لاوة.. لاوة: عن الصبر الذي صار خبزاً، والوجع الذي صار هويّة

لاوة.. لاوة: عن الصبر الذي صار خبزاً، والوجع الذي صار هويّة صورة موّلدة في الذكاء الاصطناعي
2026-05-11T18:16:47+00:00

ریڤين محمد رزوقي/ "لاوة.. لاوة".. لم تكن هذه الكلمات مجرد تهويدة رتيبة تهزّ بها أمهاتنا مهودنا الخشبية في أزقة "عگد الأكراد" الضيقة، أو في بيوت "جميلة" الصامدة. كانت صلاةً من طراز خاص، نشيداً للمقاومة عُجن بالدمع، وعهداً سرياً يُقطع بين الأم وطفلها في عتمة الليل" أننا، رغم كل هذا الخراب، باقون."

أكتبُ اليوم بلسان حالي، كابنة شهدت كيف انكسر الضوء في عينيّ أمها ولم ينطفئ. أكتب باسم "زيان"، أمي التي كان اسمها بحد ذاته إعلاناً للمقاومة؛ فـ "زيان" في اللغة العربية تعني "الحياة". هكذا كان أجدادي يختارون أسماءنا، يغرسون فينا الأمل كتميمة ضد الموت، ويختارون مفردات مفعمة بالوجود والارتباط بالأرض، وكأنهم كانوا يتنبؤون بأننا سنواجه أزمنة تحاول محونا، فجعلوا من أسمائنا حصوناً نتحصن بها.

حين صار البيتُ غريباً.. والاقتلاعُ قدراً

أتذكرُ تلك الليالي التي لم تكن تشبه الليالي في شيء. في زمن النظام المقبور، لم يكن الخطر يطرق الأبواب، بل كان يخلعها. أمهاتنا، اللواتي قضين أعمارهنّ في حياكة الصوف وعمل "الليفة" وخبز "التيري" ورشّ العتبات بالماء بانتظار الغائبين، وجدنَ أنفسهنّ فجأة "غريبات" في عقر دار هنّ. بجرّة قلم حاقدة، سُلبت الهوية. لم تكن المسألة مجرد ورقة تُصادر، بل كان إحساساً مرعباً بأنّ الأرض التي مشت عليها الأم الفيلية حافية القدمين بدأت تضيق تحتها.

غصّة الفقد: "عضيد الروح" الذي غُيِّب

لكنّ الوجع الأكبر، تلك السكين التي انغرست في خاصرة أمي ولم تخرج قط، كانت لحظة اقتياد "عضيدها" خالي شوان. كان لاسمه هيبة تليق به، فـ "شوان" هو "الراعي" أو "الحافظ"، ذاك الذي يرعى أهله ويحرس أحلامهم بقلبه. لكن يد الغدر اختطفت الراعي من وسط قطيعه المحب.

لا تزال صرخة أمي المكتومة ترنّ في بيتنا وهي تراه يُسحب من بينهم، لا لذنبٍ اقترفه سوى أنه "فيلي"، يحمل طهر هذه الأرض في سحنة وجهه السمراء الصادقة. استشهد خالي شوان في غياهب السجون، وحُرمت "زيان" حتى من ترف الوداع. صار استشهاده جرحاً مفتوحاً ينمو مع حكاياتها؛ كانت تهمس باسمه وهي تهزّ مهدي، تمزج دمعها بكلمات "لاوة"، وكأنها تخبرني أن "الراعي" الذي غاب جسداً، بقي بروحه يحرس هويتنا من الضياع.

شموخُ النخلة في وجه العاصفة

كانت الأم الفيلية هي "الخيمة" التي لم تكسرها الريح. امي  وأمثالها حافظن على ديمومة الحياة رغم محاولات الوأد. هي التي حافظت على هويتنا، علمتنا لغتنا التي حاولوا خنقها، حكت لنا عن أسواق بغداد التي غادروها قسراً، وظلت بقلبها المؤمن تزرع فينا أن الظلم سحابة صيف.

رسالة من القلب

نحنُ بنات تلك النساء اللواتي قهرنَ المستحيل. نحنُ نتاج تعب أمهاتٍ فُجِعنَ بالأزواج والإخوة والأبناء، وظللنَ كأشجار البلوط في جبالنا.. ثابتات، شامخات.

"لاوة لاوة" يا أمي .. يا من كنتِ الحياة في زمن الموت، ويا خالي "شوان" يا من صنت بدمك عهد الأرض. نام الآن قرير العين، فقد انتصر صبرك على سوط الجلاد، وظل دمك منارة تحرس انتماءنا لهذا الوطن.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon