الاربعينية.. القوة الناعمة التي تعيد رسم صورة العراق
وفاء الفتلاوي
لم تعد زيارة الاربعين مجرد مناسبة دينية تستقطب ملايين الزائرين من داخل العراق وخارجه بل تحولت مع مرور السنوات الى واحدة من ابرز ادوات القوة الناعمة التي يمتلكها العراق لما تحمله من رسائل انسانية وثقافية واجتماعية تتجاوز الحدود الجغرافية والاختلافات الدينية والقومية.
وفي عالم باتت الدول تتنافس على تعزيز حضورها عبر الثقافة والقيم والقدرة على التأثير تبرز الاربعينية بوصفها نموذجا عراقيا فريدا يعكس صورة مختلفة عن البلاد فبدلا من ان تقدم اسم العراق بالحروب والازمات الامنية تقدم هذه المناسبة مشهدا مغايرا عنوانه التكافل والتسامح والتطوع حيث يشارك ملايين العراقيين من جميع الاطياف والمذاهب والمكونات في خدمة الزائرين دون مقابل في تجربة انسانية نادرة يصعب العثور على مثيل لها بهذا الحجم والاستمرارية.
وتكمن اهمية هذا الحدث في انه لا يعتمد على الحملات الدعائية او الخطاب السياسي بل تستند الى واقع يراه العالم على الارض فالمواكب والمضيفات والجهود التطوعية وحسن الاستقبال كلها عناصر تصنع صورة ذهنية ايجابية عن العراق وتمنح وسائل الاعلام العالمية مادة مختلفة عن الصورة التقليدية التي ارتبطت بالبلاد لعقود.
كما ان الزيارة الاربعينية لم تعد حدثا محليا بل اصبحت ملتقى عالميا فيه زائرون من عشرات الدول يحمل كل منهم تجربته وانطباعاته الى بلده بعد انتهاء الزيارة وبهذا المعنى يتحول كل زائر الى ناقل لصورة العراق في ممارسة عملية للدبلوماسية الشعبية التي تؤدي دورا مؤثرا في بناء جسور التواصل بين الشعوب.
ولا يقتصر تاثير الاربعينية على الجانب المعنوي بل يمتد الى البعد الاقتصادي ايضا اذ تنشط قطاعات النقل والفندقة والاسواق والاتصالات والخدمات فضلا عن توفير فرص عمل موسمية وتحريك عجلة النشاط التجاري في العديد من المحافظات وهو مايجعل الزيارة رافدا اقتصاديا يستحق المزيد من التنظيم والاستثمار.
وفي المقابل فان الحفاظ على هذه المكانة يتطلب تطوير البنية التحتية وتحسين الخدمات وتعزيز الادارة الاحترافية للزيارة بما ينسجم مع حجمها العالمي فالقوة الناعمة لا تبنى بالحدث وحده وانما باستدامة النجاح وتحويله الى عنصر دائم في تعزيز مكانة الدولة.
لقد اثبتت الاربعينية ان العراق يمتلك من المقومات الحضارية والانسانية مايؤهله للتاثير في محيطه والعالم ليس عبر القوة العسكرية او الخطابات السياسية بل من خلال قيم العطاء والتعايش السلمي والتضامن التي تجسدها هذه المناسبة عاما بعد اخر ومن هنا فان استثمار هذا الرصيد الانساني والثقافي يمثل فرصة حقيقية لاعادة رسم صورة العراق بوصفه بلدا قادرا على تصدير القوة الناعمة في المنطقة والعالم.