(مقال) محمد حسن برزو الفيلي.. التاجر الذي سخّر ثروته وروحه لخدمة القضية الكوردية

(مقال) محمد حسن برزو الفيلي.. التاجر الذي سخّر ثروته وروحه لخدمة القضية الكوردية
2026-10-10T19:35:25+00:00

فؤاد روند

وُلد محمد حسن برزو الفيلي في الأول من تموز عام 1923، في شارع غازي، المعروف لاحقاً بشارع الكفاح، وسط العاصمة بغداد، ونشأ في أسرة بغدادية من صغار التجار، ارتبط تاريخها بعلاقات وثيقة مع شخصيات وقيادات كوردية بارزة. وقد برز منذ شبابه بوصفه شخصية وطنية مثقفة، جمعت بين النشاط التجاري والالتزام بالقضية الكوردية، التي سخّر لخدمتها جانباً كبيراً من وقته وإمكاناته، حتى عندما تعارض نشاطه السياسي مع مصالحه التجارية.

تلقى برزو تعليمه الأولي على يد الملا نظر علي الفيلي، قبل أن يلتحق بالمدارس الرسمية ويكمل دراسته المتوسطة. وكان يتقن اللغة الكوردية بلهجاتها الفيلية والسورانية والبهدينانية، إلى جانب العربية والفارسية، فضلاً عن إلمامه باللغة الإنجليزية.

ارتبطت أسرته منذ زمن بعيد بعلاقات وثيقة مع الشيخ محمود الحفيد البرزنجي (1878–1956)، الذي حلّ ضيفاً عليها لدى عودته من منفاه في الهند عام 1922، وقبل توجهه إلى السليمانية. كما احتفظت الأسرة بعلاقات متينة مع حكام الإمارة الفيلية، التي انتهى وجودها السياسي عام 1928 في عهد الشاه رضا بهلوي (1878–1944).

ومنذ شبابه، نسج برزو علاقات صداقة ونضال مع عدد من الشخصيات الكوردية، من أبرزها عبد الكريم مراد، المعروف باسم "يد الله الفيلي" (1932–2022)، وعبد الحسين علي علوش، المعروف باسم "عبد الحسين فيلي" (1932–2015)، اللذان أصبحا لاحقاً من قيادات الحزب الديمقراطي الكوردستاني.

البدايات السياسية والعمل القومي

بدأ برزو نشاطه الحزبي المنظم عام 1943، عندما انضم إلى حزب "هيوا"، الذي مثّل إحدى المحطات المهمة في تطور الحركة القومية الكوردية.

وفي انتخابات الهيئة الإدارية لنادي انتصار الكورد (یانه‌ی پێشكه‌وتنی كوردان) عام 1944، دعم كتلة علي كمال بك (1900–1998)، التي ضمت في معظمها شباباً كوردياً واجهوا كتلة معروف جياووك (1885–1958). وكان برزو ينظر إلى النادي بوصفه مركزاً اجتماعياً وثقافياً مهماً للكورد في بغداد، ومنبراً لتعزيز روابطهم القومية.

وفي عام 1945، وبناءً على توصية الدكتور جعفر الفيلي (1910–2000)، اضطلع بمهمة نقل الأدوية والمستلزمات الطبية إلى مدينة رواندز، ومنها إلى المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة ثورة بارزان الثانية، عبر عبد الوهاب آغا الرواندزي (1909–1972).

وخلال العام نفسه، زار برفقة الدكتور جعفر الفيلي قيادة "هيئة الحرية"، المعروفة أيضاً باسم "لجنة الحرية"، بالقرب من بارزان، بترتيب من عبد الوهاب آغا الرواندزي.

وفي تلك السنة، انضم إلى حزب "ڕزگاری كورد" (إنقاذ الكورد)، قبل أن يصبح عام 1946 عضواً فاعلاً في الحزب الديمقراطي الكوردي – العراق.

وكان له دور محوري في التحضير للمؤتمر التأسيسي للحزب، بعدما كلّفه الدكتور جعفر الفيلي بتأمين مكان مناسب لانعقاده في بغداد، ضمن الأحياء التي يتركز فيها الكورد الفيليون، وتحديداً في محلة أبي سيفين.

وفي 16 آب 1946، تولى برزو بصورة سرية التحضيرات اللوجستية للمؤتمر، بما في ذلك حراسة مكان انعقاده وتأمينه. ونظراً إلى الظروف الأمنية والطابع السري للاجتماع، أُنجزت أعماله الأساسية خلال نصف يوم.

من التنظيم الحزبي إلى العمل الشبابي والاجتماعي

في عام 1951، كلّفه موسى كاظم، المعروف باسم محمد الفيلي (1927–2007)، بمسؤولية لجنة منطقة بغداد التابعة للحزب الديمقراطي الكوردي – العراق.

وفي عام 1953، شارك في المؤتمر الأول لاتحاد شبيبة كوردستان الديمقراطي، المنعقد في بغداد. وبوساطة جلال حسام الدين نور الدين، المعروف باسم جلال طالباني (1933–2017)، تولى مسؤولية الاتحاد في بغداد ووسط العراق وجنوبه، وبدأ بتوسيع نشاطه التنظيمي بين الشباب الكورد في العاصمة.

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1956 و1958، تعاون مع القاضية الدكتورة زكية إسماعيل حقي ميرزا، المعروفة باسم الدكتورة زكية الفيلي (1929–2021)، أول سكرتيرة لاتحاد نساء كوردستان، في جمع التبرعات من الأوساط الكوردية ببغداد، ولاسيما التجار والمقاولين.

ووجّه الطرفان تلك المساعدات إلى أسر المعتقلين والمبعدين من أعضاء الحزب الديمقراطي الكوردستاني الموحد، فضلاً عن العائلات الكوردية الفقيرة والأرامل في بغداد والبصرة والكوفة وخانقين وكفري والناصرية والكوت والعمارة.

ولم يقتصر نشاط برزو على العمل الحزبي وجمع التبرعات، بل امتد إلى تشجيع النساء الفيليات الميسورات على دعم نادي انتصار الكورد مالياً. وكانت بين هؤلاء النساء صاحبات مشاريع اقتصادية، شملت معامل الغزل والنسيج وصناعة السجائر والمخابز.

كما شجّع التجار الفيليين على الاستثمار في معامل الصابون وصناعة الأحذية والمدابغ في بغداد، وأسهم في تأسيس شركتين لنقل البضائع والركاب، بهدف توفير فرص عمل للشباب الكورد العاطلين عن العمل.

وبذلك، تحولت أنشطته الاقتصادية إلى وسائل عملية لدعم الحركة الكوردية، من خلال توفير فرص العمل والمقرات ووسائل النقل، وربط النشاط التجاري بالعمل القومي والاجتماعي.

الشورجة.. مكتب تجاري ومركز للعمل السري

بين عامي 1956 و1958، تحوّل مكتب برزو التجاري في سوق الشورجة ببغداد إلى أحد المراكز السرية المهمة للحزب الديمقراطي الكوردستاني الموحد، إذ احتضن مطبعة سرية للحزب، وكان ملاذاً لإيواء رفاقه المطلوبين من الشرطة السرية.

ولعب المكتب دوراً في نقل المراسلات والمنشورات الحزبية إلى الدكتور جعفر الفيلي في طهران، فضلاً عن تسهيل الاتصال بين المناضلين الكورد في دمشق والجنرال إحسان نوري باشا (1892–1976)، الذي كان يقيم آنذاك في العاصمة الإيرانية، وذلك بناءً على توصية الدكتور جعفر الفيلي.

وقد عكست هذه الأنشطة طبيعة الدور الذي أداه برزو، فلم يكن مجرد تاجر يتبرع للحركة الكوردية، بل أصبح جزءاً من شبكاتها التنظيمية واللوجستية، مستفيداً من علاقاته التجارية والاجتماعية الواسعة.

عودة بارزاني وتوسيع النشاط القومي

في عام 1958، أدى برزو دوراً بارزاً في استقبال الملا مصطفى بارزاني (1903–1979) في مطار المثنى ببغداد، كما شارك في تنظيم الاحتفال الرسمي الذي أقامه الحزب الديمقراطي الكوردستاني الموحد في قاعة الشعب بمناسبة عودته من المنفى.

وكان أيضاً من المشرفين على المأدبة الكبيرة التي أقامها التاجران الفيليان جاسم نريمان ورحيم الفيلي في بغداد تكريماً للملا مصطفى بارزاني.

وفي عام 1959، تولى برزو مسؤولية تنظيم انتقال مجموعة من مستقبلي رفاق بارزاني من بغداد إلى البصرة بالقطار، للمشاركة في استقبال العائدين من الاتحاد السوفيتي.

كما حثّ الكورد المقيمين على امتداد خط السكك الحديدية بين البصرة وبغداد على التجمع في المحطات، ورفع لافتات الترحيب بالعائدين.

وتقديراً لهذه الجهود، تلقى برزو الشكر من المحامي حمزة عبد الله عمر (1914–1998)، سكرتير الحزب.

وفي العام نفسه، أصبح عضواً في الهيئة الإدارية للنادي الفيلي الرياضي، مواصلاً نشاطه في المؤسسات الاجتماعية والثقافية الكوردية بالعاصمة.

الثقافة والأدب في مسيرته النضالية

لم يكن محمد حسن برزو بعيداً عن الحركة الثقافية الكوردية، بل جمع في شخصيته بين الاهتمام بالأدب والعمل السياسي والاجتماعي.

ففي نيسان 1960، تقدم إلى وزارة الداخلية العراقية، إلى جانب أربعة عشر مثقفاً وأديباً كوردياً، بطلب للحصول على إجازة تأسيس اتحاد الأدباء الكورد.

وضمت المجموعة كلاً من الشيخ محمد الخال (1904–1989)، وأحمد هردي (1922–2006)، وشاكر فتاح (1914–1988)، وصالح اليوسفي (1918–1981)، وأنور مائي (1913–1963)، ومحرم محمد أمين (1921–1980)، ومحمد أحمد طه المعروف باسم كامران موكري (1929–1986)، والملا محمد مصطفى الكوردي (1909–1988)، ورمزي معروف، ورستم نافع عبد الفتاح، وحسين رشواني (1921–1997)، ومحمد توفيق وردي (1923–1975)، والأستاذة حسيبة محمد، وبرهان قانع (1935–1985).

وكان برزو ينظم الشعر باللهجتين الكورديتين الفيلية والسورانية، وتناولت قصائده موضوعات ثورية واجتماعية.

وقد أشار يد الله الفيلي إلى أن برزو ترك ديواناً شعرياً غير مطبوع، وأن عدداً من قصائده باللهجة الفيلية كان متداولاً بين الشباب الفيليين في بغداد، في دلالة على حضوره الأدبي إلى جانب نشاطه السياسي.

الحضور التنظيمي والمؤتمرات الحزبية

شارك برزو مندوباً عن بغداد في المؤتمر الرابع للحزب الديمقراطي الكوردستاني – العراق عام 1959، ثم في مؤتمره الخامس عام 1960، وكان في كلا المؤتمرين عضواً في اللجنة المكلفة بإسكان المندوبين في الفنادق وتأمين احتياجاتهم.

وفي 7 نيسان 1960، تقدم برفقة ثلاث عشرة شخصية أخرى بطلب إلى متصرف بغداد للحصول على إجازة لتأسيس مقر لفرع بغداد التابع للحزب الديمقراطي الكوردستاني.

وخلال العام نفسه، ورد اسمه في المرتبة الرابعة ضمن قائمة ضمت خمسين شخصية من أعضاء الهيئة المؤسسة الداعمة لتأسيس الحزب.

وكان أحد خمسة أعضاء من الكورد الفيليين في هذه الهيئة، إلى جانب عبد الحسين الفيلي، والمهندس ياسين محمد كريم، ويد الله الفيلي، والمحامي حبيب محمد كريم (1931–2013).

ثورة أيلول والانتقال إلى صفوف البيشمركة

مع اندلاع ثورة أيلول عام 1961، أدى برزو دوراً مهماً في حماية إبراهيم أحمد فتاح (1914–2000)، سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ومساعدته على الانتقال إلى المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة الحركة الكوردية.

وكان إبراهيم أحمد قد لجأ إلى منازل عدد من الشخصيات الكوردية التي تولت إخفاءه، من بينها سيامند عزيز عارس، المعروف باسم سيامند ميرگه‌سوري (1920–1966)، الذي سبق له المشاركة في صفوف بيشمركة ثورة بارزان الثانية، وجمهورية كوردستان في مهاباد، ومسيرة بارزاني نحو الاتحاد السوفيتي، إلى جانب الدكتورة زكية الفيلي.

ثم انتقل إبراهيم أحمد إلى منزل محمد حسن برزو، الذي تولى نقله من بغداد إلى السليمانية، ومنها إلى المناطق المحررة، مستخدماً شاحنة نقل البضائع التي كان يمتلكها.

وعقب انقلاب 8 شباط 1963، الذي شارك في تنفيذه البعثيون والناصريون، اضطر برزو إلى مغادرة بغداد والالتحاق بصفوف البيشمركة، وأصبح كادراً حزبياً في منطقة بنجوين.

وهناك، وضع خبرته التنظيمية وإمكاناته في خدمة قوات البيشمركة وسكان المنطقة، بعد سنوات من العمل السري داخل العاصمة.

الخلافات الحزبية وموقفه من الانقسام

في عام 1964، شارك برزو مندوباً في الاجتماع الموسع الذي عُقد بمنطقة ماوت، والمعروف في التاريخ السياسي الكوردي باسم "كونفرانس ماوت".

وجاء الاجتماع في سياق الخلاف الحاد بين جناح المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني وجناح الملا مصطفى بارزاني، وسعي الأول إلى إبعاد بارزاني عن قيادة الحزب.

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1964 و1966، اختار برزو التزام الحياد في الصراع بين الجناحين، قبل أن يبتعد عن النشاط السياسي المباشر.

غير أنه عاد عام 1967 إلى التعاون مع الجناح السابق للمكتب السياسي، بعد عودته إلى المدن، استجابة لطلب جلال طالباني، الذي ربطته به صداقة وثيقة.

وبين عامي 1968 و1970، كان برزو عضواً في الهيئة الإدارية لصحيفة "النور"، الصادرة باللغة العربية في بغداد، والتي مثّلت لسان حال مجموعة إبراهيم أحمد – جلال طالباني.

وضمت الهيئة الإدارية للصحيفة كمال محيي الدين أسعد، وعمر مصطفى محمد أمين المعروف باسم عمر دبابة (1923–1992)، وحلمي علي شريف (1931–1998)، ومحمد حسن برزو، وخالد عبد الواحد أحمد المعروف باسم خالد دلير (1933–2011).

وفي الفترة الممتدة بين عامي 1969 و1970، تعاون برزو مع الدكتور مراد عزيز (1918–1980)، العضو السابق في المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني، في مساعٍ لتأسيس معارضة إيرانية ضد حكم الشاه محمد رضا بهلوي (1919–1980).

غير أن مقتل الجنرال تيمور بختيار (1914–1970)، الذي كان يتزعم هذه المعارضة، أدى إلى تفككها وتوقف نشاطها.

وبعد اتفاقية 11 آذار 1970، عاد برزو إلى صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني، مستأنفاً ارتباطه التنظيمي بالحزب بعد سنوات من الانقسامات والخلافات الداخلية.

الاغتيال وإرثه الوطني

في ليلة 22 تموز 1973، اغتيل محمد حسن برزو الفيلي في بغداد على يد مسلحين ينسبهم كاتب هذه السيرة إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، لتنتهي حياته عن خمسين عاماً، بعد مسيرة امتدت عبر مراحل مفصلية من التاريخ السياسي الكوردي المعاصر.

وقد وثّقت الدكتورة زكية الفيلي ويد الله الفيلي جوانب مهمة من نشاطاته السياسية والاجتماعية والتنظيمية، آملين أن يتولى ورثته نشر هذه المعلومات، بما يسهم في حفظ سيرته وإبراز دوره في الحركة الكوردية.

ولم تقتصر أهمية برزو على انتمائه الحزبي أو مشاركته في الأحداث السياسية، بل تجلت في قدرته على توظيف التجارة والعلاقات الاجتماعية والنشاط الثقافي لخدمة قضية قومية آمن بها، وفي مساهمته بتوفير الدعم المالي واللوجستي والإنساني للعاملين في صفوف الحركة الكوردية وللعائلات المحتاجة.

وهكذا، بقيت سيرة محمد حسن برزو الفيلي شاهداً على دور الكورد الفيليين في الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية العراقية، وعلى إسهامهم في الحركة التحررية الكوردية، بوصفهم جزءاً فاعلاً من تاريخها، لا مجرد داعمين لها من خارج صفوفها.

لقد مثّل برزو نموذجاً للتاجر الوطني الذي لم يفصل بين مصالحه الاقتصادية وقناعاته القومية، بل وضع موارده وعلاقاته وخبراته في خدمة ما آمن به، تاركاً إرثاً يستحق التوثيق والدراسة في ذاكرة الحركة الكوردية وتاريخ الكورد الفيليين في العراق.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon