الحكمة والدبلوماسية الحقيقي وجسر التواصل الحيوي مع العمق العربي والدولي.

​

لم تكن الكلمة التي ألقاها الرئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني باللغة العربية مجرد عبارات احتفالية في مناسبة وطنية بل كانت تأسيساً لمرحلة جديدة من الدبلوماسية الحكيمة التي تُعيد صياغة المستقبل، لقد برهنت البراغماتية السياسية على أن القيادة الرفيعة لا تتجلى في الجدران والعزلة بل في القدرة على مد الجسور والوصول إلى القلوب واعتلاء منصة المسؤولية الوطنية الشاملة.

​إن الحقيقة الاستراتيجية الساطعة التي تركها السيد نيجيرفان بارزاني في وجدان المتابعين تتلخص في درس تاريخي بليغ: إن متانة السقف الوطني هي الضمانة الوحيدة لأمن واستقرار كل أركانه وأن القيادة التي تملك الشجاعة للتحدث بلغة الجميع والترفع عن الخلافات هي وحدها المؤهلة لرسم ملامح الغد المشرق.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon