بعد جفاف خطير.. الجواميس والأسماك تستعيد عافيتها ومربوها يحتفلون بمياه شط الحلة (صور)
شفق نيوز- بابل
أدت موجة الجفاف الشديد التي مرّ بها العراق خلال السنوات الماضية وتحديداً من العام 2020 حتى 2024 إلى انخفاض خطير في مناسيب المياه في نهري دجلة والفرات تسبب بانحسار كبير في القطاع الزراعي في عموم البلاد إلا أنه تركز بشكل أوضح في وسط وجنوب العراق.
ومع شح الأمطار و"حرب المياه" التي تشنها دول المنبع على العراق، بانت التداعيات واضحة على الثروة الحيوانية أيضاً كالأسماك والمواشي حيث فقدت المراعي جراء تراجع الزراعة، وكذلك جفاف الأهوار والمستنقعات التي تُعد مصدر الحياة بالنسبة لحيوان الجاموس، مما أدى إلى نزوح جماعي نحو محافظات الفرات الأوسط بحثاً عن المياء.
وخلال العامين الماضي والحالي ومع تحسن الطقس والأمطار الغزيرة التي شهدتها الأجواء العراقية وكذلك موجات الثلوج التي هطلت على البلاد وعلى تركيا، المصدر الأهم والأكبر لمياه العراق، بدأت الحياة تعود تدريجياً في قطاعي الزراعة والثروة الحيوانية في وسط وجنوب البلاد.
وعلى الرغم من تحسن الوضع المائي في العراق خلال العام الحالي، مقارنة بالأعوام السابقة، إلا أن ذلك جاء بعد معاناة كبيرة، فبحسب مستشار محافظة ذي قار لشؤون التصحر والجفاف، حيدر سعدي، التي تُعد أهم موطن للجاموس في العراق نظراً لكثرة الأهوار فيها، فإن الجفاف أدى إلى "تداعيات كارثية" حيث نزحت أكثر من 10 آلاف و500 أسرة، بما يناهز 60 ألف نسمة، خلال الفترة الأخيرة.
وقال سعدي، لوكالة شفق نيوز، في 24 شباط/ فبراير 2026، إن "98% من المناطق الرطبة والزراعية في المحافظة تحولت إلى أراضٍ بور وصحراوية غير صالحة للزراعة، نتيجة انحسار التدفقات المائية بشكل حاد".
وأضاف أن "الأزمة تسببت خلال السنوات الأربع الأخيرة بنفوق أكثر من 15 ألف رأس من ثروة الجاموس، وفقدان 90% من الثروة السمكية"، واصفاً ذلك بـ "قتل التنوع الإحيائي في المنطقة".
كما حذر المستشار من الآثار الخطيرة لهذه الهجرة الجماعية، والتي تمثلت بزيادة البطالة والأميّة، إضافة إلى تغيرات ديموغرافية، وظهور حالات من التنمر والتشدد الاجتماعي نتيجة الاحتكاك بين السكان الأصليين والمهاجرين.
ولفت سعدي، إلى ضرورة الضغط على تركيا لزيادة الاطلاقات المائية، خاصة مع دخول موسم الجفاف للسنة السادسة على التوالي.
وبالعودة إلى ما شهده العام الحالي من تحسن في مناسيب المياه، تبدو محافظة بابل (وسط العراق) أكثر انتعاشاً، خاصة وأنها اشتهرت بأجود أنواع القيمر "ﮔيمر السدة" وهو الذي ينتجه مربو الجاموس في قضاء الهندية المعروف محلياً بـ"سدة الهندية"، عاد الأمل مجدداً لاستمرار هذه المهنة والحفاظ على هذا الحيوان الأسود اللون الذي تراجعت أعداده بشكل كبير حيث اضطر المربون في سنوات الجفاف إلى بيع بعض جواميسهم لتوفير الأعلاف لباقي القطيع وأيضاً للحصول على المال بعد أن تراجع إنتاج حليب الجاموس ومشتقاته جراء الجفاف.
عدسة وكالة شفق نيوز رصدت قطعاناً من الجواميس مع مربيها وهي تسبح في مياه شط الحلة وسط المحافظة، فيما يغمر مربوها أجسامهم بمياه النهر هرباً من حرارة الطقس ولهيب الشمس.
وبموازاة ذلك، عاد صيادو الأسماك لممارسة مهنتهم أيضاً، حيث يلقون بشباكهم من على زوارقهم بالقرب من قطعان الجاموس، آملين الحصول على صيد وفير من السمك النهري المفضل بشدة لدى عموم العراقيين.
وكان وزير الموارد المائية السابق عون ذياب عبد الله، قد أكد في التاسع من شهر شباط/ فبراير 2026، أن البلد يمر حالياً بأشد سنوات الجفاف، بسبب التغييرات المناخية والسدود التي أنشأتها تركيا في منابع الأنهار.
وقال خلال ترأسه اجتماع خلية الأزمة المركزية لمعالجة شح المياه وإزالة التجاوزات، على "ضرورة تكاتف الجهود والمؤسسات كافة لتجاوز الأزمة القاسية لشح المياه والتي عصفت بالبلاد"، بحسب بيان ورد لوكالة شفق نيوز في حينها.
وأضاف أن "العراق يمر حالياً بأشد سنوات الجفاف، بسبب التغييرات المناخية واستثمار دول أعالي المنبع للموارد المائية في إنشاء مشاريع خزنية وإروائية في منابع هذه الأنهار وخاصة الجارة تركيا".
وتتعرض المجتمعات الريفية لتغيير ديمغرافي وحركة نزوح تحت وطأة الجفاف الذي يشتد في عموم أنحاء العراق ولا سيما في المحافظات الجنوبية، ما تسبب في تدهور الثروات الحيوانية والسمكية، وتراجع جودة التربة، وأثر سلباً على السلم الغذائي والتوازن البيئي الموجود في الأرياف.
ويعد العراق من بين أكثر خمس دول تضرراً من التغير المناخي بحسب تقارير للأمم المتحدة ومنظمات دولية معنية بالموضوع.
وقالت منظمة البنك الدولي، في نهاية العام 2022، إن العراق يواجه تحدياً مناخياً طارئاً ينبغي عليه لمواجهته التوجه نحو نموذج تنمية "أكثر اخضراراً ومراعاةً للبيئة"، لا سيما عبر تنويع اقتصاده وتقليل اعتماده على الكربون.
ووفقا لتقرير صادر عن المنظمة، فإنه وبحلول العام 2040، "سيكون العراق بحاجة إلى 233 مليار دولار كاستثمارات للاستجابة إلى حاجاته التنموية الأكثر إلحاحاً فيما هو بصدد الشروع في مجال نمو أخصر وشامل"، أي ما يساوي نسبة 6% من ناتجه الإجمالي المحلي سنوياً.
وكان مركز الإستراتيجي لحقوق الإنسان قد افاد في العام 2025، بأن العراق فقد نحو 30% من الأراضي الزراعية المنتجة للمحاصيل بسبب التغيرات المناخية خلال السنوات الثلاثين الاخيرة.